gototopgototop

ملامح من الحياة الفكرية الحضرية بالأندلس

ملامح من الحياة الفكرية الحضرية بالأندلس

مدينة إشبيلية في عهدها المغربي

د. محمد يعلى

جامعة الحسن الثاني، المحمدية

 

مقدمة:

شكلت حاضرة اشبيلية في عهدها المغربي، الذي ربا عمره كثيرا عن قرن ونصف(484 هـ / 1091 م – 1091 م  - 646 / 1248) ، زاوية من المجال الفكري الأندلسي العربي الاسلامية، تأثرت صورتها بجذور المناخ الثقافي العام وساهم عصر الطوائف في بلورت شخصيتها المحلية المستقلة، لكنها تميزت إبان المرحلة الأخيرة  من تاريخها اللاسلامي، وفي فضاء عرف تبيانها فكريا نوعيا عميقا بين الادارة المرابطية والموحدية ، بنشاط فكري خصب على مستوى النظر والممارسة وفي شتى حقول معارف الرواية والدراية، جعل صورتها الفكرية، خصوصا في مجال العلوم العقلية، تكاد تحتل مركز خريطة المشهد الثقافي العام بربوع الغرب الاسلامي.

وسنحاول في هذه المداخلة رسم أهم ملامح تلك الصورة ببحث شيء من جوانب الحياة الفكرية العربية الإسلامية بالأندلس عبر حاضرة إشبلية في عصرها المغربي، وسنجيب من خلال هذه النافذة عن تساؤلات حول خصائص الفكر الحضري الإشبيلي، وتياراته المتباينة، وتجلياته المختلفة  ومعاناته المستمرة.

أولاـ خصائص الفكر الحضري الإشبيلي :

1 ـ الفكر الإشبيلي خلاصة تفاعل عدة ثقافات :

خلقت التجزئة السياسية للأندلس جيوبا ثقافية جهوية نشأت وترعرعت تحت مظلة أمراء الطوائف ، سواء الذين كانوا يريدون استكمال كيانهم السياسي المستقل ، أو من كان منهم يسعى إلى الإطاحة بالسيادة الفكرية التي كانت قرطبة تستأثر بها عن باقي حواضر الأندلس رغم نهاية تاريخها الخلافي . وقد كانت إشبيلية واحدة من تلك الجيوب التي نافست المركزية الثقافية القرطبية. ورغم نجاحها، خلال فترة حكم المعتمد ابن عباد  في ابتلاع قرطبة سياسيا فإنها لم تستطع إدماجها فكريا مما يفسر استمرار التأثيرات القرطبية ويعني هذا أن بعض عناصر الفكر الإشبيلي كان امتدادا للثقافة الأندلسية.

إذا كانت وحدة الحزب الإسلامي قد ساعدت على استقبال الأندلس عموما ، وإشبيلية على وجه الخصوص، للتأثيرات الواردة من المغرب وعلى استقطابها للصفوة من طلبته وشقفيه، فإن إشبيلية قد آوت في نفس الوقت عددا من الفقهاء والعلماء الأندلسيين. كما كانت أيضا من مصبات ثقافة الشرق، سواء التي حملها إليها بعض الشيوخ المشارقة ، أو تلك التي نقلها الإشبيليون العائدون من رحلة الحج والدراسة[1]، مما كان له أبعاد في بلورة الشخصية الفكرية الإشبيلية، خصوصا في فترة الموحدين، حين أصبحت المدينة مركزا عملاقا لمختلف ألوان المعرفة وقبلة للطلاب والشيوخ[2]. ويبدو من النصوص المصدرية التراجمية أن الثقافة كانت في ذلك الحين متداخلة مع الدين ان لم تكن مندمجة فيه بحيث كان المكون اليني هو القاسم المعرفي المشترك بين كل المفكرين حتى أولئك الذين كانوا روادا للمعرفة العقلانية كالفلسفة، والرياضيات، والطب. لذا يمكن القول أن جل الإنتاج الثقافي كان يدور حول محورين أساسيين الدين وحاميه، الله والحاكم. وبما أن السلطتين الدينية والدنيوية كانتا ـ إلى حد ما ـ شيئا واحدا في يد الحاكم، فقد كانت الحركة الفكرية خاضعة للمذاهب الفقهية الدينية وتأويلاتها، وخادمة للمؤسسة السياسية، وواقعة تحت مراقبة رجالهما.

ورغم مبدإ "الاجتهاد" الذي دعت إليه تعاليم الإسلام، فإن رغبة الأسرة الحاكمة، ومعها بطانتها المستفيدة ، في حماية مذهبها وارتفاع درجة إحساسها بالخوف من احتمال تهديد سلطاتها وامتيازاتها، قد ساقها من جهة، إلى تبني مجالات معرفية محددة، وإلى  صياغة قوالب فكرية معينة داخل إلى إطار مذهب ديني خاص ومفروض، يجب ألا يخوض المفكرون والطلاب خارج دائرته، وكان من جهة أخرى ، يعلل هبوب عواصف القمع كلما لاح إبداع ينذر بزلزلة مناخ الحياة الفكرية بالأندلس والمغرب عموما وداخل المجتمع الاشبيلي  على الخصوص...

وإذا كان تطور مجالات  الفكر في إشبيلية قد انتظم ضمن إطار التطور العام للثقافة العربية الإسلامية، فإن الفكر الإشبيلي قد أغنى تلك الثقافة بشتى الإضافات نتيجة للعوامل المساعدة المحلية من جمال الطبيعة، ورعاية الحكام المرابطين ثم الموحدين، وتقدير المجتمع للمعرفة، ومعاناته للضغوط الداخلية والخارجية التي كان المثقف الواعي كابدها، ويعبر عنها. كما لا يمكن أن نتجاهل البيئة الإيبرية اللاتينية التي تركت بصماتها واضحة في ثقافة مسلمي اللأندلس[3].

2 – صناعة المفكر الإشبيلي :

ساهمت مؤسسات في تشكيل البنية المعرفية في البلاد، وكان التعليم الأداة الأساسية لصناعة الفكر. وتمدنا كتب التراجم والآداب والتأريخ وبعض الأبحاث بمعلومات عن مواد التعليم وكتبه ومنهجه، وهو ما لخصه أحمد المقري حين تناول موضوع التعليم بالأندلس قائلا: وكل العلوم لها عندهم حظ واعتناء، إلا الفلسفة والتنجيم، فإن لها حظ عند خواصهم[4].

تضمن البرامج الدراسي في الأساس مواد مختلفة، منها ما كان ينتمي للعلوم التقلية[5] لتعلم الدين والتمكن من آليات فهمه ودراسته ومعرفة أحكامه المنظمة للمجتمع، كحفظ القرآن، وضبط أنواع قراءته السبع، وتجويده، وعلم التفسير، وعلم الحديث، وعللم أصول الفقه، والفقه على المذهب السني المالكي وخصوصا علم الفروع. وبما أن اللغة العربية كانت هي اللغة الرسمية والأداة الوحيدة اللازمة لدراسة القرآن والحديث، فقد نفقت سوق العلوم اللسانية كاللغة العربية وآدابها ، والنحو، والبيان، والعروض، وتجويد الخط. بالإضافة إلى تواريخ الرجال والنوادر، والتصوف. وكانت جل هذه المعارف محترمة ومطلوبة، لأنها كانت من جهة، توصل صاحبها إلى الشغل، وتقربه من مراكز النفوذ، وتجعله من جهة أخرى محط تقدير واحترام في عيون الناس. أما ما كان يندرج من المواد ضمن مجال العلوم العقلية مثل علم الكلام "للاستدلال العقلي على العقائد الإيمانية،  والفلسفة، فيبدو من روايات المراكشي والمقري وغيرهما، أن رواجها ـخصوصا بالنسبة للفلسفةـ كان خلافا لسابقتها، محصورا في النخبة المثقفة، وقاصرا على الفئة الخاصة الحاكمة. لذلك فليس من الغريب أن تجري دراستها وتدريسها في جو من السرية خارج المساجد، ولاسيما في وسط إشبيلي عرف كغيره آنذاك نفوذا مذهبيا مالكيامتعصبا إبان حكم المرابطين. وقد برز من العلوم التطبيقية ما كان ضروريا منها لمواجة التوسع الحضري للمدينة  وحاجات وضيفتها الجديدة في العهد الموحدي، مثل البناء، وهندسة مد قنوات المياه العذبة وتشييد خزانتها، وعلم الفلاحة بما فيه فن إنشاء الحدائق الملوكية، وعلوم الطب، والصيدلة، والحساب.

تشير لائحة الكتب التي تكررت عناوينها  ضمن تراجم الاشبيليين إلى إقبالهم الكثير على العلوم النقلية التي كان لها من خلال هذه اللائحة رواج بين الطلبة والمدرسين ، وهي ترسم صورة لألوان المعارف الأكثر استهلاكا في التعليم والتكوين ، ممايسهل على الباحث التعرف على نوعية مكونات البنية المعرفية التي كانت في ذلك الحين سائدة وصانعة لفكر المثقف الإشبيلي ونسوق من تلك الكتب ، على سبيل المثال لا الحصر ، وحسب ماتيسر جمعه : كتابي " سيبويه " ، و" تذكرة " أبي علي الفارسي ، في النحو . وكتب أخرى في اللغة العربية ، وهي " الكامل " للمبرد ، " والجمل " لأبي القاسم الزجاجي ، والإيضاح لأبي علي الفارسي ، وكتب " القرآن " الكريم بالقراْات السبع ، و " صحيح " البخاري في الحديث الشريف بقراءة أبي محمد بن عبيد الله، وكتاب "المستصفى" للغزالي في أصول الفقه. كتاب الموطأ للإمام مالك برواية يحيى اللبثي، وظهر في الفروع كتاب "التهذيب" للبراذعي، كما تداول الناس في العقيدة كتاب "الإرشاد" لأبي المعالي الجويني، وفي التصوف كتاب "الإحياء" للغزالي، و"التلقيحات" للسهروردي، فضلا عن رواج مؤلفات أخرى مثل كتاب "الشهاب" للقضاعي. أما فيما يخص مدونات العلوم العقلية التي كانت في متناول الخاصة الإشبيلية[6]، فالملاحظ أن عددها قليل، لكن عناوينها كانت دالة على نوعية المستوى الفكري الرفيع الذي تميزت به النخبة، وخصوصا في ميدان الطب، حيث وصل عدد الأطباء من أهل إشبيلية، وممن أقاموا فيها خلال العهد المغربي حسب إحصاء الأستاذ محمد العربي الخطابي[7] إلى عشرين طبيبا، جلهم ينتمون إلى الفترة الموحدية، برز من بينهم أعضاء أسرة بني زهر الأشبيلية الذين تصدرهم عميدهم أبو مروان عبد الملك بن زهر (ت. 557 / 1162 ) الذي درس الطلبة كتبه ورسائله مثل "كتاب الأغدية"[8]، وكتاب التسيير في المداواة والتدبير[9]. وارتبط بميدان الطب كتب الصيدلة والأعشاب، مثل كتاب "عمدة الطبيب في معرفة النبات"، لأبي الخير الإشبيلي[10]. ومما تدوله الناس في قطاع "الفلاحة" كتابين : الأول لأبي الخير المذكور[11] والثاني لابن العوام[12].

