بويع محمد بن أمية ملكاً على الموريسكيين بجبال البوشارات المجاورة لغرناطة في 27 شتنبر 1568م. واشتهر بين النصارى باسم “فرناندو دي فالور”. وقد عرف بالشجاعة والاقدام، وكانت له ثقافة واسعة ومعرفة عميق بالمجتمع وأحواله. وحسب المصادر المسيحية تمت البيعة في حفل اجتمع فيه المتزوجون من الموريسكيين في جانب ، والأرامل في جانب آخر ومن هم على وشك الزواج مع خطيباتهم في جانب، ثم قرأ أحد الفقهاء تنبؤات مفادها أن هذه الحركة ظهرت في النجوم وأنه سيصل وقت يجدد الله فيه لهذه الأمة عزها على يد شاب من سلالة الملك. بعد ذلك ألبس ابن أمية جبة ووضع في عنقه قلادة حمراء ثم ضربت أربعة أعلام في الأرض تشير إلى أربعة أقسام الدنيا، وأدى صلاة انحنى أثناءها على الأعلام ووجهه لناحية المشرق وأقسم أنه سيموت من أجل شريعته ومملكته. إثر ذلك ألقى خطاباً معبراً يشرح فيه أسباب الثورة. ونظراً لطرافته نورد فقرات منه بتصرف:

“لقد أصبحنا مطرودين من رحمة الجميع، فلا النصارى يعاملوننا كنصارى، ولا المسلمون ينظرون إلينا كإخوان لهم ويساعدوننا، فلا يكلمنا أحد، ولا يعاشرنا أحد. يمنعوننا من أن نتكلم لغتنا، ونحن لا نعرف القشتالية، وبأي لغة يا ترى يمكن أن نتفاهم ونتعامل مع الناس، إنهم يمنعوننا أن نخاطب حتى الحيوانات بلغتنا، يعلمون أبناءنا فنونا قد حرم كبراؤنا منها، ويجعلون من يتبع القانون جريمة، وكل ساعة يهددوننا وينزعون أبناءنا من أيدي أمهاتهم وآبائهم، ويرسلونهم بعيدين عنا لينسوا نوع المعيشة التي نعيشها ويتعلمون بأن يصيروا أعداء لآبائهم، ويعلمونهم في مدارسهم، ويمنعون حتى لباسنا العربي، ويجبروننا على استعمال اللباس الفرنجي مع أنهم يلبسون ألبسة مختلفة، فالألماني والفرنسي يتزيي بزيه، والرهبان والشباب والشيوخ كل واحد بزيه الخاص، وكلهم نصارى، ونحن الموريسكيون نحتفظ بعقيدتنا في القلب لا في اللباس.

 

“ماليتنا ليست كافية لشراء الملابس، وما عندنا لا يشتريه منا أحد، فإذا صرفنا ما عندنا لشراء الملابس فبأي شيء نعيش؟ إذا أردنا أن نتسول لم نجد من يتصدق علينا كفقراء معوزين، إننا أغنياء ولكننا محتاجون، ولا يوجد من يعيننا، إننا موريسكيون نشعر بالبؤس والذل والإهانة، لأن المسيحيين يعتبروننا خارجين عن الإنسانية، فأجدادنا بقوا فقراء من جراء الحروب ضد قشتالة، فعندما تزوجت بنت عمدة لوخا من القبطان (الموريسكي) بقي هذا الأخير مدينا لبعض الناس. ويوجدون بيننا الآن، بعض الذين أعاروه بذلة لحضور حفلة الزفاف. في أي وقت وفي أي زمن وبأية معاملة وأية صناعة ستكون عندنا حتى يمكن لنا أن نغير زيا بآخر ؟ نزعوا منا الرقيق الأسود ومنعوهم من أن يخدموننا بعدما اشتريناهم وعلمناهم وربيناهم. والبيض لا يسمح لهم بخدمتنا لأنهم من دولتنا، ماذا يفعل من ليس لهم أولاد يخدمونهم ولا ثروة لدفع رواتب الخدمة لهم إذا مرضوا أو عجزوا أو عطبوا أو حضرتهم الممات؟ إن نساءنا وبناتنا يمشين محتجبات الوجه، فكيف يقمن بالعمل؟ هل نأمرهن بأن يمشين سافرات الوجه حتى إذا نظر إليهن تقع الفتنة ويصرن مملوكات للذي يقع عليهن نظره ؟ كما يصرن معرضات لسفاهة الأشرار من شباب وشيوخ”

