لما أدرك الموريسكيون أن قضية التنصير أصبحت واقعاً لا محيد عنه، قدموا الطلب الآتي للإمبراطور “شارل كانت” سنة 1530: “بعد تقديم الولاء والإخلاص لجلالتكم نعلمكم بأننا سندخل في النصرانية ونرجو أن لا تمس محاكم التفتيش أملاكنا وأنفسنا في ظرف أربعين سنة، وفي ظرف أربعين سنة أخرى لا نجبر على تغيير الزي الإسلامي ولا اللغة، وفي الأماكن التي يوجد بها نصارى قدماء وجدد، يجعل للجدد مقبرة خاصة بهم وتبقى عادات إقامة حفلات الزفاف كما هي مدة أربعين سنة، ففي أيام جماعات الجرمان بصفتنا “موروس” قد قدمنا خدمات لصاحب الجلالة وأرقنا دماءنا في سبيل قضيته”.

وهكذا نرى أن المسلمين المتنصرين وكانوا يسمون “بالنصارى الجدد” تمييزا لهم عن النصارى القدماء أو الأصليين يتخبطون عقبات ويقاسون ألوانا من العذاب كما أنهم في بعض الأحيان كانت تمنح لهم كل أنواع الحريات، لكن حسب الظروف والأحوال التي تقتضيها مصلحة الحاكمين، فلقد عوملوا بالقسوة وبالتسامح أيام فرناندو وإزابيل، وعوملوا بنفس المعاملة أيام شارل كانت وكانوا دائما يتربصون الفرص لإعلان الحرب لأجل استرداد مجدهم الغابر وملكهم الضائع، فما حرب البوشارات إلا نوعا من هذه الآمال. كانوا يدافعون دفاع الأبطال عن دينهم وأمتهم وعقيدتهم، وقد كتب لهم النصر غير ما مرة ولكنه نصر مؤقت، وفي النهاية كانت تقع الدائرة عليهم، ماذا يفعل شعب أعزل محيط به عدوه إحاطة السوار بالمعصم، كان الموريسكوس يطلبون بين الآونة والأخرى الإعانة من المغاربة، ولكن هؤلاء كانوا أيضا منغمسين في مشاكلهم الداخلية والخارجية مع نفس الإسبان والبرتغال الذين استولوا على بعض القواعد البحرية في الشاطئ المغربي.

تنصر هؤلاء المسلمون ولكن تنصرهم كان ظاهريا فقط، وعداوتهم للنصارى باطنية، فكانت عقيدتهم التي يتمسكون بها هي الإسلام وعوائدهم إسلامية، ولغتهم عربية، وقلبهم يؤمن بالله وبرسوله محمد صلى الله عليه وسلم وهذا مصداق قوله تعالى: «إلا من أدره وقلبه مطمئن بالإيمان».

رأى المسلمون ما حل بهم، فلجئوا إلى عمل آخر وهو مداهنة النصارى بالتظاهر بالنصرانية وإخفاء الإسلام، وصاروا يمهدون السبل لقرصنة المغاربة والأتراك، ومن ملوك النصارى من كان لا يكتفي بتنصيرهم بل كان يجبرهم على تغيير الزي الإسلامي، ويضرب لهم أجلا لذلك، كما فعلت ضونيا خوانا وارثة عرش فرناندو وإزابيل فقد حددت للمتنصرين من المسلمين المدة لتغيير زيهم العربي ست سنوات ونهج هذه السياسة شارل كانت، ولكن شارل هذا جعلها بدون أجل محدود، وكذلك فعل الملكان الكاثوليكيان من قبل مع مسمي طليطلة في يوم 6 فبراير عام 1480 بمرسوم ملكي صدر بالتاريخ المذكور، يقول أن الموروس واليهود يسكنون متفرقين ويلبسون كبوثيس وعلامات ولا يمتهنون حرفة فوق النصارى، ويقول مارمول:” كان الموريسكيون يعيرون اهتمامهم للمسائل الإسلامية، أما المسائل النصرانية فكانوا لا ينصتون إليها حين يلقنها لهم القسيس، وكان فيهم أشراف عظماء ذوو همم عالية يأبون الضيم ويمنون أنفسهم دائما بعودة مجدهم الضائع”.

 

 

الموريسكيون داخل إسبانيا وخارجها،

محمد قشتيليو،

منشورات مركز دراسات الأندلس وحوزار الحضارات، الرباط، 2008.