ألقت الدكتورة نعيمة المني، أستاذة الأدب العربي والدراسات الأندلسية بكلية الآداب، جامعة محمد الخامس الرباط، محاضرة بمركز دراسات الأندلس وحوار الحضارات في موضوع: “ثوابت موحدة وقيم راسخة في الأدب الأندلسي”. وتعميماً للفائدة، نورد النض الكامل للمحاضرة. ـيمكن القول: إن الحضارة الأندلسية من بين التجارب الحضارية الإنسانية المتميزة فلا عجب إذا أفاض الدارسون والباحثون في وصف جوانبها المتعددة، واقترحوا تأويلات جديدة.من هنا جاءت أهمية الموضوع الذي عقدت له هذه الندوة بعنوان “الحضارة الإسلامية في الأندلس ومظاهر التسامح”، وكان اختياري الحديث عن ثوابت هذه الحضارة في أحد جوانبها المتيمزة المشرقة وهو جانب الأدب الأندلسي، الذي زخر بالعطاء الإنساني والإبداع الفني، وحفل بالثوابت الموحدة والقيم الراسخة، تلك الثوابت والقيم التي ألفت بين هذا الأدب الأندلسي وأصله المشرقي في تناغم وانسجام وتكامل قل نظيره في الآداب الإنسانية.قد يمتلكنا الشعور بالتعجب ويستحوذ علينا الإحساس بالإجاب حين نتقصى تلك الروابط القويةوالصلات الوثقى التي ربطت بين الأدب العربي والتراث المشرقي الإسلامي ككل وبين الأدب الأندلسي كجزء منه.وأول راطبة ووشيجة ربطت بين أدباء العربية في الأندلس وأدبائها في المشرق، هي رابطة العقيدة. وقد يبدو لأول وهلة أن استيطان العرب بلاد الأندلس بعد افتتاحها واستقرارهم فيها بعيدا عن منابت العروبة والإسلام وخضوعهم لمقتضيات الإقليم ومتطلبات الحياة الجديدة وحدها، قد أنساهم كل ذلك أصالة الوراثة، ولكن العكس هو الصحيح، إذ أن هذه الأصالة حالت بميسمها دون الخضوع نهائيا إلى مظاهر المحيط الجديد ومتطلباته العابرة، ويبدو هذا الأمر جليا في حياة المجتمع الأندلسي، ويتمثل في ظاهرتي : الدين واللغة، فلقد أسلمت الأندلس وبصورة أدق لقد خفقت في أرجائها راية الإسلام، ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل جاوزت الأندلس في تعصبها لدين الإسلام الوافد عليها واستمساكها بتعاليمه أخواتها من دول المشرق المسلم، فقد جاء في نفح الطيب: “وأما قواعد أهل الأندس في ديانتهم فإنها تختلف بحسب الأوقات والنظر إلى السلاطين ولكن الأغلب إقامة الحدود وإنكار التهاون بتعطيلها وقيام العامة في ذلك وإنكاره إن تهاون فيه أصحاب السلطان. وقد يلج السلطان في شيء من ذلك ولا ينكره فيدخلون عليه قصره المشيد ولا يعبأون بخيله ورجله حتى يخرجوه من بلدهم وهذا كثير في أخبارهم. وأما الرجم بالحجر (المظاهرات) للقضاة ولولاة الأعمال إذا لم يعدلوا فكل يوم”.والأكثر غرابة من هذا تعلق الأندلسيين بمذاهب أهل النقل : “واعلم أن أهل الأندلس كانوا في القديم على مذهب الأوزاعي وأهل الشام منذ أول الفتح، ففي دولة الحكم بن هشام بن عبد الرحمان الداخل انتقلت الفتوى إلى رأي مالك بن أنس وأهل المدينة  فانتشر علم مالك ورأيه بقرطبة والأندلس جميعا والمغرب وذلك برأي الحكم واختياره”[1].وهذه الأسباب في انتقال المذهب المالكي إلى الأندلس قد تفسر انتقاله ولكنها لا تكفي لتفسير شموله واستمراره، بل إن السبب الذي نستطيع أن نفسر به دوام المذهب المالكي في الأندلس وازدهاره بالإضافة إلى الظروف التي رافقت انتقاله، إنما يكمن في صلة الوراثة التي دمغت كلا من الشام والمغرب بطابع المحافظة والتقليد ثم ثلثت بربيبتهما الأندلس[2]، وإذا كنا نلمس انتشار المذهب الظاهري في الأندلس على يد إمامه ابن حزم، فإننا لا نستطيع أن نقول بانحسار المذهب المالكي عنها، ذلك أن المذهبين إنما يستقيان معا من معين النقل، على أن الظاهرية في الأصل مذهب من مذاهب التفسير قبل أن تكون مذهبا من مذاهب الفقه، وهكذا فإن المجتمع الأندلسي لم يكتف في تدينه بمذهب فقهي وسط كالمذهب الشافعي السائد في مصر والمنتشر في بلاد الشام، وإنما طبق تعاليم الإسلام بالنص كما أخذت من القرآن والحديث وجرى العمل عليها من أهل المدينة، ثم لم يجمع إلى المالكية مذهبا آخر. ومن هنا فقد انعدمت المشاحنات بين الفقهاء إلا ما كان بين ابن حزم والمناوئين لمذهبه، وكان الأندلسيون يعبرون عن إعجابهم الأدبي بأحد نجبائهم أو نوابغهم أو ساداتهم بأن كانوا يسمون الأمير العظيم منهم الذي يريدون التنويه به بالفقيه، وقد يقولون للكاتب والنحوي واللغوي: فقيه لأنها عندهم أرفع السمات”[3].