gototopgototop

صورة المرأة في الشعر الأندلسي

صورة المرأة في الشعر الأندلسي

بين الحسية والرمزية

د.فاطمة طحطح

جامعة محمد الخامس الرباط

 

تقــديـــم :

سأحاول في هذه المقالة، تتبع صورة المرأة في الشعر الأندلسي، حسب المراحل التاريخية، ومن خلال بعض الأبحاث التي أنجزتها في هذا الموضوع، ابتداء من رسالتي الجامعية : "الشعر في عهد المرابطين بالأندلس والمغرب" سنة 1984/1985 في الشعر الأندلسي على هذا العهد.[1]

وقد قدمت ملخصا عن هذه الدراسة في الندوة الدولية بقرطبة سنة 1987. ثم طورت هذا البحث في أطروحتي للدولة : "الغربة والحنين في الشعر الأندلسي"[2] ليشمل الفترات ما قبل عصر المرابطين إلى العهد النصري. وقبل أن أنتقل إلى مقاربة صورة المرأة من خلال بعض النماذج الشعرية، عبر هذه المراحل التاريخية الممتدة. أود قبل ذلك أن أمهد بلمحة عن طبيعة المجتمع الأندلسي وطبيعة رؤيته للحياة وضمن ذلك رؤيته للمرأة .. وهو مقصدنا.

تمهيـــد :

بناء على تحليل عدة نصوص تاريخية، تراجم، ونصوص نثرية وشعرية بالدرجة الأولى، يتبين أن هناك ازدواجية واضحة في حياة المجتمع الأندلسي وفي طريقة تفكيره وسلوكه ورؤيته للحياة. فهنا الدين والتقوى والورع وهناك الجهر بالمتع الحسية بلا حدود، هناك الجمود والتزمت وهنا الشذوذ والإنحلال.. وهي ظاهرة تحدث عنها الدكتور إحسان عباس في كتابه :"الشعر الأندلسي والأخلاق" وأتى بنماذج عديدة على هذه الإزدواجية مثلا. حديثه عن القاضي ابن ذكوان، كيف يكون شديدا، وقورا في مجلس القضاء، ثم كيف يكون متحررا،... في مجلس الصفاء ومع جلسانه وأصدقائه[3] وتعليل هذه الإزدواجية ـ عندنا ـ أن هذا المجتمع عاش أوضاعا خاصة، منها : تعدد العناصر والأجناس والطبقات التي كان يتكون منها،[4] ومنها على المستوى السياسي، الخارجي الداخلي، هناك الفتن والحروب التي لاتهدأ إلا لفترات محدودة، والتقلبات السياسية المذهلة التي عاشتها الأندلس. وعلى مستوى آخر هناك مستحدثات الحضارة الأندلسية الباذخة، خاصة في الأوساط المترفة، من طرب ولهو ومجالس خمر، ورقص، وجواري ... إلخ.

يقابل كل هذا، طائفة من الزهاد والورعين، والقائمي على تطبيق الدين ونواهيه ... الشيء الذي ولد في النفوس نوعا من الترجس من المستقبل، وغدر الزمان، وبالتالي شعورا بضرورة اغتنام الفرصة واختلاس لحظات المتعة قبل تجهم الدهر.[5]

من هنا، كانت غزارة شعر الخمريات، والدعوة إلى التمتع بالحياة التي نلمسها في الشعر الأندلسي، خاصة إبان القرنين الرابع والخامس الهجريين. ومن خلالها نلمس ذلك الصراع لدى شعراء الخمريات والغزل .. بين الولاء للقيم الدينية وتعاليم الإسلام والاستسلام للذائذ الحياة، حيث مغريات الدنيا من جواري وغلمان ومجالس طرب وخمر.. إلخ وغير ذلك من المغريات التي طورتها الحضارة الأندلسية، إضافة إلى جمال الطبيعة الذي يدفع إلى الإقبال على الحياة وهو صراع كثيرا ما كان الشاعر يتخلص منه بأن الأمر فيه إلى غفور رحيم[6].

