شارك الدكتور سعيد بلحرش أستاذ الأدب الأندلسي  بجامعة عبدالملك السعدي بتطوان، في لقاء ثقافي نظمه مركز دراسات الأندلس وحوار الحضارات بالرباط، حيث ألقى محاضرة في موضوع: “صورة  الشخصية الأندلسية في المدونات التاريخية”. وتعميماً للفائدة نورد ملخص المحاضرة.

هناك حقيقة تاريخية لا يختلف فيها اثنان وهي أن  الوجود العربي الإسلامي في الأندلس لعب دوراً حضاريا أثر على بلاد الغرب تأثيراً عظيما في الآداب و العلوم والفنون. وهذا لا يعني أن الحضارة الأندلسية لم تتأثر بالحضارة الإسبانية، بل كان التأثير متبادلاً، وإن كان التراث الأندلسي أكثر وأوضح أثراً من مثيله الإسباني عموماً.

لقد حملت عملية التعايش بين العرب المسلمين والإسبان في شبه الجزيرة الإيبيرية ديناميكية لم تكن لتعرف السكون و الجمود، يعطي فيها الإنسان ويأخذ، تماما مثل حياة الأنهار التي يذوب بعضها في البعض ، فتتجدد وتزداد نشاطاً و قوةً في ملتقاها ، فتزيل في طريقها ما تزيل من شوائب، وتحتفظ بما هو أنقى وأصح، لتستمر في مجرى جديد.  ويأتي هذا البحث ليضع  على خارطة الدراسة أمثلة متعددة  من  الحوار الحضاري الرفيع والتعايش المثمر بين المسلمين والإسبان في شبه جزيرة إيبيريا مدة ثمانية قرون أو تزيد.

عندما نتحدث عن الحوار الحضاري بين المسلمين والإسبان ، يجب علينا أن نجعل نصب أعيننا الجوانب الإيجابية لذلك الحوار وما أكثرها ، كما  يجب علينا ألا نغض  الطرف عن الجوانب السلبية التي  تكتنزها ذاكرة  المجتمع الإسباني عبر العصور. وقد أحببت  أن عرض في البداية لنماذج من الحوار الحضاري الإيجابي، و(مِن)هنا تفيد التبعيض، معنى هذا أني سأقتصر في هذا  الملخص على ذكر  بعض ما هو  جديد وغير معروف ولا مشهور مما يتصل بتاريخ الحوار الحضاري و التعايش الاجتماعي بين المسلمين  والنصارى القشتاليين في  الأندلس ، ولذلك أحب  أن أشير هنا ، وفي اقتضاب شديد، إلى بعض مظاهر ذلك الحواري الحضاري والتعايش الإنساني، من خلال  المصادر الأندلسية.

ـ 1ـ في مجال الغناء و الطرب:

دأب الملوك و الأمراء في الممالك الشمالية الإسبانية على إحياء ليالي  الأنس و الطرب في قصورهم ، يحاكون في ذلك ما تعود عليه جيرانهم العرب المسلمون في مختلف جهات إسبانيا الإسلامية، يحضرها إلى جانب الملوك والأمراء الإسبان  ضيوف  أوروبيون كانوا يتوافدون على الأندلس للاستمتاع   بسماع الغناء  العربي و التلذذ  بالطرب الأندلسي، وهم الذين نقلوا صورة هذه المجالس إلى أوروبا ،  ونشروا فيها الأغاني و الأشعار العربية، مما كان له أكبر الأثر في تقارب ساكنة شبه جزيرة إيبيريا  وتعارفها  وتعاونها على نطاق واسع.

يقص علينا الطبيب القرطبي الشيخ أبو عبد الله محمد ابن الكتاني ، صاحب كتاب التشبيهات من أشعار أهل الأندلس،  أنه حضر حفلات في مدينة برغش في قصر كونت قشتالة سانشو غارسيا، وقد تميزت هذه الحفلات بوجود عدد من المغنيات و الراقصات، أهداهن إليه الخليفة القرطبي،  وأن زوجة سانشو أمرت واحدة منهن بالغناء فغنت بالعربية، وكان صوتها جميلا . فانفجرت إحدى الجواري بالبكاء ، فاقترب منها ابن الكتاني ليسألها عن السبب، فقالت له: “هذه الأشعار التي تتغنى بها هي لأبي سليمان مهران أو لمروان السرقطسي وأنا أسيرة هنا، ولا أعرف من أخبار أسرتي شيئا”. لا ندري الأبيات التي غنت بها الجارية ولكن بالرجوع إلى الذخيرة وجدنا أبياتا هي أشد الأبيات الواردة في الكتاب دقة وحزناً وإثارة و حنيناً، ولعلها  التي كانت تعني الجارية  وهي(2) .