أما بالنسبة لمادة الفلسفة، التي راجت مصنفاتها بين خاصة أهل الأندلس، نتيجة لانبعلث ثقافة الانفتاح على المعارف العقلية في العصر الموحدي، الذي أتاح لنشاطها هامشا من الحرية، فإن المصادر المعاصرة المتيسرة قد أحجمت عن ذكر تفاصيل مضامينها مكتفية بإشارات محتشمة،إما بالوقوف عند بعض العناوين "ككتاب الثمرة  لبطليموس  في الأحكام"، وكتاب المجسطي في علم الهيأة، وإما بصيغ عامة مثل عبارات: "الفلسفة، أنواع الفلسفة، وكتب الفلسفة".

كان التعليم الأولي في إشبيلية كغيرها من الحواضر الأندلسية يتم عموما على يد مؤدب في مكان بالحي، غالبا ما كان بالمسجد، حيث يبدأ الصبيان بالقرآءة والكتابة بواسطة حفظ شيء من القرآن. وكانت أداة العقاب الجسدي مستعملة. ونظرا لأثرالتعليم  في سن مبكرة من حياة الطفل على تشكيل فكره، فقد أولى الخليفة الموحدي الأول عبد المومن بن علي عناية خاصة للصفوة من أطفال المجتمع  الإشبيلي ، قصد تلقينهم تعليما أوليا تكميليل وموجها ، ازرع العقيدة الموحدية في نفوسهم منذ البداية وخلال نصف سنة يقضونها بمراكش . وقد تمت هذه العملية بنقل الأطفال الإشبيليين المختارين مع معلميهم إلى المغرب ليتلقوا تكوينا هناك مع نخبة أطفال المدن الأخرى ، ثم يعود كل فريق من حيث أتى[13]. وكان الطالب بعد اختتامه للمرحلة البتدائية يقضي المرحلة الموالية من دراسته مترددا على حلقات الدرس حسب اختياره وقدراته  - ساهمت العائلة خلالها ، إلى جانب مؤسسة المسجد ، بدور فعال في عملية التعليم والتكوين –[14] ويجتهد باستمرار لتحصيل وإتقان معارفه . ويأخذ في المرحلة النهائية على أساتذة بارزين للتعمق أكثر فيما يميل إليه منها ويختاره[15]. وكثيرا ماكان يضطرللرحيل إليهم ، سواء كانوا في الأندلس أو خارجها لمن تيسر له ذلك ، ثم يعود بإجازات تثبت مستواه العلمي والتقديرات التي استحقها[16].

ولايفهم من هذا أن فرصة التعليم كانت مناحة للجميع ، ذلك أن أطفال الفئة المحتاجة التي حرمت من التعليم أوحالت وسائلها دون مواصلته ، يتوجهون لاكتساب حرفة ، " فالجاهل الذي لم يوفقه الله للعلم يجتهد أن يتميز بصنعة "[17]. ويبدو أن الميسورين من أهل الصييان كانوا يتفقون مع المؤدب على أجرة معينة ، وكذلك الحال بالنسبة لطلبة المرحلة التعليمية الموالية الذين كانوا يتلقون جل دروسهم أيضا في المسجد مما يفهم منه أن " المدرسة "  كمؤسسة قائمة للتعليم لم يكن آنذاك قد أخذ بنظامها بعد ، حسب رواية المقري الذي قال : " فليس لأهل العلم مدارس تعينهم على طلب العلم ، بل يقرؤون جميع العلوم في المساجد بأجرة "[18]. لكن الأستاذ محمد المنوني أكد أن الموحدين قد أسسوا كثيرا من المدارس في المغرب والأندلس خصوصا في عهد الخليفتين عبدالمؤمن وحفيده يعقوب المنصور، وأعطى أمثلة ثم إنشاؤها بعدة حواضر مغربية كفاس  وسبتة ، ومراكش والرباط وسلا[19]، غير أن المقري ، ورغم أنه متأخر عن زمن هذه المسألة ، فهو ينفي وجودها اعتمادا على مصادر أندلسية في ماأشار ، مع العلم أنه قد مارس نشاط التعليم، وعرف نظام المدارس في المشرق . وإذا صح مارواه المنوني ، فليس من المستبعد أن تكون حاضرة إشبيلية قد عرفت نظام المدارس ، إلا أن صاحب كتاب " المغرب " ، الذي أفرد بابا خاصا لإشبيلية التي تابع دراسته فيها قبل سقوطها ، لايشير إلى ذلك[20]، مما يجعلنا نسنتج أن المدرسة كمؤسسة للتعليم العمومي في مدينة إشبيلية ، احتمال غير وارد تبعا لرواية المقري ، وأن ماأنشأه الموحدون إبان فترة حكم الخلفاء الثلاثة الأوائل حسب مانقله المنوني ، يتعلق في مجمله بمدارس خاصة بتكوين أطرالدولة أو بتنظيم المجالس العلمية الرسمية السامية[21].

تصف المصادر أنشطة ثقافية أخرى موازية للتعليم كان لها دور فعال في تبادل الأفكار وصقل الذهنيات ، ورفع مستوى المعرفة ، وخلق جو المنافسة العلمية في وسط النخبة ، مثل المناظرات التي كانت تجمع فقهاء العلم داخل القصور[22]، والندوات الأدبية الخاصة ، والعناية بالمكتبات سواء الملوكية أو الخاصة[23] ، بالإضافة إلى المراسلات والردود التي كانت جارية مابين أهل العلم .

فالتعيم إذن ، كان ـ إلى جانب باق الأنشطة العلمية الأخرى ـ أساس تنشئة النخبة الإشبيلية المثقفة ، التي توفر للكثير منها شروط[24] ساعدت على تكوينها تكوينا علميا إسلاميا رصينا ، ميز بعضهم بأوصاف العلماء الجادين[25] ومتع آخرين بمعرفة موسوعية[26]. وفي مناخ هذه المنظومة الفكرية الفنية والمتعددة المشارب ، تربى وتكون جل المثقفين الإشبيليين ، وأطر السلطان ، وانخرط عدد منهم في تيارات فكرية ومذهبية مختلفة .

ثانيا ـ التيارات الفكرية :

ا ـ التيارات الفكرية التقليدية :

1 ـ المذهب المالكي :

تميز تاريخ الأندلس الديني بسيادة المذهب السني المالكي في وقت مبكر، ساهم الفقيه يحيى بن يحيى الليثي المصمودي ( ت 234/848) بدور رائد في نقل نصوصه وترسيخ جذوره وتريسمه[27]. وهو معروف بوصفه ، مدرسة فقهية محافظة، لاتحبذ استعمال العقلانية في فهم العقائد واستنباط الأحكام ، وقاية للمسلمين الأندلسيين من تشتت صفوفهم ، ولكون المواقف السياسية لفقهاء هذا المذهب لم تكن في الجملة معادية للدولة الأموية ولالحكم الطوائف ، كما شكلوا في عهد المرابطين أطر الدولة والمدبرين الفعليين لسياستها والحريصين على امتيازتهم ، لذلك فرضوا على حياة السكان ، في العبادات والمعاملات بالمدينة على غرار غيرها ، أحادية المذهب ووضعوا الحواجز القانونية أمام كل التيارات الأخرى المعارضة[28]، كما لجؤوا ، في المسائل ، إلى تهميش مرجعية الأصول ـ القرآن والحديث ـ وتكبيل طاقات العقل الخلاق باعتبار فروع المذهب فقط دون سواه[29]، مما أسفر من جهة ، عن محدودية الفكر وتبذير ملكاته في الشكليات ، وأدى من جهة أخرى ، إلى ظهور ردة فعل فكرية ومذهبية قوية مختلفة ، طغى عليها في النهاية التيار الموحدي الذي حرر الثقافة الإشبيلية منذ أربعينيات القرن السادس الهجري / الثاني عشر الميلادي من هيمنة سلطان علم الفروع لحساب علم الأصول ، لكن في إطار مذهب جديد مركب من عدة تيارات فكرية ومذهبية لخدمة المشروع السياسي الموحدي الذي كان قائما على فكرة " المهدوية " والتي انصاعت لها النخبة الإشبيلية بقيادة القاضي أبي بكر ابن العربي المعافري الذي تـرأس وفدا مـن أعـيانها لتقديـم مراسيـم البيعـة لعـبد المؤمن بمراكش[30] سنـة442/1148 رغـم أن هذه الفكرة لت تتقبلها عقلية الأندلسيين مما أدى إلى مقاومتها ، ولاسيما حين مال نجم الدولة الموحدين نحو الأفول . ولذلك بقي التيار السني المالكي المحافظ صامدا ومتعصبا[31]، ضمن استمراره نضال فقهائه المشهورين ، كان في طليعتهم أبو عبد الله محمد ابن زرقون ( ت .586/1190) ثم ولده أبو الحسين محمد ابن زرقون ( ت 621/1224. )[32].

2 ــ المذهب الظاهري :

انتشر هذا التيار في إشبيلية بصورة قوية إبان فترة حكم المملكة الطائفية العبادية خلال القرن الخامس الهجري / الحادي عشر الميلادي ، بريادة أبي محمد علي بن أحمد بن حزم( ت 456/1064)[33]. وهو مذهب  سني فقهي آخر ، اختلف مع المذهب السابق، ودعا للرجوع إلى الأصول وحصر فهمها عند المعنى الظاهري اللفظي لنصوصها، وتلافي نهج القياس والتعليل . ومع أن المالكية قد عاشت عصرها الذهبي الأكبر في عهد المرابطين ، حيث هيمنت بكيفية شاملة على جميع مرافق الحياة داخل إشبيلية وخارجها، وخصوصا مايتعلق منها على وجه التحديد بمجال التعليم والإدارة والعبادة والمعاملات[34]، فقد فرضت الظاهرية الحزمية وجودها في الساحة الفكرية بالمدينة بفضل استمرار أتباعها في نضالهم المتواصل ، سواء كانوا من ذرية ابن حزم كأبي عمر أحمد بن محمد بن حزم الإشبيلي[35] أو ممن برزوا من بين كبار الشيوخ والفقهاء ، مثل أبي الحكم عبد السلام بن عبدالرحمان بن أبي الرجال بن برجان ( ت . بعد 530/1142) ، وأحمد بن أبي مروان عبدالملك (ت . 549/1154 ـ) صاحب كتاب كبير في الحديث تحت عنوان " المنتخب المنتقى " ، وأبي القاسم عبدالرحمان بن يحيى القرشي الأموي ، وأبي بكر محمد بن أحمد ابن سيد التاس اليعمري ( 557/1161) ، وأبي الحسن علي بن عبدالله ابن خطاب المعافري (ت . 629/1231 ) ، وأبي محمد عبدالله بن سليمان الأنصاري[36]. وسيعظم نفوذ المذهب الظاهري بعد انتقال دفة حكم المدينة من المرابطين إلى الموحدين سنة 541/1147 ، وخصوصا عقب الإجراءات التي أمر بتنفيذها الخليفة يعقوب المنصور، المتعلقة بالرجوع في الفقه إلى الأصول ونبذ الفروع ، والعمل بظاهر القرآن والحديث[37] مما فتح مجالا أوسع لتحرك أنصار الظاهرية وتوسيع دائرة نشاطهم ، وترويج كتبهم على يد بعض فقهائهم أمثال أبي العباس النباتي المعروف بابن الرومية ( ت . 637/1239)، وحفيد ابن حزم ، الفقيه أحمد ابن سعيد[38]، فضلا عن المذكورين آنفا ، دون أن تخلوا أجواء إشبيلية من عناد ومقاومة مضادة من قادة المالكية ، حيث عارض أبو عبدالله ابن زرقون المذهب الظاهري ، ورد على أفكاره بتأليف " الكتاب المعلى في الرد على المحلى " لابن حزم ، كما سار على نهجه ولده أبو الحسين .