هذه الازدواجية تجلت لدى معطم الشعراء الأندلسيين، وانعكست في أشعارهم على مستوى تباين الرؤية الفنية وتعدد المواقف في القصيدة الواحدة. فقد نقرأ لشاعر واحد ـ مثلا، قصيدتين، إحداهما في منتهى المجون والتهتك، والأخرى في منتهى الزهد والوعظ الديني حتى يخيل للقارئ أن هناك شاعرين في شاعر واحد[7].

وما يهمنا نحن في هذا السياق هو انعكاس هذه الإزدواجية على رؤية الشاعر الأندلسي إلى المرأة، ومدى تأثير ذلك في رسم ملامح صورتها.

صورة المرأة بين الحسية والرمزية :

تتراوح صورة المرأة في الشعر الأندلسي، تبعا لهذه الإزدواجية ـ بين الحسية حينا والرمزية أحيانا. وإن كانت صورتها كجسد ومتعة، تطغى، خاصة في بعض الفترات التاريخية التي شاعت فيها أسباب اللهو والترف. (خصوصا القرنين الرابع والخامس ..) وستنقلب هذه المعادلة، كلما تقدمنا في الزمن، بتأثير قصيدة التصوف، وبداية الإنكماش الحضاري والتراجعات السياسية.

غير أن ما تجدر الإشارة إليه أن هذه الرؤية الحسية المهيمنة للمرأة كجسد، ليست رؤية خاصة بالشعراء الأندلسيين، بقدر ما نجد أصولها ترجع إلى وضعيتها داخل المجتمع، وإلى البنية الثقافية بصفة عامة.

كما تجدر الإشارة إلى أن هذه الرؤية الحسية تتفاوت حسب أنماط النساء، ووضعيتهن داخل المجتمع الأندلسي :

فالمرأة الجارية، أو امرأة المجلس وساقية الخمر، لايرى فيها الشاعر سوى المفاتن الجسدية.

والمرأة المحبوبة من طبقة أرقى، غالبا ما تأتي الصورة ممتزجة بين تصوير الجمال الجسدي واللواعج النفسية التي تخلقها في قلب الشاعر.

أما صورة الزوجة أو الأم، فالأشعار فيها قليلة، والصورة لهذا النموذج من النساء أرقى وأسمى، نظرا لمكانتها ودورها بالنسبة للزوج وللأبناء، خاصة عندما يرثيها الشاعر بعد وفاتها، ويصف مقدار ما خلفته من فراغ في البيت، ومن حزن في قلب الأبناء والزوج ..

وأستطيع القول، انه بتتبع صورة المرأة في الشعر الأندلسي عبر هذه المراحل التاريخية الممتدة، يمكن تحديد ملامح هذه الصورة في ثلاثة أصناف:

1 ـ الصنف الأول :

تطغى فيه صورة الجارية والنديمة في أبيات ومقطوعات قصيرة كما تعكسها كتب المختارات الشعرية التي جمعت نصوصا تنتمي للقرن الثالث والرابع والخامس الهجري على الخصوص. ككتاب "البديع في وصف الربيع"[8] للحميري وكتاب "التشبيهات من أشعار أهل الأندلس" لابن الكتاني[9] وغيرها من كتب التراجم والدواوين، كديوان ابن شهيد .. في وصف ساقية صغيرة السن[10] وفي وصف لهوه بجارية ..إلخ.

وهي صور تركز على مواضع الجمال الجزئي في المرأة : لون العيون، وشكلها، حمرة الخدود، لون البشرة، دقة الخصر، ضخامة الأرداف ..إلخ في أبيات ومقطوعات قصيرة غالبا. كما أنها غالبا ما تقترن بمجلس الشراب أو بجمال الأزهاروالأنوار. مثل هذه الأبيات لأحد القضاة يصف زهرة النيلوثر :

 

كأنما النيلوثر المستحسن الفـض البهج[11]

مقلة خـود ملئت سمـرا و غنجا ودعج

أو خاتمتا مـن فضة وفصه مـن السيج.

