كلمة صاحب السمو الملكي الأمير عبدالعزيز بن فهد بن عبدالعزيز   حفظه الله

الرئيس الشرفي لمركز دراسات الأندلس وحوار الحضارات

mot-andalusiteبسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:

(وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون) (التوبة : 105)

بعد سلسلة الإنجازات التي حققها مركز دراسات الأندلس وحوار الحضارات في حقل الدراسات الأندلسية والتي سمحت بالتعريف بهذا التراث المتميز في البلدان العربية كما في الغرب، من خلال مجموعة من الإصدارات والنشرات والمؤتمرات والندوات والمهرجانات الدولية التي نظمها المركز بالتعاون مع مؤسسات علمية رفيعة في الغرب مثل معهد العالم العربي بباريس، وجامعات قرطبة وغرناطة ومالقا وإشبيلة في إسبانيا، والمؤسسة الأوروبية العربية بغرناطة، والتي هدفت جميعها إلى تدعيم الدراسات الأندلسية وإخراجها من الدوائر الأكاديمية إلى الجمهور العريض.

وبعد كل هذه الأنشطة فإن مركز دراسات الأندلس يقدم اليوم على خطوة جديدة في مشروعه الرامي للتعريف بالحضارة الأندلسية وتتمثل في تجديد وتطوير موقعه الإلكتروني الذي يتضمن موضوعات تعرف الجمهور الواسع بهذا التراث كما تتضمن مواد علمية موجهة للباحثين المتخصصين مثل التعريف بالمخطوطات ومصادر التراث الأندلسي.

هذا ولقد تم تأسيس مركز دراسات الأندلس وحوار الحضارات سنة (1420هـ)، (2000م) بالرباط في المملكة المغربية الشقيقة بمبادرة من مجموعة من الأكاديميين والمثقفين السعوديين والمغاربة، ولقد حظيت هذه المبادرة عند تأسيسها بشرف الرعاية السامية  لوالدنا  الملك فهد بن عبد العزيز – رحمه الله-  ورعاية جلالة الملك محمد السادس نصره الله، كما حظيت بعد ذلك برعاية الملك عبدالله بن عبد العزيز – رحمه الله-، وتحظى اليوم برعاية خاصة من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز- أيده الله-. ويطيب لي بهذه المناسبة أن أتوجه بالشكر لجلالة الملك محمد السادس على توجيهه الكريم لوزارة الثقافة المغربية بتوقيع اتفاقية المقر مع مركز  دراسات الأندلس وحوار الحضارات في الرباط.

إن الحضارة العربية الإسلامية في مضامينها الدينية والفكرية والمعمارية والاقتصادية والإدارية قد أسهمت بدور كبير في التأثير على حياة الناس منذ نشوئها وخلال فترة انتشارها الطويل  في أرجاء واسعة من الأرض، فلقد تركت هذه الحضارة بصمات كبيرة على تطور الحياة الإنسانية جمعاء في مجالات وحقول عديدة.

ولقد تركزت أماكن انبعاث الحضارة الإسلامية التي انطلقت من المدينة المنورة في كل من دمشق وبغداد والأندلس، كما وجدت بعض ومضاتها المشعة في بخارى وسمرقند وأصفهان وغيرها من المدن والأمصار الإسلامية. ومن بين جميع مناطق الحضارة العربية الإسلامية تتميز حضارة الأندلس على وجه الخصوص بسمات فريدة. فمازالت بعض آثار فنها المعماري باقية حتى الوقت الحاضر، فهذا مسجد قرطبة وكذلك قصر الحمراء في غرناطة (اللذان يعتبران تحفة معمارية عالمية فريدة) يقفان اليوم شاهدين على روعة وجمال وعظمة الهندسة المعمارية الإسلامية في الأندلس. وتتميز حضارة الأندلس أيضاً بعلومها وفكرها الراقي وتبنيها لمبدأ الحوار والتعايش والتسامح بين الناس.

وحيث تبرز اليوم ضرورة الاهتمام بإبراز حقيقة وجوهر الحضارة الإسلامية في التاريخ الإنساني وتوضيح جميع جوانبها ومضامينها المضيئة للمسلمين وغير المسلمين، وفي ضوء تطورات هذه المرحلة التاريخية التي تشهد حملة في الغرب تسعى لتشويه صورة الإسلام وتتهمه بالتطرف والعنف، متجاهلة دعوته للسلام والتعايش ومستغلة لمواقف بعض الحركات والجماعات المتشددة التي تدعِّي الإسلام والتي تدعو إلى الصدام  مع الغرب، وانطلاقا من اهتمامنا الديني بتوضيح وإبراز دعوة الإسلام إلى الحوار والتعايش والتسامح والتي تتضح في قوله تعالى (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم)، ” الحجرات 13″، كما تتضح في منهج اللين الذي اتبعه الرسول صلى الله عليه وسلم في نشر دعوته أول البعثة في أهل مكة وذلك عملاً بقول الله تعالى (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن)، “النحل 125″. كما عرف عن الرسول الكريم رفضه للعنف ودعوته للتسامح فلقد ورد في صحيح البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة)، وكذلك فلقد رفض رسول الله العنصرية بكل أشكالها، وجاء في الحديث الصحيح عند البيهقي (صححه الألباني)، عن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (ألا لا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأحمر على أسود ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى إن أكرمكم عند الله أتقاكم).

وفي ضوء هذا المنهج الديني العظيم فلقد حرصنا على تدعيم الأنشطة والمبادرات التي تهدف وتسعى إلى توضيح حقيقة الإسلام وتصحيح الصورة الخاطئة عنه عند غير المسلمين، واهتممنا بإبراز معالم الحضارة الإسلامية بالأندلس، ودعم مركز دراسات الأندلس وحوار الحضارات الذي تسعى جميع أنشطته إلى رفض ومواجهة الدعوة لصدام الحضارات وإبراز جوهر وحقيقة الحضارة الإسلامية الأندلسية المضيئة والسباقة في التاريخ الإنساني لوضع أسس التعايش والتسامح والحوار بين أهل الأديان والحضارات.

والله ولي العون والتوفيق.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

عبد العزيز بن فهد بن عبد العزيز

الرئيس الشرفي لمركز دراسات الأندلس وحوار الحضارات