3 ـ المذهب الشافعي :

لم تشهد إشبيلية في مسار تاريخها الفكري تعددا مذهبيا دينيا قويا على غرار ماجرى فعلا في تاريخ بعض حواضر المشرق الإسلامي . ولكن هذا لم يمنع وصول تيار مدرسة فقهية ثالثة ، في وقت متأخر إلى الأندلس عموما ، وإلى إشبيلية بصفة خاصة رغم موقعها البعيد في قاصية الغرب الإسلامي ، بعد زمن طويل من رسوخ قدم المالكية والظاهرية فيها . والشافعية مذهب فقهي ثالث ، ينسب لصاحبه الإمام الشافعي ، الذي اعتنى أكثر من المذهبين السابقين بمنهج القياس . ومازالت معلوماتنا عن مدى وآليات انتشاره وأثره الفكري في حياة المدينة متواضعة . فقد ظهر المذهب في الفترة المغربية على أيدي فقهاء شافعيين جاؤوا زمن الموحدين من مصر ، المقر الأخير للإمام الشافعي ووجدوا لديهم ترحابا وتشجيعا للإستقرار في إشبيلية ، كما تولى أحدهم منصبا ساميا في إدارة شؤون المدينة ، وهو الفقيه أبو المكارم هبة الله بن الحسين[39] الذي أسند له الخلفية يوسف بن عبدالمؤمن قضاءها مدة . في حين أقام الفقيهان الشافعيان أبو القاسم بن الصواف ، وأبو البركات عمر بن مودود السلماني الفرسي في إشبيلية زمنا[40]. فهل كان هدف الموحدين من فتح باب مدينة إشبيلية أمام الشافعية المصرية هو فتح الفكر الإشبيلي على نوافذ فقهية سنية أخرى[41]؟ أم أن الأمر كان لايعدو عن وجود نية رسمية لكسر شوكة نفوذ المالكية بتشجيع تعددية مذهبية تساعد على خلق التوازن بين المذهبين القويين المذكورين وتمتص بالتالي عناد أعظمهما ؟ .

4 ـ التصوف :

انقسم مذهب التصوف بالأندلس في العهد المغربي إلى فرعين : تصوف أخلاقي سني ، وتصوف فلسفي[42]. ورغم موقع إشبيلية الجغرافي بالنسبة لقواعد الفرع التصوفي الثاني ، بحيث لم تكن المدينة كثيرة البعد عن مركز المرية بقيادة ابن العريف ، وكانت في قلب قواعده بإقليم غرب الأندلس المتمثلة في مدن صغيرة كشلب وميرتلة وليلة ويابرة، بزعامة ابن قسي ( ت . 546/1151 )[43]، فإن الفرع السني الأخلاقي هو الذي غلب على حركة التصوف الإشبيلي الذي ميز فكر أتباعه بثقافة علمية معمقة ، ووسم حالهم الاجتماعي إما بنهج سلوك طريق الصلاح والزهد والورع والجود على المساكين اقتداء بالسلف الصالح ، مثل عبدالله بن حسان الغافقي ( ت . 520/1126) ، وأبي الحكم عمروبن زكرياء بن بطال البرهاني ( ت . 549/1154) ، وأبي بكر محمد بن عبدالنور السباعي ( ت . 614/1217) ، وإما بسيرة الانقباض عن أهل الدنيا[44].

ومن الملاحظ في هذا الفرع كذلكبروز متصوفة إشبيليين كبار غير هذه الأسماء المذكورة، قد جمعوا مابين النظر والعمل ، مثل نموذج ابن برجان[45]، في حين اقتصر آخرون على النظر ، وضلوا معظم حياتهم بعيدين عن الممارسة الفعلية كحالة القاضي أبي بكر ابن العربي المعافري المعروف ( 543/1149)[46]. ومن اللافت للنظر أيضا أن ماوقفت عليه من المهتمين بالتيار الصوفي الفسفي بالمدينة هو قليل جدا ، وجلهم أقاموا بالمدينة مدة ثم رحلوا عنها دون رجعة ، مثل محيي الدين ابن عربي الحاتمي (638/1239)[47]، وأبي عبدالله الشوذي المعروف بابن الحلوي[48]، في حين ، لم تظهر الصوفية الملاماتية حسب رأي بعض الباحثين إلا في شكل حالة فردية مثلها صالح البربري المغربي الذي " لزم أحد مساجد إشبيلية حتى مات "[49].

التيارات الفكرية العقلانية:

واجه الفكر العقلاني بإشبيلية عدة صعوبات نتيجة لضغوط التيارات الفكرية التقليدية السائدة التي حمل عصاها المذهب المالكي ،لذلك كانت المعلومات التي قدمتها المصادر المتيسرة قليلة جدا إذا ماقورنت بوغرة المادة الخاصة بالتيار التقليدي . ورغم استمرار سلطان المالكية على الأندلس في عهدها المغربي ، فقد عرفت إشبيلية نماذج من الفكر العقلاني سواء في المجال النظري كعلم الكلام والاعتزال والفلسفة أو في الميدان العملي والتطبيقي مثل الطب والصيدلة والفلاحة . وتجدر الإشارة هنا إلى أن حماة الفكر العقلاني من الإشبيليين قد جمعوا ضمن تعليمهم وتكوينهم مابين علوم الرواية والدراية كابن برجان الذي كان " إماما في علم الكلام "[50]، وتابع بعضهم قسطا من دراستهم العليا بالمشرق العربي ، والأمثلة عنهم غير قليلة . نذكر منها الحافظ أبا عبدالله محمد بن عبد الرحمان الرعيني ، وعبدالله بن الأنصاري المعروف بابن شاري ( ت 647 1245 ) وأبا بكر يحي السكوني ( ت . 626/1228 )[51]. كماكان الفلاسفة منهم يضمرون أفكارهم ويخفون نشاطهم مثل الفقيه المتفلسف مالك بن وهيب الذي كان مقربا من أمير السلمين علي بن يوسف بن تاشفين ، وأبي الحجاج المراني الذي كانت في حوزته خزانة فلسفية غنية ، وكان موظفا ساميا في ديوان الولاية بإشبيلية زمن الخليفة يوسف الموحدي[52]. وإذا كانت هذه الحاضرة أيضا مصب تأثير القسم النظري من الفلسفة المنبعث من حواضر أندلسية أخرى ، جرى إليها بواسطة قنوات عمالقة كابن طفيل الوداشي ( ت . 581/1185) وابن رشد القرطي (595/1198) ، بفضل انفتاح فكر الخليفتين يوسف ويعقوب على الدراسات الفلسفية وتراثها[53]، فإنها قد أبدعت في مجال قسمها العملي والتطبيقي الذي عرف تطورا مهما ساهم فيه بحظ وافر علماء إشبيليون مشهورون كما أشرنا إلى ذلك آنغا ، هم على الخصوص علم الطب الذي ارتقى على يد أسرة بني زهر المشهورة ، التي أنتجت أطباء كبار كأبي العلاء زهر بن عبد الملك  (ت.525/1130) وأبي مروان عبد الملك بن زهر(ت. 557/1162) و علم النبات و الصيدلة الذين أحاط بهما و جدد، كل من أبي الخير الأشبيلي (ت1145/540).

يبدو أن التوجه العقلاني النظري قد تقوى مع حركة نشاط تيار المعتزلة في اشبيلية الذي رافق دخول أحد كتبه الهامة في التفسير الاعتزالي وهو " الكشاف عن حقائق التتريل " لأبي القاسم محمود بن عمر بن محمد الخوارزمي الزمخشري ، والذي حمله من المشرق إلى إشبيلية الفقيهان الإشبيليان أبو العباس أحمد بن أحمد ابن خلف الخضرمي ، المعروف بابن رأس غنمة (ت.643 /1245) وصديقه أبو بكر ابن أحمد الكناني (ت.608/1211)[54]. ويستفاد من كلام أبي الحسين محمد بن محمد بن زرقون خصم هذا التيار ، أن الاعتزال كان مذهبا جديدا في إشبيلية رغم ظهوره بالأندلس في وقت سابق عن دخول " الكشاف " بقرون[55]. ومعلوم أن أهل المعرفة العقلانية النظرية قد استخدموها لدراسة الأصول قصد التوصل إلى الاعتقاد عن طريق الاقتناع العقلي انطلاقا من مسلمة الإيمان ، والدفاع عن العقيدة ببرتهين منطقية مقنعة وفاحمة ، وهو ماعبر عنه بعض القدماء بعبارتين مترادفتين هما : " الجمع بين الحكمة والشريعة "[56]، والجمع بين الشريعة والفلسفة[57].

إن تباين عناصر الخريطة الفكرية للمدينة قد مكنها ، خلال العهد المغربي من تركيم حصيلة من الأعمال التي تتجلى في نتاج معرفي وفير .