 

أو مثل هذه  الأبيات التي تبرز الصورة الماجنة وتكشف عن نظرة الشاعر للمراة كوسيلة للهو والمتعة :

فالــورد وجنة خــود

بيضاء، غـراء، بضـه[12]

كمـــا البنفسج خــد

أبقى بــه الهشـم عضه

 

وكثير من النصوص أن لم تقل كلها، تعتمد على رسم مثل هذه الصور الخاطفة واللمحات الجزئية للجمال الجسدي في إطار رؤية لهوية، وطربية وسينمو هذا الإتجاه عند شعراء أمثال المعتمد بن عباد وابن شهيد، وابن خفاجة وغيرهم.

2 ـ الصنف الثاني :

تتراوح فيه الصورة بين الحسية والرمزية، ويتجلى هذا على الخصوص لدى شعراء العهد الطائفي وعهد المرابطين. كالمعتمد بن عباد في الفترة الولى من حياته، أيام ملكه بإشبيلية. حيث نظم مقطوعات عديدة في وصف الجواري والتغزل بجمالهن الخارجي ..وكان ابن زيدون أكثر سموا ورمانسية في غزله في ولادة، خاصة قافيته المشهورة التي نذكر فيها المحبوبة في إطار منظر طبيعي خلاب :

 

إني ذكرتك بالزهراء مشــتاقا

والأفق طلق ووجه الارض قد راقا[13]

 

وكان أكثر الشعراء مثالية في حبه وأكثرهم سموا في رؤيته للمرأة هو الفقيه الشاعر ابن حزم القرطبي، ويكفي أن نستشهد بهذه الأبيات لتتضح المكانة المحترمة التي تحتلها المرأة المحبوبة في قلبه :

 

وددت بأن القلب شت بمدية

وأدخلت فيه ثم أطبق في صدري[14]

فأصبحت فيه لاتحلين غيـره

إلى ملتقى يوم القيامـة والحشر

تعيشين فيه ما حييت فإن أمت

سكنت شغاف القلب في ظلم القبر

 

فهذا الفيض في المشاعر الصافية، وهذا التدفق العاطفي الهادر نادر في الشعر العربي، خاصة الأندلسي.

غير أن هذا النموذج المثالي لصورة المرأة قليل في الشعر الأندلسي، خاصة في هذا العصر إذا ما قورن بصورة المراة في بعدها الجسدي، وهو الإتجاه الغالب. وبالتقصي للنصوص وتحليلها، يمكن تحديد أهم مظاهر هذه الحسية فيها يلي :

1 ـ اتخاذ المرأة كهدية تهدى:

خاصة الجواري اللواتي كن يقدمن أحيانا هدايا كبقية الهدايا المادية، بين الطبقات الموسرة خاصة. وقد قارنوا القصيدة تقدم للممدوح بالفتاة البكر التي تهدى، أو الجارية المليحة، وهناك أمثلة عديدة على ذلك، لدى كل من الأعمى التطبيلي وابن حمديس وابن سارة الشنتريني وغيرهم كثير[15]. منهامثلا هذا البيت لابن خفاجة في ختام قصيدة مدحية :

 

زفت أبا بكر إليك محاسنا

جاءتك تحمل عذرة الأبكار[16]

 

ومثل هذه اللغة التي تكشف عن وضعية معينة للمراة بطريقة غير مباشرة ليس خاصا بشعراء هذا العهد، بل هو يضرب عمقا في البنية الثقافية للمجتمع.