وقد لا نبالغ إذا قلنا: إن الأندلسيين بالغوا في الدين إلى درجة التقليد ولكنهم لم يستغلوا تعصبهم إلا نادرا للإيقاع بالعناصر غير المسلمة في بلادهم نظرا لوصية الدين فيهم، الأمر الذي حدا بالكثير من الذميين إلى الارتقاء تلقائيا في أحضان الإسلام، بل وحمله على اعتناقه بلا إكراه كما هو الشأن مع إبراهيم بن سهل الإسرائيلي.ونصل إلى زبدة القول: إن أهل الأندلس لم ينفردوا عن إخوانهم من عرب المشرق ومستعربيه، بل ظهرت فيهم وبصورة أشد نزعة الاندفاع تجديدا وتقليدا فعرفوا بتأييدهم المندفع لمذهب مالك بن أنس وتقيدهم بمذاهب السماع والنقل وضيقهم بالفلسفة وكتب الفلاسفة، ولكن هذا الاندفاع المحافظ لم يمنعهم من أن يستأثروا دون أبناء العروبة كلهم بأشهر فيلسوفين عربيين ابن رشد وابن طفيل.وثاني ميسم طبعت به حضارة الإسلام في ديار الأندلس هو ميسم العروبة واللغة العربية، ولقد حرص الأمويون منذ بداية عهدهم بالأندلس على إحياء دولتهم العربية اللسان والفكر والثقافة، وشجعهم على ذلك ما وجدوه من تشابه جغرافي بين دولتهم القديمة في الطرف الشرقي من البحر المتوسط وما شاهدوه في دولتهم الفتية الناشئة في الطرف الغربي لهذا البحر، الأمر الذي دفعهم لتسمية أقاليم الأندلس بأسماء المناطق الشامية، فنجدهم يطلقون لفظة: حمص على إشبيلية، كما أنهم وزعوا الوافدين إلى الأندلس من المشرق على الأقاليم المشابهة لأماكن إقامتهم سابقا[4]. أما اللغة العربية فلم تلبث أن غدت لغة الوطن، ولقد مثل  Alvaro أسقف قرطبة إقبال المسيحيين الإسبان على اللغة وآدابها، حين شكا من أهل ملته الذين كانوا يقرأون الشعر العربي والأخبار العربية، ويدرسون كتابات متكلمي الإسلام وفقهائه، لا لكي يفندوها وإنما لكي يكتبوا العربية في صحة وإتقان، وتأسف على ضياع اللاتينية بين المسيحيين، وعلى حماسهم الشديد للغة العرب، وإنفاقهم السخي على مكتباتهم العربية[5]، وقد صورت الكتب القديمة براعة اليهود في العربية ونقلت إلينا أشعارهم وحديث بعض شعرائهم كابن سهل الإسرائيلي[6].وكانت الرحلات المستمرة بين بلاد الشمرق والأندلس هي العنصر المؤثر في نقل الأدب المشرقي بلغته العربية الفصيحة إلى الأنلس، والمقري في كتابه “نفح الطيب”، أفرد مئات الصفحات[7] ليترجم لمن وفد من أدباء المشرق إلى بلاد المغرب أو من رحل من الأندلسيين إلى المشرق للحج أو للاطلاع على نتاج الأدباء المشارقة، ولم يكن إرسال المستنصر وراء كتاب الأغاني واستحضاره النسخة الأولى منه لقاء ألف دينار وإرساله الرسل يشترون له الكتب من مختلف الأقطار، ولم تكن عناية الصاحب بن عباد في المشرق بحرصه على أن يكون عنده العقد، وبمراجعته إياه وملاحظته عليه، إلا مظهرا من مظاهر هذا التماس الذي كان فيه أهل الأندلس يقتفون آثار أهل المشرق ويتبعون سبلهم[8].لقد كان المشارقة في مهد الثقافة الإسلامية، كما أن بلادهم هي منبع اللغة العربية ومصدر الاتجاهات الأدبية، فالشرق كان يبدع ثم يصدر إبداعه ونتاج ثقافته إلى الأندلس، فيندفع أدباء الأندلس إلى تقليد ما وفد إليهم من أشعار شعراء المشرق وكتابات كتابه[9]. وهكذا غلب الأنموذج المشرقي على الأديب الأندلسي حتى ليصعب على الدارس أن يعرف إذا كان يعبر عن واقع محلي أو يحاكي أنموذجا أديبا مشرقيا محض محاكاة.إن هناك من الأسباب ما يحمل على الاعتقاد بأن ابن زيدون لم يكتب رسالته الهزلية إلا محاكاة للتربيع والتدوير[10]، وقد عرف الأندلسيون نثر الجاحظ في وقت مبكر فقد “ذهب أبو خلف سلام بن زيد إلى المشرق وتتلمذ على الجاحظ لمدة عشرين عاما ثم عاد إلى الأندلس عقب وفاة الجاحظ”[11].وبالفعل تأثر أدباء الأندلس بالأسلوب الجاحظي المتميز بفصاحته وبلاغته، ومنهم ابن زيدون الذي احتذى طريقته في رسالة التربيع والتدوير في تضمين كلامه آيات من القرآن وأبياتا من الشعر وكثيرا من الأمثال، وإضفاء روح التهكم والسخرية على أسلوبه.وهناك أديب قربطة وعالمها الجليل فرج بن سلاّم الذي كان في عهد الأمير محمد بن عبد الرحمان، يقول عنه ابن حيان: “وكان ذا عناية شديدة بعلم اللغة ورواية الشعر وحفظ الأخبار والأنساب، وكان على ذلك يتطبب ويشارك في الحكمة، وله حظ جزيل من البلاغة، ورحل إلى المشرق فأوغل فيه ودخل العراق بأجمع ما كانت للعلم والأدب، فلقي عمرو بن بحر الجاحظ، وأخذ عنه كتاب “البيان والتبيين” فأدخله إلى الأندلس رواية عنه، وخف على قلب الجاحظ فاستكثر منه وكتب كثيرا من مصنفاته ورسائله فكان أول من أدخلها إلى الأندلس”[12].