ثالثا – تجليات الفكر الإشبيلي :

1 – تقييم الحصيلة :

لا شك أن اختلاف التيارات الفكرية المذكورة قد كان له تأثير إيجابي في تخصيب وتنويع حقول الثقافة الإشبيلية على الصعيدين النظري والعملي . وبقدر ماأدى التباين في الأفكار والاتجاهات المذهبية في وسط الطبقة المثقفة إلى التعدد والتجزء ، ساعد ذلك أيضا على ثراء تلك الحقول وتكاملها ، مما يسفر ازدهار الثقافة الإشبيلية وغناها بجل أصناف العلوم المعروفة ، ولم يكن غنى الثقافة الإشبيلية آنذاك ، حسب ماترويه المصادر عنها ، يضاهيه شيء إلا ثراء أهلها . ويجد الباحث في تعدد الأصول الجغرافية للبعض من رجال الفكر بإشبيلية دلالة على أن مدينتنا كانت حاضرة إشعاع ثقافي واسع ، حيث أخذ عدد لايحصى من التلاميذ عن علمائها وشيوخها الكثيرين ، الذين يصعب حصرهم ، داخل المدينة أو بخارجها ، في الأندلس والمغرب وإفريقية والمشرق[58]، وغدت زمن الموحدين  من بين أهم المراكز العلمية الأندلسية الكبرى التي قصدها ، فضلا عن الطلبة ، عدد من عمالقة العلم لاستكمال التعليم والتكوين في ميدان المعرفة العقلية والنقلية على السواء[59]، كما كونت إلى جانب ذلك ، نقطة استقبال والتقاء لمختلف التأثيرات الفكرية الأندلسية والمغاربية والمشرقية . وبذلك لعبت إشبيلية في المجال الثقافي دور المنبع والمصب في آن واحد . ويرجع مصداق ذلك إلى ازدحام الخزانة الأندلسية التي وصلتنا ، والخاصة بالتراجم والطبقات والأدب ، بزخم من الأعلام الإشبيلية البارزة في شتى المعارف ، مما يصعب معه ، في مثل هذا المقام ، الإحاطة بجميع رواد الظاهرة الفكرية الإشبيلية ، وحصر كل خصائصها وأعمالها . كما يتعذر على الباحث أيضا أن يفرز من تلك الأعمال كل ماهو خاص بواحدة من الفترتين المغربيتين على حدة ، نظرا لأن جل حياة أهل العلم قد غطتهما كلا أو جزءا . إلا أنه يمكن القول أن الحصيلة الفكرية الإشبيلية في العهد المغربي على العموم ذات قيمة كبيرة ساهمت بها المدينة في إغناء الرصيد الثقافي على المستوى المحلي من جهة ، وعلى صعيد الغرب الإسلامي من جهة أخرى ، مما جعلها تضاهي مكانة قرطبة ، وتكاد تنتزع من يدها مشعل المرتبة الثقافية الأولى في الأندلس . وسنشير في مايلي ، على سبيل المثال لا الحصر ، إلى بعض أعمال الحصيلة ، على أن نحتفظ بذكر بعض مضامينها عند تناول مسألة الصراع الفكري بالمدينة . ونقترح تصنيف تلك الحصيلة من الناحية الأدبية إلى نظم ونشر .

2 – أعمال منثورة :

كان جل الإنتاج الفكري منثورا ، وقد غلبت عليه المعارف النقلية الدينية التي يرع فيها الفقهاء الإشبيليون تصنيفا وشرحا وتلخيصا ، مثل الأعمال الهائلة للقاضي أبي بكر ابن العربي المعافري ( ت . 543/1148 ) ، وهو شخصية مشهورة تركت بصماتها في ميدان الفقه والتفسير والحديث والتصوف بما خلفته من إنتاجات علمية قدرت بعض المصادر عددها[60]، وحصر سعيد أعراب جميع عناوينها[61]. وألف ابن أبي مروان كتاب "المنتخب المنتقى " في الحديث[62]. وصنف أبو عبدالله محمد ابن زرقون كتاب " الأنوار"، جمع فيه بين كتابين نقحهما واستدرك عليهما وهما : " الصحيحان " ، أحدهما للباجي وثانيهما لابن عبد البر[63]. وألف ولده أبو الحسين محمد ابن زرقون " قطب الشريعة في الجمع بين الصحيحين "، واختصركتاب " الأموال " لأبي عبيد[64]. أما الحفيد أحمد بن إبراهيم ابن زرقون ، فقد اختصر كتابا في الفقه المالكي سماه " المنهج السالك في تقريب مذهب مالك "[65]. وكتب ابن عبدون " رسالة في الحسبة " المشار إليها آنفا . كما ترك أبو محمد عبدالحق الأزدي الإشبيلي ( ت . 582/1186) لائحة من المصنفات وهي: "الأحكام الكبرى والصغرى ، الرقائق ، العاقبة ، التجهد ، التلقين، الجمع بين الصحيحين ، واختصار كتاب أبي محمد الرشاطي "[66]. وألف القاضي أبوبكر ابن العربي المعافري المذكور في التصوف كتابين : " سراج المهتدين . وسراج المريدين"[67]. وترك أبو الحسن محمد بن عبدالرحمان ابن الطفيل المعروف بابن عظيمة (540/1145 ) أربعة أعمال[68]: > أرجوزة في القراءات السبع وأخرى في مخارج الحروف، كتاب " الفريدة الحمسية في شرح القصيدة الحصرية ، وشرح قصيدة الشقراطسي <. وساهمت إشبيلية في مجال التاريخ بتواليق هامة ، فيها ماوصل إلينا ومنها مازال في حكم المفقود. فهناك كتاب " المن بالإمامة " لابن صاحب الصلاة[69]، و"أرجوزة في السيرة النبوية " لأحمد بن عيسى بن الحاج اللخمي[70]، وكتابان لأبي العباس أحمد بن محمد الفهري المعروف بابن سمسرة (ت.600) وهما: " اختصار الاستيعاب، وتاريخ في دولة عبدالمؤمن وحزبه"[71]. وصنفت حول تاريخ العلوم فهارس وبرامج ، مثل " فهرسة " أبي بكر ابن خير الإشبيلي المنشورة، وفهرسة لأبي الخطاب محمد بن أحمد بن خليل ( ت. 652/1254 ): واحدة عائلية خاصة والأخرى عامة[72]، و " فهرسة " ابن الخراط ( ت . 581/1185)[73]، و " برامج " أبي الأصبغ عبد العزيز بن علي ابن عبدالعزيز السماتي الطحان[74]، " وبرنامج " أبي العباس أحمد بن محمد بن مفرج النباتي المعروف بابن الرومية[75]، و " برنامج " أبي الحسن علي الرعيني (ت.666/1268)[76]. وتعتبر علوم الأدب من أبرز ما أنتجه الفكر الإشبيلي ، فقد نشطت " كتابة الإنشاء " على يد كتاب محترفين[77] أمثال أبي بكر محمد بن سليمان الكلاعي المعروف بابن القصيرة ( ت . 508/1114 )[78]، وأبو القاسم محمد بن عبد الله بن الجد الفهري ( ت . 515/1121 )[79]، وأبو الفتح بن خاقان (ت.529/1134)[80] . وصنف الأستاذ النحوي ، أبو إسحاق إبراهيم بن محمد ابن ملكون (ت.584/1188) " شرح الحماسة " و " النكت على تبصرة الصميري "[81]، وكذلك ألف أبوبكر محمد بن خلف بن محمد ابن صاف اللخمي ( ت . 586/1193 ) " شرح الحماسة " ، و " شرح فصيح ثعلب" و " أجوبة عن مسائل قرآنية ونحوية "[82]. كما خلف النحوي العروضي الأديب، أبو محمد طلحة بن محمد ابن عبدالملك الأموي (ت.642/1244) " معجما وخطبا وشعرا"[83]. واعتبر أستاذ الجيل ، أبو علي عمر بن محمد ابن عبدالله الأزدي الشلوبين (ت. 645/1247) آخر أئمة علم العربية بالمشرق والمغرب . له مجموعة من الأعمال ، منها " شرح الكراسة المنسوبة للجزولي"، و" كتاب التوطئة للكراسة المذكورة، و " تعليق على كتاب سيبويه "[84]. وصنف أبو العباس أحمد بن  محمد المعروف بابن الحاج (ت.651/1253 ) " كتاب نقود على الصحاح "[85]. وأهم عمل تحمد عليه إشبيلية في عهدها المغربي في ميدان الأدب هو تدوين أعظم موسوعتين لتاريخ الأدب بالأندلس، وهما معروفتان ومنشورتان. كتب الأولى أبو نصر الفتح بن محمد بن عبيد الله بن خاقان (ت.529/1135) وهي المنشورة والمعروفة باسم " قلائد العقيان "، فضلا عن كتابه "مطمح الأنفس" المعروف والمنشور كذلك. وأنشأ الثانية ابن بسام الشنتريبي (ت.542/1134) الذي سكن إشبيلية مدة ، تحت عنوان " الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة" ، وهي أيضا معروفة ومنشورة . بالإضافة إلى رائعة أبيالقاسم محمد بن ابراهيم ابن خيرة المواعيبي " ريحان الألباب وريعان الشباب في مراتب الآداب "[86].