 

2 ـ الرؤية إليها من خلال أعضاءها الجسدية :

ولعل أبرز مظهر من مظاهر هذه الحسية يتجلى في وصف جمالها الجسدي، والنظر إليه عضوا، من قمة الرأس إلى أخمص القدم. وبمقدار توافق تلك الأعضاء للذوق العام بمقدار ما تحظى باعجاب الشاعر والرجل عموما. وهو ذوق يعتمد على مقياس جمالي يكاد يكون ثابثا منذ عهد امرئ القيس : أي المرأة البيضاء البشرة، ذات القد المياس، والخدود الحمراء والشعر الأسود المسترسل، والعيون النجل، الرقيقة الخصر، الضخمة الأرداف ... إلى آخر النقش. كقول أبي القاسم المنيشي :

 

وعجزاء لفاء وفق الهوى

تحيرت فيها وفي أمرهــا[17]

غلامية ليس في جسمـها

مكان رقيق سوى خصرها

 

ويتكرر هذا النموذج لجمال المرأة ويستمر إلى عهود متأخرة، فلحازم القرطاجي قصيدة مطولة تتبع فيها هذه الصفات الجمالية في المرأة عضواًعضواً.[18]

إن مثل هذه النظرة إلى الجمال عضواً عضواً لاتتسم بالحسية فقط بل هي صور تجزيئية للجمال، سطحية وخارجية، لاتكاد تتجاوز سطح الجسد إلى ما وراءه من كيان إنساني وأحاسيس بشرية.[19]

فمثلا المرأة عند ابن حمديس، هي المرأة الغانية، التي تسلب الألباب، قوامها كالغصن، أردافها كالنقا وثغرها كالأقاح وهي كالمهاة حين ترنو في نقابها، كالظبية في التفاتتها وجمال عنقها رضا بها كالطل، كالروضة تعبق نشرا، ...

كما في قصيدة له :

 

بأبي من أقبلـت في صـورة

ليس للتائـب عنـها من متـتاب[20]

كل حسن كامــل في خلقهـا

ليتها تنجـو مـن العيـن بعـاب

فالقوام الغص والردف النــقا

والأقـاح الثغر والطل الرضـاب

طيبة في العقد إمـــا التفتت

ومهاة حيـن تونو فـي النقـاب

 

إنها امراة لايصرح الشاعر باسمها، امرأة استوفت كل شروط الجمال، ونحن أمام صورة لدمية جميلة، لكن لا ملامح تحدد شخصيتها أو أحاسيس تنم عن دواخلها..غير أن ابن حمديس كثيرا ما اتخذ من جمال المراة رمزا لحنينه واشواقه، خاصة في المقدمات الغزلية لأمداحه في آواخر حياته، حيث تصبح المرأة مرتبطة بتجربة الغربة التي عاناها منذ أن خرج من وطنه صقلية، وحيث يصير حب المرأة جزءا من حبه للوطن ومن الحنين العارم إليه كما في هذا البيت يصف حنينه إلى فتاة صغيرة السن ويشبهه بحنينه إلى وطنه :

 

رشأ أحن إلى هواه كانه

وطن ولدت بأرضه ونشيت[21]

كما تصير المرأة رمزا للجنة الموعودة التي ظل يحن إليها، ويمني نفسه دوما بلقاءها.

ففي مقدمة غزلية لقصيدة مدحية مطلعها :

 

سنحت في السرب من حور الجنان

ظبية تبسم عن سمطي جمان[22]

 

قدم فيها وصفا لفتاة تشبه إحدى حوريات الجنة، ذات أسنان بيضاء منتظمة ولامعة وعيون ساحرة النظرات، تغوي الناسك المتعبد فلا يستطيع التوبة. وقد استعان في وصفه لمحاسن الفتاة، بكثير من رموز النعيم الحسي في الجنة، بل هي تبدو كشجرة من أشجارها المثقلة بثمارها الدانية منه، لكنه لايستطيع وصالها، فهي في الرابعة عشر من العمر وهو في الواحدة والخمسين :

 

بنت سبع وثمان وجــدت

عمري ضربك سبعا في ثمان

 

فهناك حاجز الزمن والفتاة هنا، رمز لشباب الشاعر الذي تولى، وترتبط بتجربة الزمن والغربة أكثر منها بامرأة معينة.

