بعد سقوط غرناطة، وسيطرة النصارى على بلاد الأندلس كلها ونقضهم العهد اتجاه المسلمين، اضطر هؤلاء للهجرة إلى خارج إسبانيا، ومن الوجهات المتعددة التي قصدوها، هناك أمريكا وخاصة أمريكا الوسطى والجنوبية التي كان الإسبان والبرتغال مسيطرين عليها مباشرة بعد اكتشاف العالم الجديد من طرف كريستوف كولومبوس عام 1942 (وهي سنة سقوط غرناطة).

فبعد هذا الاكتشاف اضطر المكتشفون إلى تعمير الأرض الجديدة وذلك لكون السكان الأصليين لم يتأقلموا مع المكتشفين، ولم يقبلوهم لأنهم كانوا بعيدين عنهم في كل شيء، وكانوا يرونهم أعداء لهم، فاضطر المعمرون لجلب اليد العاملة من خارج أمريكا، فاستغل الموريسكيون هذه الفرصة، وصاروا يغادرون وطنهم تحت ستر نشر المسيحية مع المسيحيين ظاهرياً، أما غرضهم الأساسي فكان هو الهروب من رقابة محاكم التفتيش.

استقر الموريسكيون بالعالم الجديد وساهموا في تعميره وازدهاره بخبرتهم في إصلاح الأراضي وزراعتها، ففي القرنين السادس والسابع عشر ذهب عديد من المهاجرين إلى المستعمرات الإسبانية بالمكسيك وبوليفيا وكلومبيا وكواتمالا وكوبا وكان هؤلاء المهاجرين متعددي المهن والحرف من مزارعين وبنائين ونجارين، فحملوا معهم فنهم وعملهم وتركوا في تلك الديار بصمات في البناء والزخرفة والنقش على الخشب والحديد، ولا زالت إلى يومنا هذا بنايات في عدة أماكن من دول أمريكا تشهد تأثير الفن الموريسكي، وتوجد بعض آثار هذا في بعض ولايات أمريكا الشمالية كفلوريدا وكاليفورنيا اللتان كانتا تابعتين لإسبانيا فيما قبل.

وقد ذكر الباحث الأمريكي ييرفنك في نشرة دورية يصدرها عن آثار الموريسكيين أو المدجنين بأمريكا، يقول الدكتور ارفينك في نشرته تحت عنوان “الفن المدجن بأمريكا”: أن الفن المدجن هو ثمرة المهن الإسلامية المتبقية في قرى الوسط والشمال الشرقي لإسبانيا وعلى الخصوص المهن التقليدية بعد المد المسيحي على هذه المناطق حيث اضطر العديد من المهنيين في القرنين السادس والسابع عشر إلى الهجرة للمستعمرات الإسبانية مثل المكسيك، والبيرو (بوليفيا حالياً) وغرناطة الجديد (كولومبيا الجديدة) وكواتيمالا وكوبا، ففي هذه المناطق كانت التركيبة الاستعمارية قد حملت معها مكونات الفن المدجن سواء في الحديد أو الخشب أو غيرهما.

وقد تطرق إلى هذا الموضوع كذلك المؤرخ المكسيكي مانويل توسان في كتابه: “الفن المدجن بأمريكا”. وقد استمر هذا التأثير حتى يومنا هذا حيث يبدو جلياً في الأسواق المركزية والبنايات العمومية وداخل بعض دور السينما التي أنشأت في أوائل القرن العشرين.

لا شك إذاً أن موضوعاً كهذا يستحق عناية كبيرة حتى يتم العثور على وثائق ومخطوطات تبرز أهمية تأثير الموريسكوس في هذا الجزء من الأرض.

 

حياة الموريسكوس الأخيرة بإسبانيا ودورهم خارجها،

محمد قشتيليو،

مطابع الشويخ، تطوان، 2001.