رغم أن إشبيلية لم تنتج شيئا من عمالقة الفلسفة كابن طفيل وابن رشد ،الذين كان لهما تأثير كبير في ترويج هذا العلم بإشبيلية بعد اتصالهما بالقصر الموحدي ، فإنه يكفي إشبيلية فخرا أن يكون العالم ابن زهر أحد أساتذة ابن رشد ،أكبر فلاسفة الأندلس[87]. ونظرا لأن دراسة الفلسفة كانت قاصرة على الخاصة كما أشرنا ،فإن عطائات الإشبيليين في هذا المجال كانت تكتسي طابع السرية مما يدفعنا إلى الظن بأن عددا غير قليل من الناس لم يجرؤوا ،خوفا ،على كشف هويتهم الفكرية الحقيقية حتى من بين الموظفين السامين كإبي الحجاج المراني الذي ما وصل خبر مكتبته الفلسفية الخاصة بالمدينة لآذان الخليفة الموحدي أبي يعقوب يوسف الذي كان شغوفا بها حتى انتزعها منه بالقوة مقابل ترقيته[88]. وبما أن مفهوم الفلسفة في ذلك العهد كان ،يغطي- كما أشرنا – إضافة إلى المعرفة النظرية،عددا من العلوم العلمية والتطبيقية ،فقد كانت مساهمة الفلاسفة الإشبيليين فيها بالغة الأهمية ،ولا سيما في علم الطب الذي برزت فيه أسرة بني زهر[89] وخصوصا الطبيب الفيلسوف أبي العلاء زهر بن عبد الملك بن زهر الإيادي الذي صنف غيرقليل من الأعمال، منها "الطور في الطب، الخواص، الأدوية المفردة، حل شكوك الرازي على كتب جالينوس، ورسائل، ومجربات"[90]. وفاقه ولده أبو مروان عبد الملك ابن زهر في إضافته العلمية الجديدة للطب، مما جعل ابن رشد يعتبره "أعظم طبيب منذ جالينوس"، وهو الذي ألف مجموعة من الكتب التي ترجم بعضها إلى اللاتينية، وظلت في أروبا، إلى جانب غيرها، حتى القرن الملادي السابع عشر، عمدة في الطب. ومن أهمها "كتاب التيسير في المداواة والتدبير "كتاب الأغدية"، كتاب الجامع في الأشربة والمعجونات"، "كتاب الاقتصاد في إصلاح الأنفس والأجساد"، كتاب ترياق"، "مقالة في علل الكلي، ورسالة في علتي البرص والبهق"[91]. ثم برزعلماء إشبيليون آخرون إلى جانب هذه الأسرة، من أكبرهم "الطبيب الفيلسوف "أبوالصلت (ت. 546/1168) الذي صنف في الطب والتنجيم والألحان" حسب شهادة ابن سعيد[92]، ومن مؤلفاته "كتاب الأدوية المفردة", والطبيب الوشاح أبو الحجاج يوسف بن عتبة[93]، بالإضافة أطباء آخرين إشبيليين او استوطنوا بالمدينة أو أقاموا فيها للدراسة، لم تصلنا أعمالهم. وقد أورد الخطابي لائحة بأسمائهم[94]. وهناك مصنفات لقطاع علمي آخر، هو اس الطب وعمدته، حازت إشبيلية في ميدانه قصب السبق، وهي تتعلق بعلوم النباتات الطبية والغذائية الصحية، مثل كتاب "عمدة الطبيب في معرفة النبات، "منشور في مجلدين، للعالم النباتي المشهور أبي الخير الإشبيلي. ومصنفات الصيدلي الكبير أبي العباس النباتي المعروف بابن الرومية، وأستاذ الصيدلي المالقي الذائع الصيت ابن البيطار(ت. 646/1248)، وهي تضم أربعة أعمال: "كتاب تفسير أسماء الأدوية من كتاب ديسقوريديس"، و"مقالة في تركيب الأدوية، "وكتاب الرحلة النباتية"، و"التنبيه على أغلاط الغافقي"[95]. ولم يكن تقدم علوم الفلاحة غريبا عن إشبيلية، الواقعة في قلب الواد الكبير، أخصب بقاع الأندلس، حيث أقام فيها للبحث والدراسة أو العمل أعلام العلم في الأندلس، مثل أبي عبد الله محمد ابن مالك التغنري المعروف بابن حمدون الإشبيلي أو بالحاج الغرناطي (حيا أوائل ق.6/12)، صاحب كتاب "زهر البستان ونزهة الأذهان"[96]. صنف أبو الخير الإشبيلي "كتاب الفلاحة"، كما ألف أبو زكرياء يحيى ابن محمد ابن العوام كتابا بنفس العنوان[97] وإذا كنا سنشير إلى مؤلفات أخرى لاحقا، والتي تدخل ضمن سياق الصراع المذهبي، الذي اتخذ شكل ردود فكرية مدونة ومتبادلة بين الأطراف المتصارعة، فقد بقيت مدونات بالغة القيمة تؤرخ لعلم حضري رفيع، لم تصلنا أعماله، وهي تتعلق بالنشآت الحضرية الإشبيلية التي أمدنا ابن صاحب الصلاة بأسماء بعض المهندسين الذين أشرفوا على إنجازهم وهم : أحمد بن باسه، كبير المهندسين الأندلسيين، الذي بنى في فترة الموحدين المسجد الجامع، وصومعته، وقصور البحيرة. وأبو القاسم أحمد بن محمد الحوفي، وأبو بكر محمد بن يحيى بن الحذاء، اللذان خططا وشيدا حدائق قصورالبحيرة الخليفة. والحاج يعيش الذي وسع بناء شبكة الماء العذب في المدينة، وأنشأ خزانا له بداخلها، لتزويد القصور وحدائقها والمدينة بحاجياتها، ومحمد بن المعلم باني قصور أبي حف، أخي الخليفة أبي يعقوب يوسف[98]. وما زال بعض تلك المباني قائمابفضل احتفاظ عقلاء عقلاء أهل المدينة الجدد عليها، وظلت جذور بعضها الآخر مدفونة في باطن الأرض، إلى أن شرعت السلطات الإسبانية بالمدينة وعلماؤها المختصون في البحث وعلم الآثار، منذ سنين، على تحديد مواضعها، وكشف آثارها، وبعث الحياة إلى بعضها من جديد.

3- أعمال منظومة :

إحتفظت المصادر الأندلسية بالإنتاج الشعري لكثير من المبدعين الإشبيلين وخصوصا كتب التراجم والأدب[99]. وكان غنى الخيال الإشبيلي انعكاسا لجمال البيئة الطبيعية المحيطة، وتفاعلا لنفسية الناس مع عواطف الخير والشر، ورغبة في التكسب والوصول إلى خزائن الحكام. لهاذا تنوعت الأغراض واختلفت الأساليب والصور. ونتيجة لهذا كانت رحى النظم المقفى تدور من جهة ، حول قصور الحكام الذين أحاطوا الشعراء بالرعاية والتشجيع، وكانت تعبر من جهة أخرى، عن وجدان الإنسان وجماله ومفاتن الطبيعة والكوارث والنكبات التي كانت تصيب البلاد. وتجدر الإشارة هنا إلى أن أكثر فترات ازدهار الشعر كانت خلال العهد الموحدي. ومن بين أهم أعلام مبدعيه أحمد ابن سيد المعروف (ت.576/1181)[100]. وابن وهبون المرسي (ت. 480/1087)[101] الذي سكن إشبيلية. وأحمد ابن حزم الإشبيلي (حيا ق. 6/12)[102]. وأبو الحسن علي ابن جحدر (ت.638/1240)[103]. ومحمد ابن أحمد الصابوني(ت.640/1248)[104]. وابراهيم ابن سهل الإسرائيلي (ت.649/1251) الذي رثي سقوط إشبيلية[105].

أما منتوج الموشحات الذي كان يمثل شعر الأغاني بأسلوب لاتراعى فيه قواعد اللغة ولاقوالب الأوزان التقليدية، فقد عرف ازدهارا كبيرا في عهد المرابطين والموحدين[106]. وتصدر الزعامة في هذا الفضاء الحر كثير من الوشاحين كان على رئسهم الطبيب محمد ابن عبد الملك ابن زهر[107] وابو عمر بن الزاهر الذي عاصر ابن قزمان القرطبي[108]. وابن عيسى الإشبيلي[109] وعبد الله ابن جعفر[110]. وأبو بكر محمد ابن أحمد ابن إبراهيم الصدفي الإشبيلي[111]، والقائمة ما زالت طويلة.

4 – الصراع الفكري :

1-               دواعي الصراع :

إذا كانت إجابيات التيارات الفكرية قد تجلت في إغناء الثقافة الإشبيلية وخلق فضاء فكري حضري نشيط ومتعدد الآراء وتوفير هامش بين الحرية والتسامح، فقد كانت عواقب الصراع الناتج عن هذا التنوع وبالا على الطبقة المكرة داخل المدينة،وشرا مستمرا ومدمرا للمجتمع الإشبيلي والأندلسي كافة. كون هذا الصراع مع الزمن علاقات فكرية متوثرة حيث يتبين من الروايات أنه قد أوقد، من جهة وباستمرار، نار التنافر والعداء ما بين الفاعلين في مجالي المعرفة النقلية والعقلية، وساعد من جهة أخرى، على اندلاع حرب كلامية مكشوفة ومدونة بين أقطاب المذاهب التقليدية نفسها. كما عاشت كل التيارات المختلفة ومذاهبها تحت مراقبة وعصا السلطان، تزيد أو تنقص حسب مذهب الدولة القائمة وميول الحكام، وتبعا لدرجة خضوعهم لتأثير رأي من كان حولهم من حماة المذهب الرسمي، مما يفسر حملات الملاحقة والمطاردة والنكبات التي تعرض لها أصحاب المذاهب الأخرى ولاسيما ما كان يتصل منها بالفكر العقلي، دون أن ينجو منها أيضا أهل الفكر النقلي.

2-               الصراع بين المذاهب :

إن سيطرة فقهاء المذهب المالكي على مؤسسات الدولة وأجهزتها خلال الفترة المرابطية قد ساعدها على تركيز نفوذ قوي ومصالح واسعة وثروة هائلة، لم تكن تسمح لفقهاء المذاهب الأخرى المخالفة بالوصول إلى مناصب التأثير في إدارة الدولة،  ليزلزلوا مكانتها، ولاتتيحو لها – إذا وصلت – فرصة النمو وتكوين كتلة قوية قادرة على التأثير على الحاكم لإحداث التغيير الفكري الإصلاحي المنشود. لذا، كان فقهاء المالكية – وهم أبطال الصراع في الساحة الإشبيلية – متأهبين باستمرار لمواجهة جميع المذاهب المخالفة لهم.

قام كبير فقهاء إشبيلية القاضي أبو بكر ابن العربي المعارفي في كتابيه :" النواهي على الدواهي" والغرة في نقص الدرة "بمهاجمة المؤسس الفعلي للمذهب الظاهري، ابن حزم (ت.456/1064)، وتصدى للرد عليه فقيه إشبيلي من أسرة ابن حزم، هو أبو عمر أحمد بن محمد بن حزم، في "الرسالة الصؤول على الباغي والجهول".وكتاب الزوائغ والدوامغ. وصنف شيخ المالكية في إشبيلية بعد ابن العربي المعارفي أبو عبد الله ابن زرقون  "كتاب الرد على من يقبض في صلاة الفرض" ثم عاد ولده ووريث المشيخة عنه، أبو الحسين ابن زرقون لمقارعة الظاهرية في كتاب" المعلى في الرد على المحلى لأبي محمد ابن حزم". ورغم ذلك فلم يتوقف رواد الظاهرية عن حملتهم بترويج كتبهم، مثل ما فعله العالم النباتي المشهور ابن الرومية المذكور، الذي كان أيضا فقيها ظاهريا متعصبا لابن حزم، حيث صنف الأعمال الآتية :" كتاب الحافل"، و"اختصار"كتاب الكامل لأبي أحمد بن عدي" في مجلدين، و"اختصار كتاب الدرقطني في غريف الحديث".

قاد فقهاء المذهب المالكي جبهة صراع أخرى، كانت موجهة ضد المتكلمين والمعتزلة، وصلت، زمن المرابطنين عموما وفي عهد أمير المسلمين علي بالخصوص، إلى أوجها حينما قضى فقهاء المذهب بفرض التزام علم الفروع، و"بتفكير كل من ظهر منه الخوض في شيء من علوم الكلام". الشيء الذي شجع فيما بعد أبا لحسن علي بن محمد بن خروف الحضرمي الإشبيلي، في أحد مصنفاته، على انتقاد علم الكلام، والتعريض بالمتكلمين  حتى "خرج عن طوره"، مما أثار حفيظة بعض فقهاء المالكية أنفسهم، وانبرى بعضهم، من خلال صنفوا، لتقويم مغالاة ابن خروف من جانب، والرد على ما في كتاب "الكشاف" من اعتزال للزمخشري من جانب آخر. منهم أبي بكر يحيي بن أحمد السكوني (ت.626/1228) صاحب "الحسنات والسيئات"، وشرح كتاب المستصفى" للغزالي، وقريبه أبي علي عمر بن محمد السكوني مؤلف كتاب" التمييز لما أودعه الزمخشري في الكتاب العزيز"[112].