خـليليَّ ما للـريح تـاتي كأنمـا               يخـالطـها عنـد الهبـوب خلوق

أم الريـح جاءت من بـلاد أحبتي           فأحسبـها ريـح الحبيـب تسـوق

سقى الله أرضاً حلها الأغيد الذي              لتـذكاره بين  الضلـوع حريـق

أصار فـؤادي فرقتـين فعنـده               فريـقٌ وعنـدي للسيـاق فريـق.

من جانب آخر، تخبرنا المصادر التاريخية أن جيشا من  الفرسان النورمانديين و الإسبان استولوا، ولفترة محدودة ، على مدينة  “بارباشترو” في مقاطعة أرغون عام 1064 م،  وقد  أسروا إثر ذلك من بنات الطبقة العليا  والمتوسطة ما يقدره المؤرخون العرب بمائة ألف من النساء والأطفال ، لأن الرجال قتلوا في المعركة ،وهو أمر يحمل طابع المبالغة، ولكنه يشير، على أي حال، إلى أن العدد كان كبيراً،  و فد نقل القادة و كبار القوم  هؤلاء الأسيرات إلى دورهم وكان احتفالهم بهن كبيراً .ويذكر  المؤرخ ابن حيان أن بعض تجار اليهود جاءوا  إلى “بارباشترو” بعد الحادث ملتمسين  فدية بنات بعض الوجوه ممن نجا من أهلها، ويحكي أحد هؤلاء التجار كيف قصد شخص اشترى مجموعة من الأسيرات:  “قصدت منزله،  و استأذنت  إليه،  فوجدته جالساً مقام رب الدار، مستوياً على فراشه، رافلاً في نفيس ثيابه. فسألني عن قصدي.  فعرفته ما أريد ، و أشرت الى ما يمكن أن ادفعه من فدية مقابل بعض الوصيفات الأسيرات اللائى  يخدمنه. فتبسم ونادى بعض الوصيفات: يا، يريد يا بهجة .. ثم  أشار إلى جارية أخرى قائمة فقال: هذه مغنية ، ثم أمرها أن تأخذ عودها  فأخذت العود و أطربت العلج حتى جرى دمعه، واندفعت تغني بشعر لم أفهمه فضلاً عن العلج. فكان من غريب أن طرِب منه، ومع الطرب أسرف في الشراب. أما أنا فلما يئست قمت منصرفاً عنه”.

أهمية هذا الخبر كبيرة فعن طريق ابن حيان نعرف  أن الأسيرات الممتازات كان من صفاتهن إجادة الغناء والموسيقى، و أن غزاة الشمال من الإسبان والفرنسيين كانوا خلال المعارك التي ينتصرون فيها  يحملون معهم أعدادا كبيرة من الأسيرات العربيات القادرات على  العزف والغناء باللغة العربية .

ومن هنا القول بأن الأغنية العربية كانت كثيرة الانتشار في الأوساط القشتالية، ومعروفة في جنوب فرنسا .

ومن نتائج الحوار الديني الإيجابي تأثير المديح  النبوي و الموسيقى الدينية الاسلامية  في الموسيقى الروحية المسيحية بإسبانيا النصرانية، وما هو متداول الى اليوم من أنغام وألحان في أناشيد مريم العذراء(Las cantigas de Santa Maria  ما هو إلا أكبر شاهد على عمق ما حدث من تشرب و تسرب  الموسيقى الروحية الإسلامية  في الموسيقى  الروحية الإسبانية المسيحية. ويكفي  دليلا على ما حدث من امتصاص للموسيقى العربية الاسلامية وانصهارها في بوثقة الموسيقى الإسبانية ،التذكير بالفلامينكو Flamenco والفادو  Fado البرتغالي،  وكذا ببعض المصطلحات  الموسيقية والغنائية مثل  الحداء(Hunda ) و الإيقاعات  Ochetus  والزمر (Zambra) ، وأسماء الآلات التي دخلت كذلك معظم اللغات الأوروبية  كالبوق ( Albogue) والرباب ( Rubeba ) و العود (Alude).

