gototopgototop

التجار العلماء في الأندلس

تتناقض الإشارات إلى التجار ـ العلماء من أهل الأندلس المسافرين إلى الخارج خلال عهد الطوائف والمرابطين حتى في كتب السيرة التي تُعنى بأخبار العلماء الذين عاشوا في تلك الفترة. يذكر ابن الأبّار تاجراً من أهل قرطبة توفي في بَلَنسية عام 419 هـ/ 1028 م. كما يشير ابن بشكوال إلى اثنين من التجار ـ العلماء من أهل إشبيلية كانا ناشطين في بداية القرن الخامس الهجري/ الحادي عشر الميلادي. ويقول إن أحدهم، وهو من أصل عربي واضح (كما يدل عليه اسمه: القيسي) كان قد "طاف زمناً في أراضي إفريقيا والأندلس، طلباً للعلم والتجارة" قبل أن يتوفى عام 323 هـ/ 1033 م. وكان الآخر، وهو من إشبيلية كذلك، وقد يكون من أصل بربري، يعمل بالتجارة في إفريقيا مثل صاحبه.

وعلى النقيض من هذه الإشارات القليلة إلى التجار ـ العلماء المسافرين إلى المشرق في أوائل القرن الخامش الهجري/ الحادي عشر الميلادي، نجد وفرة نسبية من المعلومات عن سيرة التجار ـ العلماء القادمين إلى إسبانيا الإسلامية بين السنوات 414 ـ 432 هـ/ 1023 ـ 1041 م. فيذكر ابن بشكوال أسماء اثنين وعشرين من التجار ـ العلماء خلال هذه الفترة القصيرة (بينما لا يذكر سوى اثنين من غير الأندلسيين كانا من تجار القرن اللاحق). وكان التجار المسلمون الذين يذكرهم قد جاءوا من شتى أنحاء العالم الإسلامي. وكان بعضهم يرجع في أصوله إلى اليمن أو العراق، وبعضهم جاء من شمال إفريقيا، بينما كانت الغالبية قد جاءت إلى إسبانيا من سوريا ومصر.

وهذه الفترة التاريخية تبعث على الحيرة، لأن هذه السنوات العشرين تربط الفجوة بين السنوات الأخيرة من عهد الأمويين وبين بداية ظهور دول الطوائف، وهو عهد عرف بظهور القلاقل والحرب الأهلية. ويتوقع المرء أن يجد تناقصاً في النشاط التجاري في هذه الفترة، كما تشير المعلومات عن التجار الأندلسين. ولكن على النقيض من ذلك، ومع كون العيّنة أمامنا صغيرة، نجد الإشارات في كتب التراجم تتحدث عن استمرار تدفق التجار من الخارج على الأسواق الأندلسية خلال هذه الفترة من الاضطراب السياسي وضعف سيطرة الحكومة في إسبانيا الإسلامية.

وبعد هذا الازدهار القصير في الإشارات الوافرة، نجد المعلومات عن التجار ـ العلماء المشارقة تصبح نادرة بشكل فجائي بعد أواسط القرن الخامس الهجري/ الحادي عشر الميلادي. وكما تقدم ذكره، فإن ابن بشكوال لا يذكر سوى مثالين آخرين من التجار، أحدهما سوري والآخر بغدادي، قدم الأول إلى الأندلس عام 466 هـ/ 1073 م والآخر عام 483 هـ/ 1090 م، كما يذكر ابن الأبّار اسم تاجر ـ عالم واحد من قلعة بني حمّاد زار الأندلس ثم توفي في فاس عام 567 هـ/ 1172 م. وتبيّن المعلومات عن علماء الأندلس صورة مشابهة. فيذكر ابن بشكوال اسم تاجر واحد من القرن السادس الهجري/ الثاني عشر الميلادي، كان يعيش في ألمرية حتى عام وفاته في 531 هـ/ 1136 م، بينما يذكر ابن الأبّار تاجراً واحداً من دانية توفي عام 547 هـ/ 1152 م.

