gototopgototop

حكاية ولادة و ابن زيدون

ولد أبو الوليد أحمد بن زيدون المخزومي بقرطبة سنة 394هـ/1003م. يعد من أهم شعراء الأندلس في عصره. تمتع بمكانة عالية في المجتمع القرطبي بفضل ما أنفق في تعليمه من عناية، وما وهبه الله من ملكة طيبة. وقد تجلّت شاعريته وسنه تقارب العشرين، ذلك أنه عندما توفي القاضي الفقيه ابن ذكوان، ألقى على قبره مرثية بليغة.

ثم لم تلبث العلائق أن اتصلت بينه وبين ولاّدة، وكانت سليلة بيت ملك إذ أنها بنت الخليفة الأموي محمد بن عبيد الله بن الناصر لدين الله الملقب بالمستكفي بالله، فلما مات أبوها نزعت عن الحريم وخرجت إلى مجامع الأدباء و العلماء. ويذكر ابن بسام أن ولاَّدة: "كانت في نساء أهل زمنها واحدة أقرانها، حضور شاهد، وحرارة أوابد، وحسن منظر ومخبر، وحلاوة مورد ومصدر. وكان مجلسها بقرطبة لأحرار المصر، فِنَاؤُها ملعبًا لجياد النظم والنثر، يعشو أهل الأدب إلى ضوء غربتها، ويتهالك أفراد الشعراء والكتاب على حلاوة عشرتها، على سهولة حجابها، وكثرة منتابها. تخلط ذلك بعلو نصاب، وكرم أنساب، وطهارة أثواب. على أنها ـ سمح الله لها وتغمد زللها- اطّرحت التحصيل، وأوجدت إلى القول فيها السبيل، بقلة مبالاتها، ومجاهرتها بلذاتها".غير أن المقري يقول - بعد أن يروي هذه الفقرة- أنها ‹‹كانت مع ذلك مشهورة بالصيانة والعفاف››،  وهذا الكلام يناقض ما نعرفه في بعض ما بقي من شعر ولادة من فحش وقلة توقر.

توثقت العلاقات بينها وبين ابن زيدون، فكتبت إليه ذات مرة مجيبة إياه إلى اللقاء بعد طول إلحاحه:

ترقـّب إذا جــنّ الـظـلام زيارتــي              فإنّي رأيــت الليل أكـتـم للـســرِّ

وَبي منك ما لو كانَ بالشمسِ لم تلح       وبالبدر لم يطلع وَبالنجم لم يسرِ

 

بيد أن السر لم يلبث أن  ذاع أمره، و أحس الحبيبان أن هواهما في خطر. ثم إن ابن زيدون ‹‹ترك غصناً مثمراً بجماله وجنح لغصن لم يثمر››، كما يقول ابن بسام )مشيرًا إلى تعلق ابن زيدون بجارية سوداء لولادة(، فبدأ قلب ولادة يتحول عن ابن زيدون. و لقيت في ذلك الحين أبا عامر بن عبدوس، وكان كلفاً بها يطمع في أن يظفر بودها، غير أنه كان رجلاً جاهلاً لا ذكاء فيه ولا علم عنده، وكان إلى جانب ذلك مغترّاً بنفسه يحاول جهده أن يغطي جهله بماله العريض، وقد استطاع بفضل هذا المال أن يصبح من وزراء أبي الحزم بن جهور، الذي استبد بأمور قرطبة خلال فترة الاضطراب السياسي التي تلت سقوط الخلافة.  واجتذب ولادة ناحيته، فثارت حفيظة ابن زيدون، وجعل دأبه السخر من أبي عامر بن عبدوس، وكتب إليه خطاباً على لسان ولادة أفرغ فيه تبحره الواسع في الأدب وتمكنه من اللغة، فاشتهر أمر هذه الرسالة في قرطبة وتناقلها الناس من ذلك الحين واعتبروها غرة من أروع غرر الأدب العربي، بدأها بقوله: ‹‹أما بعد، أيها المصاب بعقله، المورّط بجهله، البين سقطه، الفاحش غلطه، العائر في ذيل اغتراره، الأعمى عن شمس نهاره، الساقط سقوط الذباب على الشراب، المتهافت تهافت الفراش في الشهاب، فإن العُجْب أكذب، ومعرفة المرء نفسه أصوب، وإنك راسلتني مستهدياً من صلتي ما صَفِرتَ منه أيدي أمثالك، متصدياً من خُلتي لما قُرعت دونه أنوف أشكالك، مرسلاً خليلك مرتادة، مستعملاً عشيقتك قوادة، كاذباً على نفسك أنك ستنزل عنها إلي، و تَخْلفُ بعدها علي".

