gototopgototop

مذكرات الأمير عبد الله الزيري

تعتبر هذه المذكرات من الأعمال النادرة داخل خريطة التراث العربي بعامة والتراث الأندلسي بخاصة، فهي لون كلاسيكي للسيرة الذاتية، وكما وصفها محققها المستشرق الفرنسي ليفي بروفنسال: "هي وثيقة نفسية من الدرجة الأولى، وبهذا تدخل من باب الأدب الروائي كسيرة ذاتية لدولة ولملك، ولنفس هذا السبب تدخل من باب التاريخ كما فهمه ابن خلدون، ولعل ابن خلدون قد استفاد منها في وصف قيام الدولة وموتها".

الاسم الذي أعطاه الأمير عبدالله لمذكراته  هو "التبيان عن الحادثة الكائنة بدولة بني زيري في غرناطة". ومعناه حسب اللهجة الأندلسية الكشف عن الكارثة التي حلت بالدولة من خلعه واستيلاء المرابطين عليها. وكان سقوط هذه الدولة بداية لسلسلة من تساقط دول الطوائف.

والأمير عبد الله المذكور ولد سنة 447 هـ (1056 م)، وكان حفيداً لباديس، وابنا أصغر لولي العهد بلقين الذي مات مسموماً في سن الخامسة والعشرين، فعينه جده في 456هـ (1064م) دون أخيه الأكبر تميم المعز ولياً لعهده لسوء سلوك ذلك الأخ الكبير، وعند موت الجد باديس ـ وكان ملكاً قديراً مرهوب الجانب وطد مملكته واتسع بها وحقق كثيراً من الانتصارات على ملوك الطوائف المجاورين ـ تولى الملك في سن مبكرة (21 عاماً)، وكان ذلك في 469هـ (1077 م)، وبمعاونة وزراء جده سارت أمور المملكة كما يقصها علينا في مذكراته التي كتبها بعد خلعه من عرشه ونفيه إلى مدينة أغمات. وقد أمكنه مصالحة المرابطين للرابطة البربرية بينه وبينهم، ولو أخطأ في حقهم في مذكراته ولو بذكر بعض الحقائق عما ارتكبوه في حقه وحق ملوك الطوائف لنكلوا به شر تنكيل، لذا لابد أن يعتريه الخوف من فعل الكتابة، وحتى يشجع نفسه يبدأ كتابه بالكلام عن فن الكتابة، لكن ماذا يقول؟ يقول: "والكلام إذا خرج من القلب وقع في القلب، ولا خير في رام رعش، ولا متكلم هائب، فإن الهيبة فرع من المخافة، والمخافة فرع من الحذر، ومن حذر فقد عقله، ومن خاف تكدر عيشه، ولا تصح المخافة مع هذه قريحة ينطق عنها اللسان، ويذكى بها الجنان، فالنفس إذا منعت ما تشتهي، ترى مختلطة، وتصير كأنها بطوارق الخبل مختبطة". أشعر مع هذا النص أنني أمام مقولة فريدة لا نظير لها على حد علمي في الآداب القديمة والوسيطة على كثرة ما كان يتعرض له الكتاب من فزع وإفزاع، لكن ما يعنينا هنا هو محاولة الكاتب دفع الخوف الأكيد، الذي كان يملأ جوانب نفسه عندما جلس يكتب مدونا مذكراته. إنه طوال المذكرات يحدثنا عن أنواع المخافات ـ على حد تعبيره ـ التي عاناها في حياته.

والخوف الأكبر كان خوفه على عرشه، ولعل هذه المذكرات تمثل وثيقة خطيرة تكشف أسباب التعاسة التي عاشها أولئك الملوك. إنهم يعيشون في بلاطات تعوم في بحيرة من الفساد والمؤامرات، وكل صغيرة وكبيرة تتحول إلى مشكلة، وها هو ذا يتحدث عن نصائحه: "وكان أهل دولتنا على جهالة في هذه الأمور؛ إن كل أحد منهم يريد أن يعمل برأيه، وأن تجري الأمور على هواه؛ فإن لم يتفق ذلك له صار من الأعداء، ولو كان على مرغوبهم ما اتفق لرئيس عمل، ولا تم له شيء، وكانوا قبل أيامنا قد شغلهم الخوف من صولة رؤسائهم (فكانوا) يرون السلامة غنيمة، ولما تم لهم في أيامنا الأمن ... أدركهم الأشر والبطر، إلى أن تطمع أنفسهم لغير ذلك، وكنا نظن أن بالأمن نسلم من اللائمة والعداوة، وخاننا القياس".

هذا الخوف على الكرسي الملكي يجعله متردداً في أمور لا تقبل التردد، فها هي مرسية تعرض عليه الانضمام لمملكته، فتعتريه المخاوف فيرفض:" ... وليت لو سلمنا من هذا كله! أنه من أمل أن يبقى بلده بيده، فقد شره إلى (طمع في) كثير، فكيف لفضول العمل الذي كنت أرى وأميز؟"، ومع ذلك يرسل إليهم بعد ذلك من يفاوضهم في الأمر لما تحققت بعض مخاوفه التي حاول تجنبها بالرفض ... إنها مأساة حقيقية ـ الاحتفاظ بملكه ـ حتى إن الأمل في ذلك طمع في الكثير، وليس حقاً مشروعاً ينبغي أن يكون. لن نسرف في ضرب الأمثلة فقد حصن غرناطة حتى كادت القلاع تتلاصق، ثم دفعه الخوف للخروج منها وتسليم نفسه لأمير المسلمين يوسف بن تاشفين، عندما وازن بين خوفين: الخوف على حياته من خطر رآه محققاً، ومن خطر العرش، فاختار الحياة تاركاً وراءه ما قضى عمره يدافع عنه.

 

مذكرات الأمير عبد الله آخر ملوك بني زيري بغرناطة،

نشر وتحقيق ليفي بروفنسال،

تقديم سلمان العطار،

دار المعارف، القاهرة،  الطبعة الثانية 2008