3 – محنة الفكر مع السلطان :

عانت جميع الإطراف المشاركة في فضاء الثقافة المنتمية للتيارين العقلي والنقلي من ضغوط السلطان وملاحقته وعصاه، مع اختلاف درجاتها ما بين الفترة المرابطية التي اتسمت بسيادة سلطان الفكر المحافظ وبتشدد أكثر معه الخارجيين عنه، وفترة الموحدين  التي عرفت نوعا من الإنفراج، والتفتح على تعددية ثقافية محكومة ومراقبة. وكان من نتائج تشدد سياسة المرابطين وقوع الإدارة في تناقد خطير تجلى في إقدام الدولة على محاربة فكر حلفائها المعنويين الذين ساندوا شرعيتها بالأندلس. حيث صدر، سنة 503/1109، قرار رسمي عام، ثم بمقتضاه  حظر نشر ودراسة وحوزة مصنفات فكر رائد المذهب السني المصلح الإمام الغزالي ومنع استعمال علم الكلام، وفرض تطبيق أمر حرق كتابه "إحياء علوم الدين"، وإنزال أشد العقاب على كل من لا يمتثل. وقد أشاع هذا القرار الصارم إرهابا فكريا في إشبيلية وخارجها، خصوصا بعد إرغام المقربين والخدام المخلصين للدولة على تطبيقه، مثل الفقيه الصنهاجي اللمتوني الإشبيلي الدار، أبي عمر ميمون الذي نفذ الأمر تحت تهديد علي ابن يوسف المباشر، وحامل وثائق التأييد والتفويض من الخليفة العباسي المستظهر والإمامين السنيين الغزالي والطرطوشي إلى يوسف ابن تاشفين، أبي بكر محمد بن العربي المعافري، ولم يسلم من هذا التشدد العلماء المتصوفة كابن برجان، السالف الذكر، الذي نفاه علي ابن يوسف من المدينة إلى مراكش حيث خضع للتعذيب والسجن، ثم توفي بعد تسريحه.

ومن الأطوار الغريبة في موضوع تاريخ علاقة الحاكم بالنخبة المفكرة أن يأتي الدور على أصحاب التيار التقليدي الذين ضغطوا على السلطة المركزية المرابطية لخنق حرية خصومهم من أصحاب الفكر الآخر بتنفيد هذا القرار. فقد دشن الخليفة الأول عبد المؤمن سياسة الموحدين التربوية والتعليمية الجديدة سنة 550/1155 في اجتماع قمة رسمي مع كبار فقهاء المالكية تحت رئاسته، بإعلان بيانه الإنتقادي لفقه الفروع وبدعوتهم بالرجوع إلى فقه الأصول. إلا أن موقفهم الرافض الذي عبرعنه –ردا على الخليفة- شيخهم الإشبيلي أبو عبد الله محمد بن سعيد بن زرقون، حمل رسالة فهمها عبد المؤمن وكان لها من الدلالات ما جعله آنذاك لا يقوم بأية "خطوة عملية في الموضوع"، محيلا إجراء الحسم في هذا الملف على خلفه، وخصوصا منهم أبي يوسف يعقوب الذي أصدر أمره بمنع دراسة كتب فقه الفروع واستصدارها من أصحابها وحرقها. وقد أصفرت معارضة حماة هذا العلم في إشبيلية بزعامة شيخهم أبي الحسين ابن زرقون، الذي خلف والده الذكور، عن إلقاء القبض عليه، وتعذيبه وحرق مكتبته، وسجنه بسبتة مدة طويلة.

كانت العيون الموحدية غير غافلة عن النشاط السياسي المعادي للدولة الجديدة، ولاسيما ما كان منه مواليا لفائدة خصومها. لذلك كانت تضرب بقساوة كل المعارضين بغض النظر عن انتمائهم الفكري. ومن الأمتلة على ذلك ما تعرض له أحمد ابن سعيد ابن حزم الإشبيلي من سجن وتعديب ومصادرة أموال، بتهمة سياسية أودت بحياته، رغم انتسابه للمذهب الظاهري الذي اعتبر أحد مكونات المذهب الموحدي. ولم يكن مصير الفقيه المالكي المتعصب للمرابطين، أبي محمد عبد الحق بن عبد الرحمان الأزدي الإشبيلي أسوأ من سابقه، حينما رحل إلى بجاية الموحدية للإقامة فيها، ثم رفض تعيينه بها على خطة القضاء والخطابة للموحدين، لكنه قبلها بعدما استولى عليها الأمير المرابطي على الجزائر الشرقية، علي بن إسحاق الميورقي عام 580/1184، فكان موقفه هذا دليلا قاطعا على تورطه السياسي ثم مثابعته، عقب رجوع المدينة إلى الإدارة الموحدية في السنة الموالية، بالحبس والتعذيب مما يكون قد تسبب في وفاته سنة 582/1186[113] .

يمكن للباحث أن يستنتج، من خلال المادة الفكرية التي تقدمها المصادر، أن النظام الموحدي قد أعطى للحياة الفكرية دفعة نوعية قوية، خصوصا عندما تحولت إشبيلية، خلال فترة حكم بعض الخلفاء، إلى عاصمة ثانية للغرب الإسلامي, لكن معاناة الطبقة المثقفة لم تزل نتيجة استمرار الضغط الداخلي للسلطة، رغم تداولها ما بين أسرتين مختلفتين من الناحية الفكرية والإجتماعية، ولتعصب النخب المتباينة في أفكارها ومذاهبها. ولذلك عاش الفكر الإشبيلي بين صحوة وكبوة. كلما جاءت أسرة حاكمة اصطنعت من النخبة من يخدمها ويبرر شرعيتها، وهوت بالعصا على رأس الأخرى، إلى أن نزلت فوق رؤوس الضاغطين والمضغوطين بإشبيلية، المحنة القاضية الكبرى سنة 646/1248 على يد "حركة الاسترداد" المسيحية الإيبيرية، التي طردت حكام المدينة، واجتثت  أصول وفروع فكر نخبتها، التي منها من آثر المقاومة والموت داخل الحصار في ذات السنة، كالفقيه أبي محمد عبد الله بن قاسم  بن عبد الله اللخمي العروف بالحرار وبالحريري. ومنها من هام على وجهه في كل اتجاه حيث لاذ بحواضر أندلسية قريبة أملا في العودة، مثل أبي الحسن علي الخشني الأبذي الإشبيلي (ت. 680/1281) الذي فر إلى غرناطة، وأبي عمرو عياش بن الطفيل العبدي (ت. 702/1302) الذي استوطن الجزيرة الخضراء. ورحل آخرون إلى بلاد العودة، وهم كثيرون، استقر عدد منهم بسبتة، كالفقهاء : أبي محمد عبد الله بن علي الأنصاري ويعرف بابن شاري (ت. 647/1346)، وأبي الحسين ابن أبي الربيع (ت.688/1289)، وأبي الحسين عبد الله بن عبد العزيز القريشي الأموي، العروف بابن القارئ (ت. 692/1292)، الذي كان قد التجأ إلى شريش قبل أن ينتهي به المطاف إلى سبتة. وقصد غيرهم مراكش، أذكر منهم مثالا واحدا فقط، هو الفقيه أبو زيد عبد الرحمان بن علي القيسي المنستيري (ت.650/1252) من أهل إشبيلية[114].

 

خــلاصــة :

يبدو مما تقدم أن دراسة ملامح الحياة الفكرية العربية الإسلامية لحاضرة إشبيلية كما تصفها المرجعية الأندلسية الغالبة، التي تيسر لنا الاطلاع عليها، قد تميزت في عهدها المغربي بالانتعاش والاستمراتر والتطور، وتجلت في حضور المعرفة النقلية والعقلية، مع طغيان حجم الأولى على الثانية، وتأثر خصوصيتهما الفكرية بمكونات داخلية وخارجية. كما تحكمت  في مستواهما العلمي شكلا ومضمونا، بالإضافة إلى الإرث، نوعية نظام التعليم وحاجة المجتمع من جهة أولى، وضرورات الصراع بين مركبات النخبة ومتطلبات مشاريع السلطان من جهة ثانية.

ورغب تناوب التيارات الفكرية  على تحمل عاديات الظروف الصعبة خلال بعض الأوقات والمتمثلة إما في توترات أفقية بين المذاهب المختلفة، وإما في ضغوط عمودية على المفكرين من السلطان، فإن صمود المفكر الإشبيلي على العموم، ووجود حد أدنى من التفاهم وتشجيع الحكام على الخصوص، قد سمح لإشبيلية أثناء الفترة المغربية أن تتبوأ مكانة فكرية فعالة ورفيعة في الغرب الإسلامي، خصوصا في مجال المعرفة العقلية والأدبية، وأن تصبح المدينة مركزا ثقافيا متميزا ومشعا، قد أطفأ انواره عدم تبدل الحال وتفوق قوة "حركة الإسترداد" بحلول عام 646/1248.

 

 

لائحة المختصرات

 

ع: عدد

ج: جزء

ق: قسم

س: سفر

مج. : مجلد

تح. : تحقيق

تق. : تقديم

تع. : تعليق

ترج. : ترجمة

حا. : حاشية

ط. :طبعة

= : تابع

(د. ت) : دون تاريخ

(د. م) : دون مكان

 

 

الهوامش

[1] -  ابن الأبار ، أبو عبدالله محمد بن عبدالله القضاعي البلنسي ، التكملة لكتاب الصلة ، ج . 1 ، تح . عبدالسلام الهراس ، دار المعرفة ، الدارالبيضاء ، ( د . ت)  ، ص . 363 – 364 , ابن الزبير ، نفس المصدر ، ق . 4 ، ص . 185 ، 398 ، ق . 5 ، ص . 403 , وراجع عن رحلة القاضي ابي بكر ابن العربي المعافري الإشبيلي إلى الشرق ، ثلاث نصوص عربية عن البربر في الغرب الإسلامي : كتاب الأنساب لابن عبدالحليم ، كتاب مفاخر البربر ، لمؤلف مجهول ، وكتاب شواهد الجلة ، لأبي بكر ابن العربي ، دراسة وتحقيق محمد يعلى ، سلسلة المصادر الأندلسية ، 20 ، المجلس الأعلى للأبحاث العلمية والوكالة الإسبانية للتعاون الدولي ، مدريد ، 1996 ، ص . 45 – 54 .

[2] - أنظر على سبيل المثال ابن سعيد ، أبو الحسن علي بن موسى ، المغرب في حلى المغرب ، ج . 1 ، ط . 2 ، تح . شوقي ضيف ، القاهرة ، (د.ت) ، ص . 239 – 287 ’ شكيب أرسلان ، الحلل السندسية ، ج . 1 ، ط . 1 ، القاهرة ، 1936 ، ص . 240 .

[3] - العبادي ، أحمد مختار ، " الإسلام في أرض الأندلس : أثر البيئة الأوروبية " ، عالم الفكر ، مج . 10 ، ع . 2 ، الكويت

( 1979 ) ، ص . 59 – 110 .

[4] - نفح الطيب ، مج . 1 ، تح . إحسان عباس ، دار صادر ، بيروت ، 1388 / 1968 ، ص . 220 – 222 .

