قال الغساني: “وجل بقية هؤلاء المتنصرة الذين بأندوخر يعد من أكابر أهل البلد، غير أنه لا يعد عند النصارى مثل ما لهم من الكبيرة التي يتوارثها النصارى خلفاً عن سلف مثل الدوك أو القند وما شبههما، وأكثر ما يحصل لهم اليوم من الكبيرة أن يكون من نسل هؤلاء القوم الذين تنصروا إن يرث عمل الصليب على كتفه يرقمه في ثوبه المتدثر به فتلك علامة الأكابر منهم. والخطط التي يتوالونها (كذا) بقايا هذا الجنس المذكور هي الكتابة وحكومة البلدان والشرطة وغيرها مما ليست له وجاهة كبيرة (وولاية شنيعة مثل التصرف في المحال والولاية للأقاليم الكبيرة) أو المدن القواعد مثل إشبيلية وما شكلها. وعلى كل حال فهم في هذه النواحي كثيرون لا يحصون، فمنهم من ينتسب ومنهم من لا ينتسب ومنهم من ينفر من سماعه الانتساب ذلك، والذي ينفر من هذه النسبة ويتأبى عنها ينتسب إلى جبال نبارى، وهي جبال بعيدة من قشتالة كان انجاز إليها من بقي من النصارى ساعة تغلب المسلمين على العدوة، ويتفاخرون بالانتساب إلى تلك الجبال وما والاها، والذين بيدهم ولاية أو خطة من الخطط المخزنية من أهل هذا الجنس لا ينفرون من الانتساب”.

   “فلقد لقيتُ يوماً بمدينة مادريد رجلا نسيت اسمه، وكان راكبا في كدش له، ومعه جماعة من النساء صغاراً وكباراً لهم (كذا) حسب وجَمال، فوقف وسلم سلاماً كثيرا وأظهر هو ومن معه من النساء بشراً وترحيباً فقابلناه بما يجب، وحين أراد الانصراف عرف بنفسه بأن قال: نحن من جنس المسلمين من نسل أولاد السراج. فسألت عنه بعد ذلك فقيل لي أنه من كتاب الديوان، وهو الذي يقرأ ما يحصل بالديوان من رقاع وعرض حال وشبهه. وكذلك كانت جماعة من أهل غرناطة، لهم بغرناطة ولايات وأحكام وسكانهم بمدينة مادريد ترد علينا صحبة دون ألونصو الذي هو من عقب ملك غرناطة، وينتسبون إلى الجنس الذي كان بغرناطة وغلب عليهم الشقاء والعياذ بالله. ولقد كانوا يسألون عن دين الإسلام وعن أشياء منه، فحين يستمعون ما نجيبهم به عنه من الديانات أحكام الطهارة التي بني الإسلام عليها وغير ذلك، يعجبهم ما يسمعون وينصتون إليه ويشكرونه بمحضر النصارى ولا يعبأون بمن حضر. ولا يزالوا مدة إقامتنا (بمدينة) مادريد يكثرون التردد لدينا ويردون علينا المرة بعد المرة ويظهرون من المحبة والتحنن شيئا كثيرا، نسأل الله أن يهديهم إلى الصراط المستقيم ويرشدهم إلى الدين القويم”.

رحلة الوزير في افتكاك الأسير (سفير مغربي في مدريد في نهاية القرن السابع عشر، محمد بن عبد الوهاب الغساني)، تحقيق وتقديم عبد الرحيم بنحادة، منشورات معهد الأبحاث في لغات وثقافات آسيا وأفريقيا، طوكيو2005 .