عندما كنت طالباً ومدرساً مساعداً بجامعة مدريد في أربعينات القرن العشرين، كان رفقائي الطلبة الإسبان يمطرونني بوابل من الأسئلة عن حملي للقب إسباني محض والحال أنني مغربي، لغته العربية ودينه الاسلام، فكنت أجيبهم بأن أصلي من هذا البلد الذي هم منه وأن أجدادي هاجروا منه إلى المغرب في أيام المحن والاضطهاد ، كما كانوا يحاصرونني بأسئلة أخرى عديدة ومتنوعة، كنت لا أجد لها إلا جواباً واحداً، هو أنني أجهل كل شيء، وأن كل ما أعرفه هو أنني من أصل أندلسي، من منطقة قشتالة اعتباراً للقب الذي أحمله.

كل هذا خلق في فضولاً خاصاً للبحث في موضوع أولئك الذي غادروا وطنهم فراراً بعقيدتهم الاسلامية والذين يعرفون باسم الموريسكيين. والموريسكيون في الأصل هم المسلمون الذين بقوا في إسبانيا بعد ذهاب دولة الإسلام نهائيا من شبه الجزيرة الإيبيرية بسقوط غرناطة، آخر عاصمة لهم، على يد إزابيل وفرناندو، وخروج أبي عبد الله منها، وهو آخر ملك عربي مسلم من أسرة بني الأحمر أو بني نصر.

وعند سقوط مدينة غرناطة على يد الملكين الكاثوليكيين نزح كثير من المسلمين الأندلسيين إلى المغرب وخاصة إلى مدينة تطوان، وكان على رأسهم المجاهد سيدي أحمد المنظري، فأعادوا تجديد تطوان وبهم صارت من أعظم مدن المغرب، وجل النازحين إليها كانوا من أهالي غرناطة وما جاورها، لذلك تجد أن جل أسر تطوان الأصلية تحمل ألقاباً أندلسية أو إسبانية، ومن العائلات من اندثرت ولم يبق أحد يعلم عنها شيئا.

ثم بعد مرور سنوات على سقوط غرناطة نزحت إلى المغرب أسر أخرى في فترات متعددة وظروف متغايرة واستقرت بأماكن شتى بالمغرب، ولكن لم نجد واحدة من هذه الأسر تحتفظ بوثائق أو ما يدل على تاريخ هجرتها من الأندلس، وعلى الظروف التي غادرت فيها أرضها، وقد استمرت الهجرات بعد سقوط غرناطة إلى أوائل القرن السابع عشر. وحتى المؤلفون الإسبان لم يذكروا أسماء العائلات التي نزحت أو طردت، بل يكتفون بسرد الحوادث وكيفية وأسباب خروج الموريسكيين، والناحية التي وقع فيها الطرد، والطريق الذي سلكوه وعدد من طردوا في كل فترة، والأوامر التي صدرت في شأنهم، والتاريخ الذي يحدد وقت الطرد؛ إلى غير ذلك، أما أسماء العائلات التي طردت ومتى خرجت من إسبانيا فهذا مرهون بها وبالأشخاص الذين هم رؤوس العائلة، ولكن هؤلاء كانوا في ظرف عصيب ووقت كئيب لا يسمح لهم بالتفكير في مثل هذه الأشياء ولا يهتمون بها اهتمامهم بشؤون حياتهم المعرضة للخطر وللموت المحقق في بعض الأحيان، لأنهم كانوا يساقون في حالة مزرية إلى المراكب البحرية لشحنهم فيها وهم في حالة خوف ورعب إلى مصير مجهول ينتظرهم، فإذا كانت حالة الشخص هكذا، فكيف يفكر في تدوين حياته وحياة أسرته، بل لم يحتفظوا حتى بوثائق تثبت ملكيتهم لبيوتهم وعقارهم بإسبانيا، ولو أن بعض يهود المغرب يدعون أنهم مازالوا يحتفظون بمفاتيح بيوتهم بالأندلس.