[5] - راجع ابن الأبار ، نفس المصدر ، ج . 1 ، ص . 363 – 364 , ابن الزبير ، نفس المصدر ، ق . 3 ، ص .153 ، 211 ، 167 ، 178 ، 208 ، ق . 4 ، ص . 126 – 127 ، 151 – 153 ، ق . 5 ، ص . 335 – 336 ، 352 ، 354 ، 359 ، 370 ، 390 ، 394 ، 395 ، 399 ، 408 ، 420 – 421 ، 422 , إبن عبدالملك المراكشي ، الذيل والتكملة لكتابي الموصول والصلة ، س . 6 ، ط . 1 تح . إحسان عباس ، دار الثقافة ، بيروت ، 1973 ص . 203 – 208 .

[6] - راجع أعلاه الحاشية 10 .

[7] - في كتابه الطب والأطباء ، نفس المرجع ، ج . 1 ، ص . 23 ، 275 – 317 .

[8] - قامتالأستاذة Expiracion Garcia Sànchez   بتحقيق وترجمة هذا الكتاب إلى اللغة الإسبنية مع التقديم ، ضمن سلسلة المصادر الأندلسية ، رقم 4 ، المجلس الأعلى للأبحاث العلمية ومعهد التعاون مع العالم العربي ، مدريد ، 1992 .

[9] - حقق هذا الكتاب وعلق عليه الأستاذ محمد بن عبدالله الروداني ، مطبوعات أكاديمية المملكة المغربية ، سلسلة التراث ، ( د . م .) ، ( د . ت . ) .

[10] - قدم له وحققه وأعاد ترتيبه في قسمين الأستاذ محمد العربي الخطابي ، مطبوعات أكاديمية المملكة المغلربية ، سلسلة التراث ، الهلال العربية ، الرباط (د. ت.).

[11] - نشره القاضي التهامي الناصري الجعفري ، ط . 1 ، المطبعة الجديدة ، فاس ، 1357 , أنظر تقييم الخطابي ، لهذا الكتاب في مقدمة تح . المصدر السابق ، . 1 ، ص . 24 – 25 .

[12] - الخطابي ، مقدمة نفس المصدر ، ق . 1 ص . 13 ، 17 – 18 ، وأشار إلى أن كتاب الفلاحة لابن العوام قد أعيد نشره مع دراسة وتعليقات بعنايةExpiracion Ganchez  و Estéban Hemandez Bermejo  مدريد ، 1988 .

[13] - تمت تلك العملية سنة 551/1156 ، أنظر ابن القطان ، أبو محمد حسن بن علي الكتامي ، نظم الجمان ، تح . محمود علي مكي ، ط . 2 ، دار الغرب الإسلامي ، بيروت ، 1990 ، ص . 178 ـ 179 , المغراوي ، نفس المرجع ، ص 153ـ154.

[14] - كان أخذ الأبناء عن الآباء والأحفاد عن الأجداد ، أو الأقارب ، تقليدا علميا معروفا في المجتمع الأندلسي والمغربي ، والأمثلة عنه بالوسط الإشبيلي كثيرة : فقد روى عن أبي الحكم عمرو بن الحجاج اللخمي الإشبيلي (477 هـ 564)، ابنه أبو عمر محمد وحفيده أبو الحكم عبدالرحمان ، وروى هو سابقا بدوره عن حاله أبي الحسن ابن عبدالله الباحي ، إبن الزبير ، نفس المصدر  ق . 4 ، ص . 166 ، ق . 5، = = ص.341، 382،387 .

[15] - ريبيرا ، نفس المرجع ، ص . 51 .

[16] - إبن الزبير ، نفس المصدر ، ق . 3 ، ص . 24 ، 147 ، 243 , ريبيرا ، نفس المرجع ، ص . 146 ـ 153 .

[17] - المقري ، نفس المصدر ،مج . 2 ، ص . 220 .

[18] - المقري ، نفس المصدر ، والمجلد ، والصفحة , ريبيرا ، نفس المرجع ، ص . 50

[19] - أنظر كتابه العلوم والآداب والفنون، ط،  (بالأوفسيط)، دار المغرب، الرباط، 1397/1977. ص . 20 ـ 21 ـ 23 ـ 24 .

[20] - راجع أعلاه ابن سعيد في حا 6

[21] - العمري ، أحمد بن يحيى بن فضل الله ، مسالك الأبصار في ممالك الأمصار ، ط . 1 ، تح . وتع . مصطفى أبو ضيف أحمد ، مطبعة النجاح الجديدة ، الدارالبيضاء ،1409/1988 ، ص . 132, المغراوي ، نفس المرجع ، ص 220

[22] - إبن عذاري ، أبوالعباس بن أحمد بن محمد المراكشي ، البيان المغرب ، ـ قسم الموحدين ـ ، ط . ا ، تح . محمد إبراهيم الكتابي وآخرين ، دار الغرب الإسلامي ، بيروت ،1406/1980ص 222 , المقري ، نفس المصدر ، ج . 1 ، ص .155, المغراوي ،  - نفس المرجع ، ص .217 ـ 224.

[23] - المراكشي ، نفس المصدر ، ص .238 ـ 293, ريبيرا ، نفس المرجع ، ص 219 ـ 221 , محمد عبد الله عنان ، دول الطوائف منذ قيامها حتى الفتح المرابطي ، ط . 2 ، القاهرة ،1339/1969، ص436.

[24] - إبن الزبير ، نفس المصدر ، ق .3   ص 166 ـ 167

[25] - المصدر السابق ، ق 5.  ، ص 410 ـ 411.

[26] - نفس المصدر ، ق 4. ، ص 32 ـ 33 ، 46 .

[27] - محمد حقي ، البربر في الأندلس : دراسة لتاريخ مجموعة إثنية من الفتح إلى سقوط الخلافة الأموية ، ط . 1 ، =

= الدار البيضاء ،1422/2001 ، ص 269 ـ 275 ، ولائحة المصادر التي اعتمدها .

[28] - المراكشي ، نفس المصدر ، ص 171 ـ 172 , مؤلف أندلسي ( ق .8 هـ ) ، كتاب الحلل الموشية ، ط ،

1 ، تح . سهيل زكار وعبدالقادر زمامة ، دار الرشاد الحديثة ، الدارالبيضاء ،1399/1979 ص .82 .

[29] - إبن الزبير ، نفس المصدر ، ق . 3 ،126 .

[30] - وقد ضم ذلك الوفد فضلا عن ابن العربي كبار المثقفين من فقهاء المدينة وشيوخها وهم : " الخطيب أبو عمرو بن الحاج ، الكاتب أبو بكر بن الجد ، أبو الحسن الهوزني ، أبو الحسن بن صاحب الصلاة ، أبو بكر بن شحرة ، ولد الباحي ، والهوزني ، محمد بن الزاهد ، محمد بن القاضي شريح ، عبدالعزيز الصدفي ، علي بن طالب ، علي بن السيد ، وغير هؤلاء " ، راجع عن بعثة الفقهاء الإشبيليين التي حلت بحاضرة مراكش لتقديم البيعة الرسمية للخليفة عبدالمؤمن ، ابن عذاري ، ( ق . الموحدين ) ، نفس المصدر ، ص 33 , سعيد أعراب ، مع القاضي أبي بكر ابن العربي ، ط . ا ، دار الغرب الإسلامي ، بيروت ،1407/1987 ، ص 18 ــ19

[31] - إبن الزبير ، نفس المصدر ، ق . 3 ص 126 ، ق 4، ص 12، 73 ،ق5 ، ص397، المغراوي ، نفس المرجع ، ص165 ،172، 218 .

[32] - ابن الزبير ، نفس المصدر ، ق .3، ص .124 ـ 125 ، 146 ، ق ، 5 ، ض .397 .

[33] - المراكشي ، نفس المصدر ، ص 46ـ47، عنان ، نفس المرجع ، ص 432 ـ 433 , حقي ، نفس المرجع ، ص 269, المغراوي نفس المرجع ، ص 174.

[34] - أنظر أعلاه حا 40.

[35] - ابن الزبير ، نفس المصدر ، ق . 5 ص 345 ـ346, ابن عبدالملك ، الذيل والتكملة ، س 1 ، ق . 1 ، ص . 407 ـ 408.

[36] - إبن الأبار ، نفس المصدر ، ج . 1 ، ص . 54 , ابن الزبير ، نفس المصدر ، ق . 3 ، ص . 136 ، 190 =

ق . 4 ص . 32 ـ 33 ، ق . 5 ، ص . 386 , ابن عبدالملك ، نفس المصدر ، س . 1 ، ق . 1 ، ص . 238 ـ 239 ، س 5 ، ق . 1 ، ص . 238 ـ 239 .

[37] - المراكشي ، نفس المصدر ، ص . 278 ـ 279 , ريبيرا ، نفس المرجع ، ص . 39 ـ 40 , عنان ، عصر المرابطين والموحدين في المغرب والأندلس ، ق . 1 ( عصر المرابطين ) ، ط . 1 ، القاهرة ، 1383/1964 ، ص . 459 ، ق . 2 ( عصر الموحدين ) ، ص . 646 , المغراوي ، نفس المرجع ، ص . 175 ـ 178 .

[38] - ابن الأبار ، نفس المصدر ، ج . 1 ، ص . 107 , ابن عبدالملك ، نفس المصدر ، س . 1 ، ق . 1 ، ص . 123 , عنان ، المرجع السابق ، ق . 2 ، ص . 715 .

[39] - مجموع رسائل موحدية ، نشر إ ـ ليفي ـ بروفنصال ، الرباط ، 1941 ، ص . 167 , إبن عذاري ، نفس المصدر ،

( ق . الموحدين ) ، ص . 156 , المغراوي ، نفس المرجع ، ص . 183 .

[40] - المغراوي ، نفس المرجع والصفحة .

[41] - المغراوي ، نفس المرجع ، ص . 184

[42] - المغراوي ، نفس المرجع ، ص . 333 ـ 334 .

[43] - آنخل كنثالث بلنثيا ، تاريخ الفكر الأندلسي ، نقله إلى العربية حسين مؤنس ، ط . 1 ، مكتبة النهضة المصرية ، القاهرة ، 1955 ، ص . 369 ـ 370 , عنان ، نفس المرجع ، ق . 1 ، ص . 307 , المغراوي ، نفس المرجع ، ص . 334 ، 335 ، 336 .

[44] - إبن الزبير ، نفس المصدر ، ق . 3 ، ص . 126 ، ق . 4 ، ص . 165 ـ 166 ، ق . 5 ، ص . 217 ، 410 ـ 411 , إبن سعيد ، نفس المصدر ، ج .  ، ص . 406 , إبن عبد الملك ، نفس المصدر ، س . 5 ، . 2 ، ص . 477 ـ 478 .