 

“يأمروننا بأن نترك أبواب بيوتنا مفتوحة، الشيء الذي كان أجدادنا يحافظون عليه لكثرة تمسكهم بالدين، وليس أبواب الدار فقط، بل حتى نوافذها، إنهم يأمروننا بهذا كله ليمكنهم أن يصلوا إلى بيوتنا وأملاكنا وعرضنا للأشرار وسفهاء القوم، ويرقبون الساعة والفرصة التي يأتون فيها على ملاهينا ومسلياتنا، ويتدخلون بالقوة وبأمر الحكومة في سرورنا ونشاطنا في زفافنا وفي سهراتنا ورقصاتنا وموسيقانا وأكلنا بل حتى في نظافتنا التي هي ضرورة للصحة (كانوا يمنعونهم من الاغتسال لأنه مفروض على المسلمين) كيف تعيش نساؤنا بدون حمام وهو عادة قديمة عندنا؟ ألم تروهن في البيوت حزينات قذرات مريضات ؟ فالنظافة تورثهن السرور وتحافظ على الصحة واللباس”.

صار ابن أمية يشد العزائم ويحفز الهمم باستعراض المشاكل السياسية الموجودة بين النصارى أنفسهم، مثل مشكلة وقعت بين الهراطقة والنصارى في فرنسا، وثورة فلاندرا، والاتهامات الملصقة بالإنجليز والفلامان لأسباب دينية. ويستطرد ابن أمية قائلا : “إذا كان هذا الخلاف ناشبا بين النصارى أنفسهم فما بالك بين النصارى والمسلمين، إذاً يجب اغتنام الفرص”، ثم يقول : “إن الملك ينقصه المال ورجال أكفاء، وإن سلاح المراكب رديء وإن الغوغاء أحرار، وليست غرناطة وحدها التي عليها أن تنهض وتثور، بل قسم من الأندلس الذي كان عند أجدادهم وهو الآن تحت حكم أعدائهم، يمكن لكم أن تحتلوه في الكرة الأولى، وأثبتوا في أماكنهم”. ثم بين لهم المزايا الطبيعية للبلاد التي تفيدهم من الناحية العسكرية فيقول: “جبال منيعة وأودية عميقة وسلاسل شاهقة وطرق ضيقة وعرة وشعاب بدون مخرج، وأن هذه الحركة قد تنبأوا بها قبلنا، وأننا سنعيد مجدنا وأرضنا”.

 

حقق المقاتلون الموريسكيون الغرناطيون الذين كان عددهم يقدر بخمسة آلاف مقاتل انتصارات كبيرة في البداية، وهو ما شجع بقية الموريسكيين في مختلف أنحاء إسبانيا إلى الانضمام إلى حركة ابن أمية. غير أن وقوع الفرقة بينهم، وتدبير مؤامرة ضد ملكهم الذي قتل مخنوقاً في ظروف غامضة، وضع حداً لآخر حركة عسكرية قام بها المسلمون في الأندلس. وكانت بعد أكثر من ثمانين سنة على سقوط غرناطة.

من كتاب الموريسكيون في الأندلس وخارجها،

منشورات مركز دراسات الأندلس وحوار الحضارات، 2008، الطبعة الثانية،

محمد قشتيليو، بتصرف