لقد كان الأواخر من الموريسكيين يعاملون معاملة سيئة حتى من قبل المغاربة لأنهم كانوا قد تخلقوا بأخلاق النصارى وكانوا يتعاطون الخمر ويأكلون لحم الخنزير ونساؤهم يخرجن سافرات، الشيء الذي لم يرق المغاربة فكانوا بهذا يلاقون معاملة سيئة ونفورا من المغاربة، بخلاف المهاجرين الأولين فقد كانوا على حالتهم الإسلامية الصرفة، فلم يعانوا ما عناه الأواخر وخاصة وأنه كان من بينهم علماء أجلاء استفاد منهم المغرب.

أظن أن تاريخ الموريسكيين هو تاريخ شعب عاش بين شعب عدو له زهاء قرن وربع وكان على اتصال مستمر بالمغرب لقربه منه، وكانت أسر منه ومن المغرب ترتبط بالمصاهرة والتعامل، وكان أفراده يتبادلون الزيارة في مناسبات متعددة، وأن السكان المغاربة المنتمين لأصل أندلسي لا يوجدون في تطوان أو غيرها من المدن فقط، ولكنهم يوجدون كذلك في القرى والمداشر، وخاصة قرى ومداشر جبال شمال المغرب، أساساً الناحية الغربية التي تقع بين طنجة والحسيمة. فمدينة الشاون كلها أندلسية ومؤسسها أندلسي، وجبال بني حسان والأخماس وقبائل غمارة والحوز كلها أندلسية وتحمل ألقابا أندلسية وبكلامها مفردات أندلسية، فما اسم قرية بني جبارة بقبيلة الأخماس إلا اسم اسباني محض « Guevara » وما إسم قرية بليونش بجوار سبتة إلا اسم إسباني محرف « Peñones » وهي رؤوس الجبال، إلى غير ذلك من الأشياء التي تثبت أن أهالي شمال المغرب، سواء أهالي المدن أو القرى، جلهم من أصل أندلسي. وقد منح الملوك الوطاسيون للأندلسيين عند نزوحهم من غرناطة التفويض بحماية الأبراج والحصون بشمال المغرب بل سمح لهم برفع الراية الأندلسية عليها، فكان لهم شبه استقلال هناك بقيادة المجاهد والقائد أحمد المنظري آنف الذكر، وما أن علمت الأسر الأندلسية بذلك حتى فرحت واستبشرت وهاجرت إلى المغرب واتخذت منه وطنا جديدا، وأقامت تحصينات ومعاقل بالشمال خشية من عبور النصارى إليها هناك، ولو أن البرتغال كان يحتل إذ ذاك سبتة وبعض نقط أخرى بالشاطئ المغربي، وقد كانت نظرية الأندلسيين في هذا صائبة لأنهم جربوا ورأوا ذلك بالعين المجردة، فما أن مرت بعض السنين حتى كان البرتغال يطمع في أكثر مما بيده قاصدا التوسع في أرض المغرب، فكانت نتيجة جشعه وطمعه أن هزم شر هزيمة في معركة وادي المخازن الشهيرة بجوار مدينة القصر الكبير، وكان دور إخواننا الأندلسيين في الاستشهاد عظيما وأبلوا في ذلك البلاء الحسن، وكانت مثل هذه الانتصارات تبعث في نفس الموريسكيين بإسبانيا بارقة أمل، فكانوا ينظرون إلى انتصار المغرب على النصارى نظرة رجاء لأنهم يعلمون أن في قوة المغرب قوتهم، فعليه يعتمدون وإليه يرجعون فيما يؤملونه من استرداد ملكهم الضائع بالأندلس، لأنهم يعلمون أن قوة المغرب هي التي فتحت الأندلس، وأن قوة المغرب هي التي أعادت إلى الأندلس حياتها بعد أن كادت أن تضمحل وتسقط في يد النصارى أيام ملوك الطوائف وأيام المرابطين، وأن ضعف المغرب هو الذي سبب ضعف الأندلس إلى أن أدى بها إلى الضياع، لهذا كله كانوا باستمرار يتطلعون إلى المغرب وما سيأتي منه.