ومن الطريف الوقوف على رد محمد سعيد الدغلي على نظرية خليان ربيرا الواردة في كتاب “تاريخ الفكر الأندلسي” لمؤلفه بالنثيا أنخل جنثالت[13]، فقد جاء فيها أن أهل الأندلس الإسلامي كانوا يستعملون العربية الفصيحة كلغة رسمية يتعلمها الناس في المدارس ويكتبون بها الوثائق وما إليها، أما في شؤونهم اليومية وأحاديثهم فيما بينهم فكانوا يستعملون لهجة من اللاتينية الدارجة أو العجمية، ويضيف قائلا: وليس ذلك بغريب لأننا إذا ذكرنا أن عدد العرب الخلص الذين دخلوا الجزيرة كان قليلا جدا، تبينا أننا لا نستطيع اعتبار الأندلسيين المسلمين شاميين أو مشارقة ابتداء من جيلهم الثالث أو الرابع بعد الفتح، ولنضف إلى ذلك أن شعوب أروبا كانت تستعمل في ذلك الحين اللاتينية كلغة وأن أناسها كانوا يتحدثون إلى جانبها بلهجات  Romances مختلفة ومشتقة من اللاتينية.هذا الازدواج في اللغة أو ثنائية اللغة هي التي جعلت صاحب النظرية ربيرا يخطئ كما يرى محمد سعيد الدغلي الذي رد عليه بما مؤداه أن الاحتجاج بقلة العرب الفاتحين لإثبات أن المسلمين الأندلسيين لا يمكن اعتبارهم ساميين أو مشارقة أو عربا بعد جيلهم الثالث أو الرابع في الأندلس، والقول بأنهم كانوا يعانون ازدواجا لغويا يتكلمون معه باللغة العامية التي هي لهجة من اللاتينية الدارجة، فذلك خطأ في التصور والفهم. ويسترسل محمد سعيد الدغلي مدافعا عن عربية الأندلسيين المسلمين الفصيحة بقوله : إن الندرة أساس القيمة والعرب الفاتحون كانوا أقلية كذلك في مصر والمغرب وكانت الشام والعراق تحت النفوذين الرومي والفارسي، ومع هذا فقد تكلم أبناء هذه الأمصار العربية الفصيحة، وبالفعل اقتبست اللغة العربية الفصحى فيضا من كلمات الفرس والروم واليونان وغيرهم وتأثرت عامية كل قطر من أقطار الإسلام في المشرق بلغة الحاكم البائد عنها، ولكن هذا لم يمنع العرب من التفاهم على تقادم الزمن وبعد المسافة وسعة الأرجاء، ذلك أن اللهجات العامية عربية شاردة لا أجنبية واردة، وهي لا تحتاج لتكون عربية لا غبار عليها، إلا بتقويم الانحراف وإخضاعها لمتطلبات الإعراب[14].ويؤكد الأمير شكيب أرسلان في الجزء الثاني من كتاب “حاضر العالم الإسلامي” أن الإسبان أنفسهم كانوا يكتبون صكوكهم ومعاملاتهم باللغة العربية التي ظلت لغة الثقافة عندهم إلى ما بعد الجلاء العربي عن الأندلس بخمسمائة عام، وبالفعل لو كان لدى أجدادنا هذا الازدواج اللغوي لما استطاع صاحب “نفح الطيب في غصن الأندلس الرطيب” أن يؤلف كتابه الأدبي الرائع وهو المتوفى في عام 1041هـ، ولو كان أجدادنا يتكلمون اللاتينية الدارجة فيما بينهم لكانت اللغة العربية بالنسبة إليهم لغة أجنبية، ومن المستحيل أن يكون المرء في غير لغته الأصيلة كاتبا نحريرا أو شاعرا فذا أو أدبيا مغلقا.ولعل نظرية ربيرا لا تستطيع أن تفسر لنا هذا التراث الأدبي الشعري والفكري الهائل الذي تركه لنا أهل الأندلس باللغة العربية الفصيحة.وقد يقول قائل : إن الأنماط الشعرية الحديثة كالموشحات والأزجال صورة من صور الأدب الشعبي الناتج عن ذلك الازدواج في اللغة ـ كما يرى ربيرا ـ خصوصا وأن تلك الموشحات والأزجال تتضمن العديد من الألفاظ الأعجمية، فنرد عليه: إن الموشحات إنما كانت في أصلها خروجا على القافية وتطويرا للأوزان المعروفة قبلها، ولم يهدف واضعوها إلى الانسلاخ عن العربية الفصيحة جملة وإن حدث ذلك فيما بعد نظرا لفساد الأذواق، والحديث عن ثنائية اللغة أمر مرفوض جملة وتفصيلا، لأن اللحن وقع في المشرق قبل المغرب ولا ننتظر مع ربيرا جيلين أو ثلاثة أجيال لكي يدخل اللحن ويتسرب إلى لغة الأندلسيين، بل إن اللحن دخل إلى الأندلس مع العرب الفاتحين أنفسهم.ومن القيم الراسخة في نفوس الأندلسيين ذلك التعلق بالوطن الأم ـ المشرق ـ والحنين[15] إلى ربوعه والإعجاب بثقافته وأدبه، فإذا كانت اللغة والدين ـ كما رأينا ـ تشدان بالأندلس ومجتمعها إلى الشرق المسلم فهناك روابط أخرى من صلات القربى والدم تمثلت جلية في ظاهرة الحنين التي رافقت الوافدين إليها من الشرق، فالأندلسي مشدود بحنينه إلى المشرق رمز الماضي والمنبع والأهل والأحباب، وقد ترتب عن هذا الأمر ـ كما رأينا ـ استعارة الأندلسيين لأسماء مدن مشرقية مشهورة ليطلوقوها على حواضرهم ومدنهم، كما نزعوا إلى تلقيب أعلامهم بأسماء علماء المشرق، فكانوا يقولون : “الرصافي ابن رومي الأندلسي، ومروان بن عبد الرحمان ابن معتز الأندلس، وابن خفاجة صنوبري الأندلس، وابن زيدون بحتري الأندلس، وابن دراج متنبي الأندلس، ومحمد بن سعيد الزجالي الأديب الحافظ أصمعي الأندلسي لحفظه وذكائه، وأبو بكر الزبيدي الشاعر اللغوي ابن دريد الأندلسي، كما يقولون في الفيلسوف ابن باجة إنه: فارابي المغرب، وحمدة بنت زياد الشاعرة بأنها خنساء المغرب…”[16].ولعل من غريب الصدق، أن يكون أول شعر أنشد في بلاد الأندلس أبيات في تصوير الغربة والحنين إلى المشرق، تنسب لعبد الرحمان الداخل، يخاطب فيها نخلة منفردة تشبهه في غربته :تبـدت لنا وسط الرصـافة نخلة **   تناءت بأرض الغرب عن بلد النخل