وقد أفحش ابن زيدون في هجاء ابن عبدوس في هذه الرسالة، إلى درجة نفّرت ولادة من شاعرنا وجعلتها تبدله من المحبة بغضاً شديداً. ولم يزل ابن عبدوس يدبر له ويثير عليه خصومه؛ حتى جعلهم يدبرون له تهمة تبديد أموال كان قد اؤتمن عليها، فزج به في السجن، وجعل يرسل رسائل الاستعطاف من محبسه إلى أبي الحزم بن جهور وابنه أبي الوليد - وكان هذا لاخير صديقًاً للشاعر- فلم يسعفه واحد منهما، فمضى يكتب إلى أصحابه دون جدوى؛ ولم ينسَ مع ذلك ولادة. فلما تقاعس الناس كلهم عن إسعافه تبين له كما قال: ‹‹أن العاجز من لا يستبد، والمرء يعجز لا المحالة،  ولم أستجِز أن أكون ثالث الاذلّين: العبر والوتد، وذكرت أن القرار من الظلم والهرب مما لا يطاق من سنن المسلمين››، ومن ثم قرر الهرب، ودبر حيلة أفلت بها من المحبس، وربما كان أبو الوليد بن جهور قد أعانه على ذلك.

قضى ابن زيدون بعد هربه فترة من الزمن شريداً في أحواز قرطبة، مؤملاً أن يستطيع رؤية ولادة، ثم أرسل إليها ‹‹بنونيته›› المشهورة يتشوق فيها إليها ويدعوها إلى اللحاق به. وقد قال فيها المستعرب الإسباني الكبير غرسية غومس: ‹‹إنها أجمل قصيدة حب نظمها الأندلسيون المسلمون، وغرة من أبدع غرر الأدب العربي كله". وهذا مطلع القصيدة:

أَضْحَى التَّنَائِـي بَدِيْـلاً مِـنْ تَدانِيْنـا        وَنَا بَ عَـنْ طِيْـبِ لُقْيَانَـا تَجَافِيْنَـا
ألا وقد حانَ صُبـح البَيْـنِ صَبَّحنـا           حِيـنٌ فقـام بنـا للحِيـن ناعِيـنـا
مَـن مُبلـغ المُبْلِسينـا بانتزاحِـهـم         حُزناً مع الدهـر لا يَبلـى ويُبلينـا

 

لم تجبه ولاده إلى ما طلب، فمضى ‹‹يستضيء بنور الليل البهيم››، كما يقول ابن خاقان. ثم شفع له أبو الوليد بن جهور عند أبيه حتى عفا عنه، فعاد إلى قرطبة ومضى يقرض المدائح في أبي الحزم بن جهور وآله، تحدث في بعضها بما فعله أبو الحزم من تحريمه الخمر في قرطبة وأمره بكسر أوانيها. وعندما توفي أبو الحزم،  قال فيه طائفة من المراثي، ورثى كذلك زوجة أبي الحزم التي توفيت بعده بقليل.

أما ولادة فليس لدينا من اخبارها ما يدل على أنه كانت لها بعد ذلك صلة بابن زيدون، ويبدو أنها انزوت عن الناس مقتصرة على صلتها بابن عبدوس، حتى أدركتها المنية في سن عالية. أما ابن زيدون فقد دخل بعد ذلك في خدمة أبي الوليد بن جهور، الذي خلف أباه في حكم قرطبة؛ وقد بعثه في سفارات إلى ملوك طوائف الأندلس، حيث  ذهب إلى مالقا وبلنسية وبطليوس، واستقر به المطاف آخر الأمر في إشبيلية؛ حيث وجد الميدان فسيحًا لمطامحه، إذ أحسن المعتضد بن عباد لقاءه أملاً في الانتفاع به. وقال فيه ابن زيدون قصيدة من روائع شعره، وبلغ من إقبال المعتضد على ابن زيدون أن جعله وزيرًا له. وكان المعتضد مجتهدًا في القضاء على جيرانه من ملوك الطوائف؛ حيث استولى على بلادهم واحدة تلو الأخرى، وسمت همته إلى توحيد بلاد المسلمين في الأندلس تحت رايته، وتشبه بأمراء المشرق في تقدير الشعر وإعلاء شأن أهله. وقد أشاد ابن زيدون بالأعمال الحربية التي قام بها المعتضد، خلال فترة اجتهاده في توسيع رقعة مملكة أشبيلية.

وعندما توفي المعتضد، استطاع أبن زيدون أن يحتل مع ابنه المعتمد نفس المكانه التي كانت له عند أبيه، وصار من خاصته وأصحابه، يجالسه في خلواته، ويفسرُ له في مهم رسائله على حال من التوسعة، وقد بلغ تلك المكانة على الرغم مما كان يحاك ضده من دسائس الحاسدين له من حاشية المعتمد. وكان المعتمد قد انتقل إلى قرطبة بعد استيلائه عليها، فاصطحب معه ابن زيدون، الذي عاد إلى بلده وأهله وعلت مكانته عند ابن عباد، فزاد حسد الحاسدين له. وحدث بعد ذلك أن وقعت فتنة بإشبيلية، بسبب رجل يهودي بطش به مسلم، فثأر أهل ملته وتفاقم الأمر، فعجَّل المعتمد بإرسال نفر من كبار رجال دولته إلى إشبيلية لتلافي الفتنة، وأوفذ معهم ابن زيدون الذي كان قد بدأه المرض، ولما وصل إشبيلية اشتد به الداء، وقضى نحبه في 15 رجب 463هـ /17 أبريل 1070م.

نقلاً عن تارخ الفكر الأندلسي (بتصرف)

تأليف: آنخل جنثالث بالنثيا، ترجمة حسين مؤنس

منشورات مكتبة الثقافة الدينية، الطبعة الثانية، 2008.