[45] - ابن الزبير ، نفس المصدر ، ق . 4 ، ص . 32 ـ 34 , العباس بن ابرهيم ، الإعلام بمن حل مراكش وأغمات من الأعلام ، ج . 8 ، تح . عبدالوهاب بن منصور ، المطبعة الملكية ، الرباط ، 1976 ، ص . 473 ـ 476

[46] - يعلى ، دراسة ثلاثة نصوص ، نفس المصدر ، ص . 51 , المغراوي ، نفس المرجع ، ص  334 .

[47] - إبن الزبير ، نفس المصدر ، ص ، ق . 5 ، ص . 418 ـ 419 , أبو العباس الالغبريني ، عنوان الدراية ، ط . 2 ، منشورات دار الآفاق الجديدة ، بيروت 1997 ، ص . 156 , أرسلان ، نفس المرجع ، ج . 3 ، ص . 514 528 .

[48] - المغراوي نفس المرجع ، ص . 339 .

[49] - المرجع السابق ص . 327 .

[50] - إبن الزبير ، نفس المصدر ، ق . 4 ، ص . 32 .

[51] - المصدر السابق ، ق . 3 ، ص . 24 ، 147 ، ق . 5 ، ص . 261 ـ 262 .

[52] - أبوبكر بن علي الصنهاجي المكنى بالبيذق ، أخبار المهدي بن تومرت ، دار المنصور للطباعة والوراقة ، الرباط ، 1971 ، ص . 27 حا . 32 , المراكشي نفس المصدر ، 185 ، 238 ـ 239 , ريبيرا ، نفس المرجع ، ص . 86 ـ 88 .

[53] - المراكشي ، المصدر السابق ، ص . 237 ـ 243 .

[54] - ابن عبدالملك ، نفس المصدر ، س . 1 ، ق .  ، ص . 28 ـ 32 .

[55] - المصدر السابق ، س . 1 ق . 1 ، ص . 30 وحا 4 ـ 32 .

[56] - المراكشي ، المصدر السابق ، ص . 240 .

[57] - إبن الزبير ، نفس المصدر ، ق . 5 ، ص . 384 .

[58] - المصدر السابق ، ق . 3 ، ص 14 ، 30 ، 37 ، 40 ـ 41 ، 80 ـ 81 ، 121 ، 126 ، 129 ، 132 ، 150 ـ 151 ، 259 ، 261، ق . 4 ، ص . 4 ـ 5 ، 126 ـ 127 ، 147 ـ 148 ، 180 ، 187 ، ق . 5 ، ص . 375 ، 378 ، 386 ، 394 ، 395 ، 408 ، 420.

[59] - نفس المصدر ، ق . 3 ، ص . 68 ـ 69 ، 121 ، 132 ـ 133 ، 135 ، 161 ، 182 ، ق . 4 ، ص . 12 ، 17 ، 46 ، 58  59 ، 86 ، 232 ، ق 5 239 ، 387 , نعمة الله ومليحة ، نفس المرجع ، ص . 75 ، 190 ـ 191 .

[60] - الضبي ، أحمد بن يحيى ، بغية الملتمس في تاريخ رجال الأندلس ، تح ، روحية عبدالرحمان السويفي ، ط . 1 ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، 1417/1997 ، ص . 80 , إبن سعيد ، نفس المصدر ، ج . 1 ، ص . 254 ـ 255 ,

[61] - نفس المرجع ، ص . 121 ـ 172 .

[62] - إبن الأبار ، نفس المصدر ، ج . 1 ، ص . 162 , عنان ، نفس المرجع ، ج . 1 ، ص . 459 .

[63] - إبن الزبير ، نفس المصدر ، ق . 5 ص . 396 ـ 397 .

[64] - عنان ، نفس المرجع ، ق . 2 ، ص . 659 .

[65] - المغراوي نفس المرجع ، ص . 172

[66] - ابن الزبير ، نفس المصدر ، ق . 4 ص . 4 ـ 5 .

[67] - المغراوي ، نفس المرجع ، ص . 346 ـ 347 .

[68] - إبن الأبار ، نفس المصدر ، ج . 1 ، ص 363 ـ 364 .

[69] - التازي ، مقدمة تح . المن بالإمامة لابن صاحب الصلاة ، نفس المصدر ، ص . 13 .

[70] - ابن الزبير نفس المصدر ، ق . 5 ، ص . 338 ـ 339 .

[71] - إبن عبدالملك ، نفس المصدر ، س . 1 ، ق . 1 ، ص . 390 ـ 391

[72] - إبن الزبير ، نفس المصدر ، ق . 5 ، ص . 362 ـ 363 .

[73] - عبدالعلي الودغيري ، " كتاب السماء والعالم " ، المناهل ، ( رجب 1397 / يوليوز 1977 ) ، ص . 236 .

[74] - إبنالزبير ، نفس المصدر ، ق . 3 ، ص . 250 ـ 251 .

[75] - نفس المصدر والقسم ، ص . 117 .

[76] - المنوني ، مصادر تاريخ المغرب ، ج . 1 ، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية ، الرباط ، مؤسسة بنشرة ، الدارالبيضاء ، 1404/1983 ، ص.58

[77] - عنان ، نفس المرجع ، ق . 1 ، ص . 439 .

[78] - أبوالحسن علي ابن بسام الشنتريني ، الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة ، ق . 2 ، مج . 1 ، تح . إحسان عباس ، الدارالعربية للكتاب ، ليبيا ـ بيروت ، 1398/1978 ، ص . 239 , عنان ، نفس المرجع والقسم ، ص . 440 .

[79] - إبن بسام ، نفس المصدر والقسم والمجلد ، ص . 285 ـ 322 , ابن سعيد ، نفس المصدر ، ج . 1 ، ص . 341 , محمود علي مكي ، " وثائق تاريخية جديدة عن المرابطين " ، صحيفة معهد الدراسات الإسلامية ، مج . 7 ـ 8 ، مدريد ، ( 1959/1960 ) ، ص . 116 , أحمد حسن محمود ، قيام دولة المرابطين ، القاهرة ، 1957 ، ص . 334 ـ 335 .

[80] - مكي ، نفس المرجع ، ص . 117 ـ 118 , محمود ، نفس المرجع والصفحتين .

[81] - إبن الزبير ، نفس المصدر ، ق . 5 ، ص . 354 .

[82] - المصدر السابق ، ق . 5 ، ص . 394

[83] - المصدر والقسم السابقين ، ص . 370 ـ 371 .

[84] - المصدر السابق ، ق . 4 ، ص 75 ـ 76 .

[85] - الودغيري ، نفس المرجع ، ص . 237 .

[86] - المنوفي ، نفس المرجع ، ج . 1 ، ص . 36 .

[87] - المراكشي نفس ، المصدر ، ص . 242 ـ 243 , إبن سعيد ، نفس المصدر ، ج . 1 ، ص . 104 ـ 105 .

[88] - المراكشي ، نفس المصدر ، ص . 238 .

[89] - إبن بسام ، نفس المصدر ، ق . 2 ، مج . 1 ، ص . 218 ـ 220 , ابن سعيد نفس المصدر ، ج . 1 ، ص . 265 , الخطابي ، الطب والأطباء ، نفس المرجع ، ج . 1 ، ص . 22 ـ 23 ، 275 ـ 317 , نعمة الله ومليحة ، نفس المرجع ، ص . 65 , وانظر مقدمة المحققة لكتاب الأغذية ، لابن زهر ، نفس المصدر ، ص . 11 ـ 15 .

[90] - إبن الأبار ، نفس المصدر، ج . 1 ، ص . 267 ـ 269 , نعمة الله ومليحة ، نفس المرجع ، ص . 65 .

[91] - نعمة الله ومليحة ، نفس المرجع ، ص . 48 ـ 49 .

[92] - انظر كتابه المغرب ، نفس المصدر ، ج . 1 ، ص . 256 ـ 257 , نعمة الله ومليحة ، نفس المرجع ، ص . 96 .

[93] - إبن سعيد ، نفس المصدر ، ج . 1 ، ص . 258 .

[94] - راجع الطب والأطباء ، نفس المرجع ، ص . 60 ـ 64 ، 68 ـ 73 .

[95] - إبن الأبار ، نفس المصدر ، ج . 1 ، ص . 107 , إبن عبدالملك ، نفس المصدر ، س . 1 ، ق . 2 ، ص . 487 ـ 518 , العبادي ، نفس المرجع ، ص . 102  , الخطابي ، الأغذية والأدوية عند مؤلفي الغرب الإسلامي ، ط . 1 ، دارالغرب الإسلامي ، بيروت ، 1990 ، ص . 27 , نعمة الله ومليحة ، نفس المرجع ، ص . 75 .

[96] - عنان ، نفس المرجع ، ص . 474 .

[97] - بالنثيا ، نفس المرجع ، ص . 476 , الخطابي ، مقدمة تح . عمدة الطبيب ، نفس المصدر ، ق . 1 ، ص . 24 .

[98] - إبن صاحب الصلاة ، نفس المصدر ، ص . 464 ـ 469 ، 474 حا . 3 ـ 479 .

[99] - أنظر على سبيل المثال لا الحصر : إبن بسام ، الذخيرة , إبن الأبار ، التكملة , إبن الزبير ، صلة الصلة , إبن عبدالملك ، الذيل والتكملة , إبن سعيد ، المغرب , المقري ، نفح الطيبب .

[100] - إبن صاحب الصلاة ، نفس المصدر ، ص . 155 ـ 159 ، 168 ـ 170 , عنان ، نفس المرجع ، ص . 554

[101] -  إبن بسام ، نفس المصدر ، ق . 2 ، مج . 1 ، ص . 471 ومايليها .

[102] - إبنعبدالملك ، نفس المصدر ، س . 1 ، ق . 1 ، ص . 407 ـ 408 .

[103] - ابن سعيد ، نفس المصدر ، ج . 1 ، ص ، 262 .

[104] - المصدر السابق ، ج . 1 ، ص . 268 .

[105] - نفسهما ، ص . 269.

[106] - عباس الجيراري ، " أثر الأندلس على أروبا في مجال النغم والإيقاع " ، عالم الفكر ، مج . 12 ، ع . 1 ، الكويت ، ( 1981) ، ص . 40 .

[107] - إبن سعيد ، نفس المصدر ، ج . 1 ، ص . 271 حا . 1 , شعبان عبدالغني ، " الموسيقى العربية وموقعها من الموسيقى العالمية " ، عالم الفكر ، مج . 6 ، ع . 1 ، الكويت ، ( 1975) ، ص . 181 .

[108] - ةإبن سعيد ، نفس المصدر ، ج . 1 ، ص . 283 .

[109] - نفس المصدر والجزء ، ص . 283 .

[110] - نفس المصدر والجزء والصفحة .

[111] - المقري ، نفس المصدر ، ج . 2 ، ص . 631 .

[112] - المراكشي ، نفس المصدر ، ص . 172 , ريبيرا ، نفس المرجع ، ص . 32 ـ 35.

[113] -  إبن الزبير ، نفس المصدر ، ق . 4 ، ص . 4 ـ 5 .

[114]- نفس المصدروالقسم ، ص . 211 .