حصل الدكتور خوسي راميريز ديل رييو عضو المجلس التنفيذي لمركز دراسات الأندلس وحوار الحضارات، وأستاذ الدراسات العربية بجامعة قرطبة، على جائزة “عبدالعزيز سعود البابطين للدراسات التاريخية والثقافية في الأندلس”، على كتابه “سهوب مدينة إِسْتِجَة في الأندلس: بادية إستجة والمناطق المحيطة بها”. وبهذه المناسبة يقدم مركز دراسات الأندلس وحوار الحضارات أحر التهاني للدكتور راميريز، ويستضيفه في هذا الحوار للتعبير عن انطباعاته ولتعريف قراء الموقع بكتابه المتوج.

س– ماذا يعني بالنسبة لك الحصول على هذه الجائزة؟

ج-  الحصول على الجائزة بالنسبة لي هو اعتراف بالعمل الذي قمت به في حقل الدراسات الأندلسية على امتداد  أكثر من خمس عشرة سنة، سواء في تحليل المصادر التاريخية أوفي  القطع الأثرية، حيث كانت البداية بالتنقيبات الأركيولوجية التي قمت بها بحصن أقوط سنة  1996. ولا بد أن أشكر مؤسسة “جائزة عبد العزيز سعود البابطين” بهذا التشريف التي خصتني به، علماً أنه يوجد الكثير من الباحثين الذين يستحقون هذا التتويج أكثر مني. وإنني أعتبر الجائزة تشريف وتكليف في الوقت ذاته، لأنها ستكون بمثابة حافز يدفعي لمواصلة البحث في هذا التراث العظيم الذي هو التراث الأندلسي.

س- نود أن تعطينا فكرة عن مضمون الكتاب؟

مضمون هذا الكتاب أساسا هو تاريخ القرى والأرياف المحيطة بمدينة إستجة، المنطقة التي كانت تعرف في الحقبة الأندلسية ببادية إستجة.  كتاب “بادية إستجة في تأريخ الأندلس: بين العلماء والمنفيين” هو عبارة عن التأريخ المضطرب في منطقة مهمة جدا بسبب موقعها الإستراتيجي على الطرق المؤدية للحواضر العظيمة في تاريخ الأندلس: إشبيلية وقرطبة وغرناطة. يتوقف الكتاب عند الحياة الاجتماعية والثقافية في هذه المنطقة، ويظهر كيف تعايشت مختلف المجموعات العرقية والدينية بالمنطقة منذ تأسيس “إستجة”  في القرن الثامن الميلادي إلى غاية  سقوطها  النهائي في القرن الثالث عشر نتيجة الحملات العسكرية لمملكة قشتالة.

يبين الكتاب كذلك كيف أن تعدد أصحاب ملكية الأراضي الزراعية وتفرقها بين المجموعات، هو الذي أدى إلى عدم استقرار الوضع السياسي. وكانت المناصب الرسمية بالمنطقة يتقاسمها أشخاص من أصول مختلفة:  عرب وعجم وأمازيغ، وهذا قد يكون بدوره قد ساهم في عدم الاستقرار السياسي. لكن كل ذلك لم يحل دون ازدهار العلوم الإسلامية والعربية، وكذا ازدهار ما كان يعرف ب  “علوم الأوائل”.  وقد تعرضت المنطقة لأضرار بليغة أثناء عهد ملوك الطوائف، لكن الاستقرار عاد إليها، بعد أن خضعت لسلطة الموحدين، وهو ما سمح بانتعاشها اقتصادياً من جديد.

من جهة أخرى، لعب الأدب الأندلسي دوراً مهماً  في تكوين شخصية بادية إستجة، لكن القرب من الحواضر الكبرى، خاصة إشبيلية وقرطبة، حال دون  قيام أي تطور بمعزل عن هذه الحواضر، لذا نجد جل شعراء استيجة يدورون في فلك أمراء هذه المدن.

س- ما هو الدور الذي لعبته القرى في تاريخ الأندلس؟

ج- الأغلبية المطلقة من سكان الأندلس عاشت طوال قرون في المناطق الريفية والزراعية، خارج الحواضر التاريخية: إشبيلية وقرطبة وغرناطة، وهو ما نستخلصه من كتاب مهم نشره مركز دراسات الأندلس وحوار الحضارات تحت العنوان: “الزراعة في الأندلس”، للباحث المغربي الدكتور يوسف نكادي. هذه الظاهرة تدفع بنا إلى مزيد من البحث والتنقيب في هذا المجال؛ فالقرى في الأندلس كانت مكاناً للتعايش بين أفراد المجتمع، وفي نفس الوقت مركزاً للدراسة والتعليم الذي يقود إلى العطاء والابداع، من هنا نستطيع أن نعثر على مؤلفين في شتى العلوم بالقرى الأندلسية. وإذا قمنا مثلاً بدارسة لغوية، سنجد أن معظم الكلمات العربية الموجودة حاليا في اللغة الأسبانية ترتبط  بالنشاط الزراعي، وهذا دليل واضح على أهمية القرى في التداخل الحاصل بين الثقافتين العربية والأسبانية.

س- ما هو الوضع الذي توجد عليه في الوقت الحاضرة الدراسات الأندلسية في إسبانيا بشكل عام، وبجامعة قرطبة التي تنتمي إليها بشكل خاص؟.

ج- الدراسات الأندلسية في إسبانيا في الوقت الحاضر في حالة جيدة مقارنة مع ما كانت عليه في الماضي. في العقود الأخيرة وبعد عودة الديموقرطية إلى إسبانيا، ازداد الاهتمام بالثقافة الاسلامية وخصوصاً الأندلسية منها، وهو ما أدى إلى فتح عدد كبير من مراكز البحث ومن أقسام الدراسات العربية في كافة أنحاء إسبانيا وخاصة في جنوب البلاد، أي منطقة الأندلس.

بالنسبة لجامعة قرطبة، فكما تعرفون، كانت في الأصل تابعة لجامعة إشبيلية، لكنها استقلت عنها وأصبحت جامعة قائمة بذاتها، ومنذ البداية أولت اهتماماً خاصاً لتدريس اللغة العربية وتاريخ الأندلس. في الوقت الحاضر، وبالرغم من الأزمة الإقتصادية التي تعرفها البلاد، مازلنا ملتزمين بمواصلة الاهتمام بالتراث الأندلسي والثقافة العربية عامة،  بفضل التعاون مع مؤسسات ومراكز من العالم العربي تهتم بالتراث الحضاري المشترك، مثل مؤسسة عبد العزيز سعود البابطين، ومركز دراسات الاندلس وحوار الحضارات، والذي استغل هذه المناسبة لأعبر عن سعادتي البالغة  لعضويتي في مجلسه التنفيذي، وفي نفس الوقت لأشكر الدكتور عثمان الرواف الأمين العام المساعد للمركز، والدكتور عبدالواحد أكمير مدير المركز،  وكافة أعضاء المجلس التنفيذي على ما يبذلونه من مجهودات كبيرة من أجل دعم التعاون الثقافي مع الجامعات الإسبانية بصفة عامة وجامعة قرطبة بصفة خاصة.