2 ـ في مجال الشعر

لم يتردد المجتمع الإسباني ، كما يبدو، من سرعة اندماجه في المنظومة الحضارية الإسبانية ، في استعارة طائفة من الكلمات والألفاظ الحضارية و المصطلحات العلمية و العادات من طرف الآخر، بل وحتى لغة التداول والتواصل التي كان يستعملها  الإسباني في خطابه اليومي مستعار أغلبها من اللغة العربية المتداولة في الشارع الأندلسي ، فاللغة التي يتكلم بها الإسبان اليوم فيها ما يزيد على 1290 كلمة عربية. وان دل هذا الرقم على شيء فإنما يدل على أن الإسبان و البرتغال يتكلمون اليوم  العربية و هم لا يعلمون.  وهذا ما سمح للشعراء  العرب والإسبان  أنفسهم أن يمزجوا في شعرهم بين الكلام العربي و الكلام الإسباني. لنستمع إلى القاضي أبي محمد الرشاطي (542  هـ 1147م) في هذين البيتين اللطيفين، كيف يتحدث عن فتاة  جميلة من مدينة وقَّش  (7)(Huecas ) :

وجارية أبصرتها ناهـداً      فـي بلـدة تـدعـى وقَّـش

قلت لمن نهـداك يا هذه     قالت بروميتها: أتو شيِ A Tu Si

ونقف بخاصة أمام الموشحات التي كانت نتاج عصر ملوك الطوائف، ولولاها لتأخر نشوء الآداب الغربية قرونا كثيرة. والحق أن ظهور الموشحات ببلاد الأندلس هو عنوان تقدم العرب.  ومن منا لا يتذكر حكايات يوسف الرمادي الذي كان يتتبع فوق قنطرة الوادي الكبير بإشبيلية جارية إسبانية أحبها أول نظرة بسوق العطارين.

3 ـ في مجال العلوم

وفي المجال العلمي عرفت الساحة الأندلسية في العصور الوسطى ظواهر حضارية في غاية من الرقي و التقدم. ويتعلق الأمر بالمعاهد العلمية المشتركة التي كانت تحتضن اليهود والنصارى والمسلمين في آن واحد حيث يَتَلقى الحاضرون مختلِف العلوم باللغة العربية التي يفضلونها.

فقد ذكر لسان الدين ابن الخطيب في كتابه “الإحاطة”، عن العالم الغرناطي عبد الله بن سهل الذي كانت له مدرسة في مدينة بياسة في عام 553 هـ.=1158 م، وكان يحضر دروسه في الفلسفة والعلوم الرياضية جمع كبير من المسلمين و النصارى و اليهود. وتحدث بعده المقري في كتابه “نفح الطيب” عن الأستاذ محمد بن أحمد بن أبي بكر القرموطي الذي كان له مجلس بمرسية يحضره المسلمون و النصارى و اليهود على السواء، يلقن فيه أنواع العلوم القديمة: المنطق والهندسة والطب والموسيقى. أكثر من هذا، لما عادت مرسية إلى حكم النصارى، قدر الحاكم الجديد، للأستاذ القرموطي الدور العظيم الذي كان يؤديه، فبنى له مدرسة تابعت عملها في تلقين المسلمين و النصارى و اليهود.

لقد فضلت أن أكتفي بهذه الشواهد الإيجابية و النماذج الحية من الحوار الحضاري العربي الإسباني، اقتبسناها من مصادر عربية أندلسية لأرسم صورة  تقريبية لمدى تأثير البعد الثقافي على التعاون بين الأمم و الشعوب والتعايش بين العناصر المتساكنة  بالأراضي العربية والإسبانية في شبه الجزيرة الإيبيرية.

د. سعيد بلحرش

جامعة عبدالملك السعدي، تطوان