 

3 ـ مقارنتها وادماجها بعناصر اللهو الأخرى، كالخمر والطبيعة

وأوضح مايتجلى هذا عند ابن خفاجة فكما نعلم عن هذا الشاعر أنه لم يتزوج قط، كما عرف عنه حبه شغف بالطبيعة شغفا بالغا، ومن يقرأ اشعاره التي نظمها في الطبيعة والمراة، خاصة تلك التي نظمها في مرحلة الشباب، فإنه لن يستطيع التمييز بينهما، فهو يرى الطبيعة والمرأة كلاهما مصدر للجمال وللمتعة معا.

فالصورتان تتداخلان والإستعارات تتمازج، فالريح تنفض لمم الربى، والطل ينضح أوجه الأشجار، والرابية ردف، والقرار خصر، وفروع الأشجار سوالف الشعر، والصبح جبين حين يسفر، والشجرة المائسة بفعل الرياح امرأة سكرى، تهتز طربا...

وكما شخص الشاعر الطبيعة بالمرأة، جمد صورة المرأة في الطبيعة، فالجارية التي تقترن بلحظة اللهو الآنية، هي أفضل من الحسناء وتتوب عنها في المجلس، لها عيوب كالنرجس وراحة كالسوسن وهي قوراء، بيضاء المحاسن. إنها حسناء مثقلة بأنواع الحلي والدمالج والأسورة قدها كالغصن، نهودها كالرمان...

 

وقـوراء بيضاء المحاسن طلقة

لبست بها الليل البهيم نهارا[23]

هززت لأغصان القدود معاطفا

بها ولـرمان النهود ثمارا

 

فقد قدم لنا بعض عناصر الجمال الجسدي لهذه الجارية مجزاة، ومن خلال صفات الطبيعة، الأغصان الرمان ...إلخ.

لكن هذه الصورة اللهوية للمراة عند ابن خفاجة ستتغير كلما تقدم به الزمن، ستصير رمزا للتحول الزمني ولمعاناته، فقد كان ذا إحساس حاد بالزمن وبالوحدة وكلها عوامل أثرت في رؤيته للكون بصفة عامة، فالشاعر تكاد تقتله الحسرة لأنه لم يعد يستطيع التمتع بتلك الفتاة اليافعة التي يدعوها "عفيراء" كما في قصيدة له، فقد تفتحت أنوثتها، لكن حاجز الزمن يبرز كجدار فالفتاة في سن الرابعة عشر وهو في سن الواحدة والخمسين فتبقى اللهفة على الشباب وتتحول القصيدة إلى تمنيات وحسرات فهل للزمن أن يرجع إلى الوراء، فلا يدعوها يا : "ابنتي؟" ولا تدعوه : "ياعمي"؟

 

فيا ليتني كنت ابن عشر وأربع

فلم أدعها بنتا ولم تدعني عما[24]

 

3 ـ الصنف الثالث :

هيمنت فيه الصورة الرمزية بشكل ملحوظ خصوصا بعد القرن السادس، بداية عصر التراجع الإسلامي بالاندلس، وتوجه كثير من الأعلام والأدباء إلى المشرق وتونس، بفعل السياسة المتدهورة والشعور الداخلي المنذر بالإنهيار وبتأثير شعر محي الدين بن عربي الصوفي الشهير، خاصة من خلال ديوانه "وترجمان الاشواق"، في أشواقه الصوفية إلى المرأة، "فليلى" و"هند" و"سلمى" رموز الجمال في الأرض لجمال وحب مطلق.

وكلما مضينا مع التسلسل الزمني، كلما تحولت صورة المرأة إلى رمز للأشواق العارمة حنين جارف نحو نساء رمزيات لا يعرفن الشاعر في الواقع، لكن يعرفن كرموز من خلال الوجدان كهند وسلمى وليلى، هذه الأسماء الثلاثة هي الأكثر حضورا في غزليات شعراء هذه العهود المتأخرة.

وبالتالي هي نفس اسماء النساء الرمزيات اللواتي يردن في أشعار محي الدين بن عربي ومعظم الشعر الصوفي. وهي أسماء لها قداسة وتجذر في وجدان العربي المسلم (في المشرق غالبا) وغالبا ما يأتي ذكرهن مرتبطا باماكن في الجزيرة العربية خصوصا بالحجاز، "كرامة" و"سلع" و"تهامة" و"نجد" وغيرها من الاماكن التي يحن إليها هؤلاء الشعراء حنينا عارما لما تمثله لي وجدانهم من قداسة.