فقلت: شبيهي في التغرب والنوى **   وطول التنائـي عن بني وعن أهلي

نشأت بأرض، أنت فيهـا غريبة **   فمـثلك في الاقصاء والمنأى مثلي

وقد هيجت تلك النخلة حنينه إلى الشرق :يا نخل أنت غـريبة مـثلي            **   في الـغرب نائـبة عن الأصـل

ولو أنها تبـكي إذن لبـكت            **   ماء الفـرات ومـنبت النــخل[17]

وهذا ابن حزم رغم تطاول الأزمان وتمكن الاستقرار تبدو عاطفته نحو المشرق مستعرة قوية لم تنطفئ جذوة الحنين فيها :أنا الشمس في جو العلوم منيرة   **   ولكن عـيبي أن مطلــعي الغرب

ولو أنني من جانب الشرق طالع  **   لجد على ما ضاع من ذكري النهب

ولي نحو أكناف العراق صبابة   **   ولا غرو أن يستوحش الكلف الصب[18]

ولنستمع إلى صاحب نفح الطيب وهو يحدثنا عن علاقة كتابه بأهل الشام فيقول : “ولهذا الكتاب بالشام تعلق من وجوه عديدة أولها أن الداعي لتأليفه أهل الشام أبقى الله مآثرهم وثانيها أن الفاتحين للأندلس هم أهل الشام ذوو الشوكة الحديدة وثالثها أن غالب أهل الأندلس من عرب الشام الذين اتخذوا بالأندلس وطنا مستألفا وحضرة جديدة، ورابعها أن غرناطة نزل بها أهل دمشق وسموها باسمها لشبهها بها في القصر والنهر والدوح والزهر والغوطة الفيحاء وهذه مناسبة قوية العرى شديدة”[19]، وكان للأندلس بالشام شبه كبير حتى عدها أبو عامر السلمي “من الإقليم الشامي”[20]، ولهذا نجد في أصوات الدعاة للتحرر أثرا يشبه الصدى لصوت دعاته في الشرق، فابن بسام يسخر من قدماء الشعر ومحدثيهم، ومن دعاة التقليد والمفضلين للقدماء، ويقدم معاصريه من شعراء الأندلس ويعنى بهم، ويقرر أنه ائتسى في تأليف كتابه بأبي منصور الثعالي في تأليفه المشهور المترجم “بيتيمة الدهر في محاسن أهل العصر” وظهر هذا الائتساء واضحا في أسلوب التأليف، كما اتبع الجاحظ في مسائل كالعناية بنقد الكتاب وتقديمه على ما سواه من ألوان النقد، وعني بالبديع على طريقة المحدثين من أهل المشرق، وذكر أنه “قيم الأشعار وقوامها، وبه يعرف تفاضلها وتباينها”[21]، والأمثلة الأندلسية على أثر المشارقة في ترسل الأندلسيين كثيرة، من ذلك أثر رسالة سهل بن هارون ـ التي أورد الجاحظ في البخلاء ـ في رسالة ابن برد المسماة: البديعة في تفضيل اهب الشاء[22].وإذا كانت الروابط بين أبناء الأمة العربية الواحدة قد فعلت فعلها في تكوين كتاب، فلا غرابة بعدها أن يوحد الحنين بين فروع الناس في الأندلس وأصولهم في المشرق، فلقد كان المجتمع الأندلسي شرقي الروح والعاطفة واللسان، وكان إلى ذلك مشتركا مع الشرق العربي في مأكله وملبسه وعاداته، وفي نفح الطيب نقف على بعض العادات المستجلبة على يد زرياب مثل تقصير الشعر وتفضيله آنية الزجاج على آنية الذهب والفضة.وهذا ابن عبد الغفور الكلاعي ـ أحد أبناء القرن السادس للهجرة  ـ أشد الكتاب الأندلسيين إعجابا بأبي العلاء حتى حاكى كثيرا من كتبه: حاكى السجع السلطاني وكتب رسالة “الساجعة والغربيب” معارضة لرسالة “الصاهل والشاحج” لأبي العلاء، ثم عارضه بتأليف سماه ثمرة الألباب مضاهيا به سقط الزند، وعارضه بتأليف سماه كتاب “الفصيح”، وهناك معجبون آخرون غير ابن عبد الغفور الكلاعي، منهم ابن أبي الخصال الذي عارضه في “ملقى السبيل”، والسرقسطي الذي تأثر خطاه في “المقامات” وبناها على لزوم ما لا يلزم، وحذا حذوه ابن خفاجة من حيث الشكل حين استعمل اللزوم في شعره.وقد استوقفتني قولة لصاحب الذخيرة، ابن بسام جاء فيها، “… إلا أن أهل هذا الأفق      ـ الأندلس ـ أبوا إلا متابعة أهل المشرق، يرجعون في أخبارهم المعتادة، رجوع الحديث إلى قتادة، حتى لو نعق بتلك الآفاق غراب، أو طن بأقصى الشام والعراق ذباب، لجثوا على هذا صنما، وتلوا ذلك كتابا محكما”[23]، مثل هذا التصريح من أحد أدباء الأندلس المبرزين حدا ببعض مؤرخي الأدب العربي المحدثين إلى إقرار اعتراف أهل الأندلس بتقليدهم للنتاج الأدبي والثقافي المشرقي، تقليدا لا يبدو فيه أثر لطابع أندلسي خاص أو سمة أندلسية مميزة[24].