لم تقتصر هجرة الموريسكوس على بلدان شمال إفريقيا بل شملت كذلك أقطاراً أخرى إسلامية وغير إسلامية وخاصة أثناء الطرد الكبير للموريسكوس سنتي 1609 و1614، حيث كانت جحافل من الموريسكيين تغادر إسبانيا مستعملة مختلف الطرق والوسائل، وبما أن عدداً كبيراً منهم كان قد استقر بالمغرب، كان على المتأخرين منهم أن يبحثوا على ملجإِ آخر غير شمال إفريقيا، لذلك توجهوا إلى البلاد التي كانت تحت نفوذ العثمانيين ليكونوا في مأمن من كل سوء قد يأتي من عدوهم نظراً لعظمة الدولة العثمانية آنذاك. فشد الموريسكوس الرحال إذاً إلى تركيا وأراضي البلقان التي كانت ولاية عثمانية حيث كانت توجد مدن وقرى زاهرة ومأهولة بالمسلمين، فوجد الموريسكوس بها أمناً وطمأنينة، بينما كان من هاجر منهم إلى الشمال الإفريقي معرضين لبعض المتاعب وخاصة من أقام قرب الشواطئ التي كان بعضها محتلاً بأعدائهم من إسبان وبرتغاليين.

كان المسلمون في الأندلس أيام حربهم ضد النصارى، يعلقون آمالاً كبيرة على العثمانيين في مساعدتهم في كفاحهم بالأندلس، وخاصة مملكة غرناطة وذلك بعد انتصار العثمانيين على البزنطيين واحتلالهم للقسطنطينية عام 1453 على يد محمد الفاتح. وكان العثمانيون يعتمدون على الموريسكوس في ميدان التجسس على الإسبان سيما وأن تركيا وإسبانيا كانتا قوتين في ذلك العصر، الأولى في الشرق، والثانية في الغرب، وكان الصراع بينهما على أشده. وقد وقعت معارك كبيرة بينهما وخاصة في البحر، ومنها المعركة التي حدثت أيام كارلوس الخامس قرب الجزائر العاصمة عام 1541، كما قامت تركيا بمساعدة مجاهدي الأندلس سنة 1570 في حرب البوشرات التي تزعمها فرناندو دي فالور (محمد ابن أمية). لكن مساعدة تركيا للموريسكوس لم تكن بالشكل الذي يمكن أن يقلب موازين القوى لصالحهم. وبالتالي لم تحقق النتائج التي كانت متوخاة من مساندة العثمانيين.

ساعد الأتراك الموريسكيين على الإقامة بإمبراطوريتهم مادياً ومعنوياً حيث منحوهم حرية العمل والتنقل، وقد جعل الموريسكوس إسطامبول طريقاً للهجرة إلى داخل أوربا كفرنسا وإيطاليا.

وقد قام الموريسكوس في بعض الأحيان بإيفاد بعثة منهم لبعض ملوك أوروبا يستعطفونهم للسماح لهم بالمرور بأرضهم ومن هؤلاء الملوك: جاكوب الأول ملك إنجلترا وإرلاندا وأسكوتلندا. والوصية على عرش فرنسا ماريا دي مرثديس.

وقد قام الأمير العثماني جليل باشا بزيارة للمغرب للتفاوض مع المسؤولين حول موضوع الموريسكوس، كما قامت بعثة برئاسة علي سليمان بزيارة لبلغراد فاستقبلها الوزير مراد باشا وبحثا موضوع هجرة الموريسكوس في اتجاه بلاد البلقان التي كانت تحت النفوذ العثماني.

وهكذا فقد نزح كثير من الموريسكوس إلى تركيا حيث منحتهم الدولة العثمانية أراضي للإقامة وكذلك من أجل الفلاحة، فأسسوا قرى ازدهرت فيها الحركة التجارية والاقتصادية والفلاحية، إلا أن دور الموريسكوس لم يكن أساسياً في أراضي البلقان وتركيا كما كان الشأن في شمال إفريقيا حيث لعبوا دوراً طلائعياً في شتى الميادين، أما في البلقان وتركيا فقد اكتفوا بالعمل الفلاحي والتجاري وكذلك السمسرة بين أوروبا والشرق مبتعدين كل البعد عن العمل السياسي.

 

 

حياة الموريسكوس الأخيرة بإسبانيا ودورهم خارجها،

محمد قشتيليو،

مطابع الشويخ، تطوان، 2001.