وهناك نماذج عديدة، لايمكن إحصاؤها، أشير فقط إلى حازم القرطاجي، ابن خاتمة، ابن الخطيب، يوسف الثالث والشعراءه المداحين أمثال لبن قركون، وغيره الذين مدحوه في العهد النصري والقرن السابع والثامن والتاسع، الذين ذكرت في دراستي عن هذا العصر. بعضهم له ديوان شعري وآخرون لادواوين لهم، كلهم توجهوا بأشواقهم العارمة، إلى امراة مثالية في جمالها غالبا ما تسمى سلمى أو ليلى، تذهب بعقل الشاعر وترحل عنه بعيدا، وتتركه يعاني الوحدة والأشواق الملتهبة، فيستفهم الشاعرعن الركب ويسائل الراحلين المتوجهين نحو المشرق، نحو نبع النور، عن مطيتها؟ عن وجهتها؟ هل رأوها في تهامة؟ أم في رامة؟ أم في وهاد الحجاز؟ أسئلة تتكرر دون جواب ودموع تنهمر لا تتوقف، في معظم غزليات هؤلاء الشعراء وفي المقدمات المدحية على الخصوص. ومن الامثلة على ذلك قصيدة أبي الحسين بن فركون[25] الطويلة في مدح الملك النصري يوسف III.

 

سل البان عنها أين باتت ركائبها

ولم رفعت فوق المطي قبابها[26]

ولم تركت منا قلوبا مشوقــة

بقلبها طوع الغرام التهابـها

 

فقد مهد لهذه المدحية بمقدمة غزلية طويلة، وصف فيها أشواقه العارمة إلى تلك الفتاة التي يذكرها بضمير المؤنت ولا يصرح باسمها، أو يحدد ملامحها، مستفسرا في جزع عن ركبها الذي لا يعرف له مقرا، وعن سبب ما خلفته في قلبه من غرام ملتهب ... أسئلة عديدة يرسلها الشاعر في هذه المقدمة دون ان يجد لها جوابا.

ويتكرر هذا عند ابن فركون وغيره من شواءء زمانه في عدة قصائد، مثل تلك المقدمة التي مهد بها لقصيدة نظمها بمناسبة حصار جبل طارق (سنة) ففيها تتردد نفس الشكوى من رحيل المحبوبة، واكتواء قلبه بغرامها، ومعاناته الوحدة والعذاب بعد فراقها له ...إلخ.[27]

والمرأة غالبا في هذه المقدمات، سواء عند ابن فركون أو غيره من شعراء المدح، امراة رمزية، أكثر منها إمراة واقعية، كما أنها إمرأة مثال في حسنها وجمالها وهي تبدو دائما بعيدة، كطيف.

كما أن التركيز غالبا ما يكون على ما تخلفه هذه المراة من أشواق عارمة وحرقة وحزن في قلبه بعد رحيلها وحنين جارف إلى اللحاق بركبها الذي يحملها مبتعدا عن ناظريه شيئا فشيئا ... والأمثلة عديدة على ذلك لكل من أبي جعفر النباهي[28] وأبي عثمان الألبيري،

ومنها مقدمة أبي عبد الله الشران في مدح الملك يوسف الثالث وهي مفعمة بالشكوى من لواعج الهوى الذي خلفته في قلبه تلك الظبية النافرة التي تشبه هلال الدجى، والتي أتسته أهله ووطنه .. ثم يتحسرر على تلك الفتاة/ الجنة ويتمنى عودة اللقاء بينهما في آلم وحرقة ...