ولعل أصحاب هذا الرأي من قدامى ومحدثين كانوا مدفوعين إليه لاعتبارات منها :ـ تسمية الأندلسيين لنوابغهم وأعلامهم بأسماء المشارقة، وتسمية حواضرهم ومدنهم بأسماء حواضر المشرق ومدنها ـ وقد مر بنا ذلك ـ.ـ ما يرى أحيانا من التطابق بين شاعر أندلسي وآخر شرقي في طريقة النظم وفي الخصائص الأسلوبية وطبيعة المعاني ــ معارضة شاعر أندلسي لشاعر مشرقي في النسج على منواله في موضوع واحد ووزن واحد وقافية واحدة.فهذه الاعتبارات وأمثالها هي التي دعت بعض مؤرخي الأدب العربي إلى القول بالتقليد في الأدب الأندلسي وعدم وضوح الشخصية الأندلسية فيه، وبالتالي نفي صفة الاستقلال الذاتي عنه.وقد نتفق مع أصحاب هذا الرأي إلى حد ما في إدراك الظاهرة الأدبية الأندلسية من حيث:ـ إن الشعر الأندلسي من جنس الشعر المشرقي يلتقي معه في صفاته العامة وموضوعاته وفنونه التقليدية، ونفس الكلام ينطبق على فنون النثر وأساليب الكتابة وتقاليد التأليف مثل كثرة النقل وسعة المعارف وشمولية الثقافة وتجميع المادة واختيار عيونها وتبويبها في كتب الأدب العامة مثل “العقد الفريد” لابن عبد ربه الذي صاغه صاحبه على شكل “عيون الأخبار”، و”بهجة المجالس” لابن عبد البر النمري القرطبي الذي صيغ على شكل “المحاسن والأضداد” للجاحظ، وصيغ كتاب “الحدائق” للجياني على كتاب “الزهرة” للأصبهاني”. ويمكن للباحث في رموز الشخصية الأندلسية الحضارية أن يقف على تنامي شعور الأديب الأندلسي بروابط اللغة والدين والحضارة والثقافة التي تربطه بأصله ومحتده المشرقي، فالمشرق موطن التأسيس والتأصيل، والأندلس موطن الامتداد والاستمرار للكيان الأصل، فرغم المسافات الفاصلة بين المشرق والأندلس هناك جسور قوية متينة ووشائج وثقى تصل بينهما، ولا فرق إلا في الإبداع والطرافة والابتكار والخصوصية، ومن ثمة لم يؤمن الأندلسيون قط بالسرقات الأدبية للمعاني والأفكار والصور والتراكيب، وإنما آمنوا بالأشباه والنظائر[25].ويلتقي الأديب الأندلسي بالأديب المشرقي في قدرته على تذوق مكامن الأدب وتحسس مواطن جماله، وقد يتفق معه مدفوعا بذوقه المرهف وحبه للجمال إلى التسامح في (اللحن) مع الأدباء عامة والشعراء خاصة ما دامت الجمالية الفنية قد تحققت لديهم[26]، حتى وإن تجنوا على اللغة وأخلوا بقواعدها، فالأديب هنا ينسى عقله ومنطقه تجاه الإبداع الجميل.وتتمثل القيمة الموضوعية للأدب والفكر الأندلسي في قدرتهما على تدوين ذلك التراث العربي الإسلامي الغني بالمادة الأدبية والتاريخية والحضارية والبلاغية والنقدية واللغوية والفقهية، والحافل بالمعرفة، ولا يفرق الأديب الأندلسي بين ما هو مشرقي ومغربي سوى إدراكه فضل التأسيس والتأصيل، أما الامتداد والاستمرار والابتكار والطرافة فخصائص عامة يلتقي فيها الأديب العربي اللسان والبيان سواء كان في المشرق أو في الأندلس، لأن ما هو تراث ماض ملك للأديب الأندلسي بوصفه أصله وأساسه، أما نزعة المباهاة والمفاخرة بالشخصية الأندلسية فمن باب تأكيد حضورها الثقافي وإشعاعها الفكري وعطائها الحضاري، ومن ثمة كان ابن شهيد وابن حزم وابن بسام وابن خيرة رموزا للوعي الحضاري بالشخصية الأندلسية، واتخذ بعضهم ـ كابن شهيد ـ المعارضة أساسا للتفوق[27]، ونمت رؤيتهم المتكاملة للتراث العربي الإسلامي عن اعتقادهم الراسخ بأنه عطاء مشترك بين أبناء الأمة الإسلامية، ما داموا يتحدثون باللسان العربي ويكتبون باللغة العربية سواء كانوا من أصل عربي أو غير عربي، ومادامت تحكمهم خصائص اللغة والعقيدة والتراث المشتركة. مثل هذا الارتباط بالمشرق المشحون بالعاطفة الجياشة والحب الدفين، إنما هو ارتباط يحتضن تحته إحساسا بالتفرد والتميز عن المشرق[28].ومن ثمة كان ابن بسام مدفوعا بغير أدبية شديدة إلى محاولة تأكيد الذات الأندلسية وإبراز مجالات إبداعها رغم اقتناعه بانتفاء الجسور بين المشرق والمغرب، ولعل المتصفح لكتاب “الذخيرة” سيشعر ـ لا محالة ـ بأن الباعث على تأليفه هو التعريف برموز الثقافة الأندلسية وإنتاجاتها وأخبار أبنائها ومحاسنهم الكثيرة مخافة : “أن تعود بدوره أهلة، وتصبح بحاره ثمادا مضمحلة، مع كثرة أدبائه ووفور علمائه”[29] خصوصا و”أن أهل هذه الجزيرة ـ مذ كانوا ـ رؤساء خطابة، ورؤوس شعر وكتابة”.