وربما يجب أن يُعزى تناقص أنشطة التجار ـ العلماء إلى أسباب غير تجارية ـ ربما كانت تكمن في وصول المرابطين والموحدين إلى إسبانيا ـ لأن مصادرنا لا تشير إلى شيء يتعلق بما بقي من أهل التجارة. فباستثناء كتب التراجم، نجد فتوى يسجلها الفقيه المازري (ت536 هـ/ 1441 م) حول تاجر مغربي كان يبيع بضاعته في أوائل القرن، كما نجد "رسائل الجنيزة" التي تعود إلى الفترة 1138 ـ 1140 م تسجل أخباراً عن تجار مسلمين وصلوا إلى الأندلس قادمين من الإسكندرية وليبيا. وتوجد نقوش على ثلاثة قبور في ألمرية تعود إلى الأعوام 519 و527 و540 هـ/ 1125 و1133 و1145 م تشهد على حضور تجاري في النصف الأول من القرن السادس الهجري/ الثاني عشر الميلادي. وتبيّن الآيات القرآنية المنقوشة على تلك الشواهد أن المتوفين كانوا جميعاً مسلمين، وأن واحداً منهم كان من أصل أندلسي، كما تبين نسبته "الشاطبي" (من مدينة شاطبة).

وتزداد المعلومات قليلاً عن نشاط التجار المسلمين في الأندلس في عهد الموحدين، الذي بدأ في أواسط القرن السادس الهجري/ الثاني عشر الميلادي واستمر إلى القرن السابع الهجري/ الثالث عشر الميلادي. ويشير الجغرافي الإدريسي أن الأندلسيين كانوا يتاجرون مع سَلا وغيرها من الموانئ المغربية حوالي عام 550 هـ (1150 م وما بعدها) حاملين الزيت الأندلسي إلى المغرب مقابل الحبوب المحلية. وفي تلك الفترة كان التجار من بلاد المسلمين الغربية، بما فيها الأندلس، يُشاهَدون في أسواق الإسكندرية، كما يروي الرحالة اليهودي الإسباني، بنيامين التطيلي في حدود عام 560 هـ/ 1165 م. وربما كان أحد هؤلاء الأندلسيين التاجر ـ العالم أحمد بن مروان الذي يذكر المنصف السَّلَفي أنه سافر إلى الإسكندرية وأصفهان والعراق في حدود تلك الفترة. ويذكر ابن الأبّار معلومات عن خمسة آخرين من التجار ـ العلماء، قد يكونون جميعاً من أصل عربي أندلسي، توفوا بين عامي 580 و642هـ/ 1184 و 1245 م. واستمر تواصل المشارقة مع إسبانيا خلال القرن السادس الهجري/ الثاني عشر الميلادي كما يروي الشقندي في حدود عام 595 ـ 609 هـ/ 1199 ـ 1212 م عندما يذكر بشكل عرضي الشحن البحري الذي يقوم به المسلمون في مالقة. وبعد ذلك بفترة، نقرأ عن تاجر آخر هو شقيق عالم من مرسية اسمه أبو العباس، الذي سافر إلى المشرق لأداء فريضة الحج مع أسرته عام 640 هـ/ 1242 م، فغرقت سفينتهم قرب بونة ولم ينجُ سوى أبي العباس نفسه وشقيقه الأكبر، التاجر. وذهب الشقيقان إلى تونس، حيث استمر الشقيق الأكبر في أعمال التجارة، بينما افتتح الأصغر مدرسة لتعليم القرآن.

 

نقلاً عن الحضارة العربية الإسلامية في الأندلس،

الجزء الثاني، بتصرف،

أوليڨيا ريمي كونستَبل،

مركز دراسات الوحدة العربية الطبعة الثانية،

بيروت، تشرين الثاني/ نوفمبر 1999