 

فياجنة مازلت منذ فراقـــها

بنار الأسى بعد اتصالي صاليا[29]

ألا عطفة ترجى من الزمن الذي

وردت به منك التصـافي صافيا

 

خـــاتمـــة :

هكذا نخلص إلى القول، أن هذه المقدمات تمثل نوعا من الإغتراب الصوفي، والفرار من الواقع الاندلسي، الذي ينذر بالإنهيار، والتوق إلى الرحيل واللحاق بركب المحبوبة، والمرأة هنا رمز، يقترن ذكرها بالحنين إلى الأماكن المقدسة بالحجازوبالذكريات الماضية، إن الشكوى من المحبوبة الغائبة والأحباب الراحلين يمثل تنفيسا للمشاعر الحبيسة في قلب الشاعر وتحيل على هموم أخرى.

 

 



[1] ـ رسالة دكتوراه السلك III، مرقونة بكلية آداب الرباط تحت رقم 5،811 طحط.

ـ عنوان هذا الباب : "بين الرؤية الطربية والرؤية الحسية".

[2] - مطبوعة من قبل كلية آداب الرباط بدعم من مؤسسة كونراذ أديناور الألمانية سنة 1993/مطبعة النجاح الجديدة ـ الدار البيضاء.

[3] ـ "الشعر الأندلسي والأخلاق" إحسان عباس ووداد القاضي ألبير مطلق في تونس 1976.

[4] ـ للتوسع في الموضوع ينظر كتاب "عارمة إشبيلية" رسالة دكتوراه مرقونة بكلية آداب مكناس و"عامة قرطبة " مطبوعة للدكتور أحمد الطاهري.

[5] ـ أنظر تفصيل ذلك في رسالة عامة : "الشعر الأندلسي في عهد المرابطين" (الباب الثالث على الخصوص).

[6] ـ أنظر  نمادج على ذلك في الرسالة الجامعية : "الشعر الأندلسي في عهد المرابطين" (الباب الثالث على الخصوص).

[7] ـ أنظر  نمادج على ذلك في الرسالة الجامعية : "الشعر الأندلسي في عهد المرابطين" (الباب الثالث على الخصوص)

[8] ـ مطبوع بعناية المستشرق هنري بيريس 1940.

[9] ـ مطبوع بتحقيق. إحسان عباس/دار الثقافة/بيروت 1966.

[10] ـ ديوان ابن شهيد : تحقيق يعقوب زكي/ق 11.

[11] ـ "البديع في وصف الربيع" ص : 141 ـ 142.

[12] ـ "البديع في وصف الربيع " ص. 43.

[13] ـ ديوان ابن زيدون ص : الشركة اللبنانية للنشر.

[14] ـ طوق الحمامة، ص 164.

[15] ـ الشعر في عهد المرابطين بالأندلس (الباب الثالث).

[16] ـ ديوان بن خفاجة ق :

[17] ـ من شعراء عصر المرابطين، كان يلقب "بعصا الأعمى" لأن الأعمى التطيلي كان يتعكز عليه. ـ أنظر المغرب ج 1/ ص289.

[18]- أنظرها في المقصورة بتحقيق محمد مهدي سلام/ صولية كلية الآداب/ جامعة عين شمس 1954

[19] ـ لقد عادت هذه القايس للجمال والنظر إلى المرأة عضوا عضوا في العصر الحديث (ملكات الجمال).

[20] ـ ديوان ابن حمديس ق : 37.

[21] ـ ديوان ابن حمديس ق : 74.

[22] ـ أنشدها امام أبي علي بن يحيى بسفقاص أواخر حياته الديوان ق : 47.

[23] ـ ديوان ابن خفاجة ق : 170.

[24] ـ الديوان ق : 40.

[25] ـ أنظر التعريف بهذا الشاعر في المقدمة التي كتبها د. بنشرفية لتقديم ديوانه : مطبوعات أكاديمية المملكة المغربية سنة 1987.

[26] ـ الديوان ص : 338 ـ 345.

[27] ـ أنظرها في الديوان، ص : 167 وما بعدها.

[28] ـ مظهر النور الباصر ص 67 وما بعدها، تقديم محمد بنشريفة 1991.

[29] ـ مظهر النور الباصر، ص : 89 ومابعدها.