[30]ولقد ساهمت بعض العناصر الحضارية في تنامي شعور الاعتزاز بالشخصية الأندلسية واطراد الوعي الحضاري بها، وأسهمت عوامل في ازدهار الحركة الأدبية في الأندلس مثل الخصومة التي نشبت بين المشارقة وأهل الأندلس، والاحتفاء بأدباء المشرق في الأندلس، وإمعان المشارقة في التهوين من شأن النتاج الأندلسي الأدبي، وروايات كتب الأدب وأخبارها شاهدة على ذلك، ومن ثمة برز ناقدان ما بين أواخر القرن الرابع ومنتصف القرن الخامس للهجرة وهما ابن شهيد وابن حزم اللذين اتجهت عنايتهما إلى خلق مدرسة أدبية أندلسية في معاولة لإثبات فضل أدباء الأندلس والتصدي للاتجاهات الأدبية المشرقية وبزّ أدباء المشرق.وكان من عوامل التحرر من إسار المشرق، التقليد نفسه إذ أقبل أدباء الأندلس على تقليد أدباء المشرق والنسج على منوالهم لكي يثبتوا تفوقهم عليهم في معانيهم وتراكيبهم وصورهم الفنية وقوافيهم، وكان لثنائية النظرة بوصفها مؤثرا عاما أثرها في استقلال الشخصية الأندلسية عن نظيرتها المشرقية، ودورها في تطور الأدب واستوائه، وظهور المصنفات والمعارضات، وقد تجلت تلك الثنائية في موقف المشارقة المتعالي وفي حيرة الأندلسيين وخذلانهم حينما اكتشفوا في المشرق ـ بعد أن كرروا رحلاتهم إليه ـ أن ما ارتسم في خيالهم وما تطلعت إليه نفوسهم لم يكن في مستوى تطلعاتهم، فانكفأوا على ذواتهم يستنطقونها ويستكنهون قدراتهم ومهارتهم، وبدأوا يتدارسون ويؤلفون ويكتبون عن الأدباء والشعراء، فظهرت المصنفات والمعارضات[31].وهناك عامل المنافسة في الأدب والثقافةوبروز أسماء أعلام أفذاذ في ديار الأندلس مثل ابن حزم وأبي حيان وابن زيدون وابن عبدون وابن عبد الغفور الكلاعي، وابن بسام وابن باجة، والفتح بن خاقان، كما أن هناك الشعور بالخوف من الضياع: ضياع تراث الأمة العربية الإسلامية، فلا عجب إذا كثر التسجيل والتقييد والتدوين وقل النقد والتمحيص والتأويل خصوصا في تلك الفترات التي امتدت  فهيا وطأة الحروب الصليبية ونشطت حركات الاسترداد، وبخاصة في القرن السادس والسابع للهجرة وما تلاهما من حقب زمنية أضرت بالوجود العربي الإسلامي في الأندلس، وحتى في المشرق الإسلامي الذي عرف ارتفاع الموجة المغولية التي أضرت بالحضارة العربية الإسلامية، ثم هناك عامل التعلق بالطبيعية، الذي أسهم في نهضة الأدب الأندلسي وازدهاره.وفي هذه النقطة نسجل هيام الأندلسيين بالجمال وافتتانهم بالتمتع بملذات الحياة قبل الزوال وشغفهم بالحياة ممتزجة بالفن، فلم يصدهم عن ذلك ما نزل بهم من تقلبات سياسية واضطرابات اجتماعية وشعور بالغربة وخوف من النزوح، بل على العكس من ذلك فقد اندفعوا إلى العب من اللذات والارتشاف من كأس المتع والتلذذ بمباهج الحياة، وطبيعي أن يزدهر الأدب الفكه نتيجة للترف وما يستتبعه من شغف باللهو والمسرات[32]، ويمكن لنا أن نتقصى اعتناق الأندلسيين لمذهب الجمال في طرافة موقف ابن شهيد المنافح عن الأدب الأندلسي، فهو يؤمن بجمال الكلام ويعتقد بتأثيره في النفوس دون أن يكون للكلام في ذاته جمال خاص، والمقصود عنده هو أن يتركب الحسن من غير الحسن، وهذه نظرية طريفة في الجمال تعد من ابتكارات ابن شهيد[33]، وقد تجاوز ابن شهيد بذاته وبشعره كل حد، ومع ذلك كان متفردا في وضعه مفهومها جديدا للجمال الفني بعد ابن طباطبا العلوي، وكان متفردا في تفسير الطبع على أساس روحاني: بمعنى أن من تغلبت نفسه على جسمه كان مطبوعا روحانيا، فتجيء الصور عنه في أجمل صورة[34]، وفي اعتبار الطاقة الشعرية واحدة في البديهة والروية[35]. ويرى د. إحسان عباس رأيا خاصا في ابن شهيد مجمله أن هذا الناقد، في إصابة الحكم على من درسهم من الشعراء، ربما تفوق على ابن رشيق وابن شرف…، وربما لم يبلغ أي ناقد أندلسي آخر مبلغه في إرهاف الذوق والإحساس بالجمال الفني، وفي اتخاذ شاعريته وسيلة للتعبير عن آرائه النقدية بطريق التصوير، وقد افتتح النثر في الأندلس معاني جديدة ونحا مناحي هي أقرب إلى الابتكار في وصف الرياض وفي المكاتبات السياسية ولا سيما تلك التي تدعو إلى استنهاض الهمم وتستنجد بالمسلمين القاعدين بعيدا عن إنقاذ الأندلس، أما ميدان السبق بالنسبة للأندلسيين فقد كان في الشعر والنثر اللذين تمليهما طبيعة الموطن الجديد ومظاهره الحضارية الخاصة التي تتلاءم مع طبيعة أرضه ومع اختلاف جوه عن أجواء المشرق.وقد دار النقد الأدبي في الأندلس في مجالات الدفاع عن الأندلس وأدبها، ونافح الفقيه ابن حزم عن علماء بلاده وأدبائها، ولعل تضخم الشعور بضرورة التحرر من النموذج الأدبي المشرقي هو الذي حفز الأدباء الأندلسيين على رفض التبعية الأدبية وإلى تعدد محاولات الاستقلال، وظل هذا الموضوع هاجسا يقض مضاجع بعض أدباء الأندلس، وقد أقدم ابن حزم على تأليف رسالة في فضل الأندلس وذكر رجالها، وتحدث ابن بسام في موقعه الدفاعي من موقع انتمائه إلى الأندلس، وجاء تحديه وشعوره الإقليمي عنيفا تجاه المشارقة وصرح بتفوق الإنتاج الأندلسي في أكثر من مرة كما في قوله: “… نثر لو رآه البديع لنسي اسمه، أو اجتلاه هلال لولاه حكمه، ونظم لو سمعه كثير “ما نسب ولا مدح أو تتبعه جرول ما عوى ولا نبح…”[36].ولم تضعف أو تتوقف ظاهرة الدفاع عن أصالة الشخصية الأندلسية، بل استمرت على يد أبي الوليد إسماعيل بن محمد الشقندي في رسالته في المفاضلة بين الأندلس والمغرب وهي مضمنة في نفح الطيب، واستمر ابن دحية في الدفاع عن استقلال الشخصية الأندلسية في كتابه “المطرب من أشعار أهل المغرب” الذي كتبه اللملك الكامل الأيوبي ليعرف المشارقة بالشعر الأندلسي والمغربي، ويستمر ابن سعيد في نفس الموقف الدفاعي عن الشعر الأندلسي بوجه خاص.وتجدر الإشارة إلى أن إثارة مثل هذه القضية لم تكن إلا للتأكيد على أن البحث عن أوجه التشابه والاختلاف من حيث الخصوصية والاتباعية ضرب من التعسف نظرا للتفاعل الثقافي والحضاري القائم والمستمر بين المشرق والأندلس، حتى إننها نستطيع في كثير من الأحيان أن نرد معاني الأندلسيين إلى مصادرها في الشرق، وأن نستشعر بينها وبين معاني المشارقة تجاوبا عجيبا لا يمكن حدوثه عرضا فإذا قال ابن زيدون:سـرى ينافحه نيلوفر عبق     **   وسنان نبه منه الصبح أحداقا

فإن البحتري قد سبقه إلى القول:وقد نبه النوروز في غسق الدجى  **  أوائل ورد كن بالأمس نؤما

وكما بدأنا بالتأكيد على وحدة الشعور بالانتماء الحضاري بين أبناء الأندلس والمشرق، ننهي حديثنا بالقول: إن أجل قيمة يمكن أن نستنبطها وأشرق صورة يمكن أن نستكنهها من علاقة الأندلس بالمشرق عبر تاريخها الطويل هو ذلك الاعتقاد الراسخ بنفس القيم والأفكار، والتشبت بالعقيدة الإسلامية، والأخلاق، واللغة العربية، والحضارة العربية الإسلامية، والتاريخ المشترك، لقد ذابت مختلف الفوارق العرقية في الحضارة الأندلسية، والكل متعلق بالتراث لذلك، لم يهتم الأندلسيون بالسرقة الأدبية، بل آمنوا بالتناظر والتشابه في المعاني والأساليب والصور، وآمنوا بامتدادهم وانتمائهم إلى نفس الحضارة، وما اعتزازهم بقوميتهم الأندسية إلا ضرب من ضروب الاعتقاد العميق بانتمائهم إلى الوطن العربي الإسلامي الفسيح، لا جسور ولا فوارق، الجميع يخاف عليه في مشرقه ومغربه من هجمات العدو الصليبي الشرسة، من ثمة كان الإلحاح على تحقيق العدل والثورة على الطغاة من الحكام، وتعالت الأصوات تستفز الأمة لمناهضة الغزاة الطامعين في أرض الإسلام واللغة العربية، وكثرت الدعوات للتشبث بأخلاق السلف ومناقبهم، وكان الأدب الأندلسي أحد جوانب الحضارة العربية الإسلامية، وما الإبقاء من جانب الأندلسيين على تقاليد الشعر والنثر المتوارثة إلا صورة من صور هذا الانتماء وليست العبرة بفنون القول، وإنما هي بمدى الإجادة وعدم الإجادة فيها.وخلاصة القول : إن المشرق والأندلس كانا من بعضهما بمنزلة البدء من الختام والمنبع من المصب، ومن الخطل أن نضع السدود في مجرى النهر وإلا توقف عن الجريان، والعبرة الأكثر إشراقا في تاريخ حضارة الأندلس تظهر في دوام الحكم العربي وبقائه فيها ما يزيد على سبعة قرون، كما تظهر في وحدة الصلة بين مغرب الشمس ومشرقها في ظلال الاشتراك الحتمي في الرؤية والتاريخ والأصل واللغة والدين والأخلاق، والآلام والآمال.[1] – نفح الطيب م: 3 ص: 230 تحقيق د. إحسان عباس، دار صادر بيروت، 1988.[2] – الحياة الاجتماعية في الأندس وأثرها في الأدب العربي وفي الأدب الأندلسي، ص 31، الطبعة الأولى، 1984.[3] –  وردت الإشارة إلى هذا المعنى في نفح الطيب.[4] – كانوا يطلقون اسم قنسرين على مدينة جيان، والأردن على رية ومالقة وفلسطين على شذونة ومصر على تدمير. نفح الطيب للمقري، م: 1ص، 237، تحقيق: د.إحسان عباس، دار صادر، بيروت 1968.[5] – نفح الطيب م2، ص 129 وما بعدها، وم3، ص 5 وما بعدها.[6] – Dozy : Histoire des musulmans, Paris, vol II, p :103-105.[7] – Nicholson : A literary history of the arabs, p :415.[8] – ابن عبد ربه لجبرائيل جبور، ص 43، دار الآفاق الجديدة، بيروت، الطبعة الثانية 1979.[9] – الفكاهة في الأدب الأندلسي، د. رياض قزيحة، المكتبة العصرية، صيدا، بيروت، الطبعة الأولى 1998.[10] – عباس وآخرون، دراسات في الأدب الأندلسي، ص 24، الدار العربية للكتاب ليبيا ـ تونس، الطبعة الثانية 1978.[11] – المرجع نفسه، ص 86.[12] – المقتبس لابن حيان ص 164، تحقيق د. محمد علي مكي، دار الكتاب العربي، بيروت 1973.[13] – تاريخ الفكر الأندلسي، ص 142، تعريب د. حسين مؤنس مكتبة النهضة المصرية، القاهرة 1955.[14] – الحياة الاجتماعية في الأندلس، ص 36-37.[15] – انظر في موضوع الغربة والحنين، الدراسة المفصلة: “الغربة والحنين في الشعر الأندلسي”، د. فاطمة طحطح.[16] – تاريخ آداب العرب، للرافعي، ج3، ص 262. (إخراج محمد سعيد العريان)، مطبعة الاستقامة الطبعة الأولى، 1940.[17] – انظر هذه الأبيات في البيان المغرب لابن عذاري المراكشي، ج2، ص 90، تحقيق ج.س. كولان وليفي برفنسال، دار الثقافة، بيروت، لبنان وج4، بتحقيق د.إحسان عباس 1964.[18] – الذخيرة ق1، م1، ص 173، تحقيق د. إحسان عباس، دار الثقافة، بيروت، لبنان 1979.[19] – نفح الطيب، م1، ص 117، تحقيق د. إحسان عباس، دار صادر، بيروت.[20] – المصدر نفسه، ج1، ص 61، 64، 72، 73، 85، ج2، ص 441.[21] – الذخيرة، ج1، ص 1-44، طبعة القاهرة 1942.[22] – المصدر نفسه، ق1، م:2 ص 446، تحقيق د. إحسان عباس، الدار العربية للكتاب، تونس، ليبيا، 1975.[23] – الذخيرة ق 1، م: ص 23، تحقيق د. إحسان عباس.[24] – انظر رأي الأستاذ أحمد أمين في ظهر الإسلام ـ ج3، ص 104-105، طبعة القاهرة 1952 ـ في شعراء الأندلس ولغوييها ونحوييها وصرفييها الذين لم يفلحوا كثيرا في استقلالهم عن الشرق وابتكارهم وتجديدهم، وانظر رأي د. عبد العزيز، عتيق في الأدب العربي في الأندلس ص 159، دار النهضة العربية للطباعة والنشر، بيروت، الطبعة الثانية، 1976.[25] – مال النقد الأدبي في قضية “الأخذ” إلى جانب الاعتدال، فلا هو بالمسرف في استخدام مصطلحاتها، ولا هو بالمتعسف في اصطيادها.انظر: “تيارات النقد الأدبي في الأندلس في القرن الخامس الهجري”، ص 429، د. مصطفى عليان عبد الرحيم، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى 1984، وانظر “مذاهب النقد وقضاياه”، لعبد الرحمان عثمان، ص 125، طبعة القاهرة 1975، والسرقات الأدبية”، لبدوي طبانة، الطبعة الرابعة، الأنجلو المصرية، و”مشكلة السرقات”، د. محمد مصطفى هدارة، طبعة الأنجلو المصرية، 1958.[26] – انظر “ريحان الألباب وريعان الشباب في مراتب الآداب” لابن خيرة المواعيني الاشبيلي، ج1، ص 135-136، تحقيق وتقديم مصطفى الحيا، رسالة مرقونة لنيل دبلوم الدراسات العليا بكلية الآداب بالرباط، السنة الجامعية 1988-1989، فقد تأثر ابن خيرة خطى الجاحظ في هذه القضية في “الحيوان” ج1، ص 57، 59، 134، 199، 200، وج 6، ص 131-132. تحقيق د. عبد السلام محمد هارون، وانظر في “البيان والتبيين”، ج2، ص 220 (اجتماع اللحن مع البلاغة) تحقيق ذ. هارون، وانظر “البخلاء”، ص 40 تحقيق طه الحاجري.[27] – “رسالة التوابع والزوابع” ورسائل أخرى متمضنمة في الذخيرة، ق1، م1، ص 191-335، تحقيق د. إحسان عباس.[28] – انظر هذا الرأي مفصلا عند د. عباس الجراري في “فنية التعبير في شعر ابن زيدون”، ص 74، طبعة 1977.[29] الذخيرة ق1، م1، ص 12، 14، تحقيق د. إحسان عباس.[30] الذخيرة ق1، م1، ص 12، 14، تحقيق د. إحسان عباس.[31] – انظر في هذا الموضوع “الذخيرة” لابن بسام، و”البديع في وصف الربيع” لأبي الوليد الحميري، و”التوابع والزوابع” لابن شهيد.[32] – انظر البيان المغرب، لابن عذاري المراكشي، ج2، ص 252-253، تحقيق كولان وبروفنسال، ونفح الطيب، ج1، ص 181، تحقيق           د. إحسان عباس، وفيهما ذكر لحادثة احتلال بطرنة، وكيف هاجم الأعداء سكان البلدة وهم ذاهبون للاحتفال خارج بيوتهم يلبسون الحرير، بينما كان أعداؤهم يلبسون الحديد، وأصر الناس على الاحتفال، فقتل معظمهم وتشرد الباقون.[33] – تاريخ النقد الأدبي عند العرب، نقد الشعر من القرن الثاني حتى القرن الثامن الهجري، ص 486، د. إحسان عباس، دار الشروق للنشر والتوزيع، الطبعة الثانية، 1993.[34] – الذخيرة، ق 1، م1، ص 197، تحقيق د. إحسان عباس.[35] – لعل ابن شهيد كان يحس بقدرته على الإثنتين مثلما يحس بتميزه في الصناعتين: الشعر والنثر، من هنا وضع المقياس الذي يلائمه، انظر الذخيرة ق1، م 1، ص 209.[36] – جرول لقب الحطيئة لأنه كان قصيرا، انظر الذخيرة، ق1، م1، ص 12.