في إطار الندوات العلمية التي ينظمها مركز دراسات الأندلس وحوار الحضارات حول قضايا تتعلق بالتواصل الحضاري، ألقى الدكتور حسن الوراغلي، أستاذ الدراسات الأندلسية بجامعة أم القرى بمكة المكرمة وجامعة عبدالملك السعي بتطوان، محاضرة تحت عنوان

“التواصل الحضاري بين المسلمين وأهل الذمة في آثار فقهاء الأندلس”، وفيما يلي النص الكامل للمحاضرة.

ثمة ظاهرة وسم بها المجتمع الأندلسي على تعاقب عصور الحكم الإسلامي في شبه الجزيرة الإيبيرية تمثلت في تشكله من (فسيفسائية) بشرية ذات تعددية عقدية ، ولغوية ، وثقافية .

وليس من شرطنا ، هنا ، أن نفصل القول في التعريف بالعناصر البشرية التي جسدت هذه (الفسيفسائية) ، وبحسبنا أن نشير إلى أن أبرزها ثلاثة،كل منها أسهم بقدر في نسجها، وهي : العنصر الإسلامي ، والعنصر النصراني ، والعنصر اليهودي .

على أننا نرى ضرورة تفصيل القول ، في هذا التمهيد، عن العوامل التي أثرت، بقدر أو بآخر، في إرساء أسس تواصل حضاري انتظم العناصر البشرية الثلاثة وكان له آثار بعيدة الغور في حياتها الدينية والاجتماعية . ومن يستقرئ تاريخ الفتح الإسلامي للأندلس ، ويتأمل مجرياته ووقائعه ، ثم ينظر فيما استقر عليه وضع المجتمع وقد تشكل في ظل الحكومة الإسلامية من عناصر بشرية متعددة أبرزها الثلاثة سالفة الذكر سرعان ما يلحظ أن عوامل ذلك كانت ذات طبيعة متعددة ، فمنها ما هو ديني ، ومنها ما هو اقتصادي ، ومنها ما هو ثقافي . غير أن تحليل بنية كل من هذه العوامل على حدة وتحديد منطلقاتها وغاياتها سيقود صاحبه إلى ملاحظتين إثنتين : أولاهما تداخل هذه العوامل فيما بينها بدرجة يعسر معها عزل أحدها عن الآخر . وثانيتهما هيمنة العامل الأول ـ أي العامل الديني ـ عليها جميعها ، دون استثناء أو محاشاة ، وأثره الجلي في تماسك بنية تلك (الفسيفسائية) والحفاظ على ألوانها ، قرونا متعاقبة ، زاهية تنبعث منها إيحاءات مفعمة بروح حضاري غني .

ولا شك يخامرنا في أن هذا العامل الديني كان يستمد مقوماته من (الأديان) الثلاثة المتساكنة والمتعايشة مع تعدد منظوماتها العقدية ؛ ومرد ذلك إلى أن أصحاب كل (دين) كانوا ـ ببواعث شتى لعل باعث (التدافع) أن يكون أهمها ـ لا يألون جهدا في الحفاظ على (لونه) المميز في النسيج الفسيفسائي للمجتمع ؛ بل كانوا ، بذات الوقت ، يعملون ، بأسلوب أو بآخر ، على توسيع (رقعته) داخل ذلك النسيج .

على أنه لا شك يخامرنا ، كذلك ، في أن أبعد (الأديان) الثلاثة أثرا في استقواء العامل الديني وأوفرها إسهاما في تمتين بنيته كان هو دين الإسلام لأسباب يتداخل فيها العقدي والمذهبي مع السياسي والاقتصادي ليس هذا محل بسط القول فيها ، ويكفي أن نشير ، هنا ، إلى سبب رئيس يتمثل في (عقد الذمة) الذي شرعه الإسلام وألزم المسلمين فيه ببر المعاهدين من أهل الكتاب والإقساط إليهم وفق ما نص عليه قوله تعالى : (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين)(1).

وليس من شرطنا كذلك ، هنا ، أن نفصل القول في أحكام الذمة ، ولكننا ، مع ذلك ، ونظرا لما في استبصار محتوى هذه الأحكام من انعكاس على تمثلنا للموضوع الذي نمهد له ، نحب أن نلم بمقتضيات عقد الذمة في بعده النظري عند الفقهاء ليسهل علينا ، بعد ، استجلاء تداعياته في بعده العملي عند خاصة الناس وعامتهم في المجتمع الأندلسي بالذات.

أما من حيث البعد النظري لعقد الذمة فإنه يرتكز على قاعدة أن أصحابه من أهل الكتاب الذين هم في جوار المسلمين وخفارتهم هم في ذمة الله تعالى ، وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم ، ودين الإسلام . ومن ثم جاءت مقتضياته تؤكد على المسلمين وجوب إيلائهم ضروبا من الرعاية تتمثل في  النصح لهم  في جميع أمورهم ، ما تعلق منها بدينهم من حيث الحفاظ لهم على معتقداتهم وكنائسهم وبيعهم ، وما تعلق منها بدنياهم من حيث صون أموالهم وعيالهم وأعراضهم وجميع حقوقهم ومصالحهم، وأن يعانوا على دفع الظلم عنهم ، وأن يرفق بضعيفهم ، وتسد خلة فقيرهم ، ويطعم جائعهم . ومن أخل من المسلمين بشيئ من حقوقهم ، أو اعتدى عليهم ولو بكلمة سوء ، أو غيبة في عرض أحدهم ، أو بأي نوع من أنواع الأذية ، أو أعان على ذلك فقد ضيع ذمة الله تعالى وضيع ذمة رسوله صلى الله عليه وسلم وذمة دين الإسلام . وكل هذه المقتضيات تحقق لأهل الكتاب ، ما نصحوا وأصلحوا ، المراد من عقد الذمة لهم ، وهو ما يمكن تشخيصه في عنصرين ذوي أثر بالغ في حياة الأفراد والجماعات ، وهما عنصرا (الأمان والتأمين) (2).

ومن المعلوم أن تداعيات عقد الذمة في الأندلس على أرض الواقع بدأت مع إطلالة فجر التاريخ الإسلامي بها ، وذلك حين تم أغلب الفتح لها صلحا وليس عنوة ،أي أن السكان بادروا فصالحوا الفاتحين على أرضهم لتكون لهم على أن يؤدوا عنها يسيرا من خراج معلوم ، ولذا احتفظ الألوف من الناس بضياعهم في أرض الأندلس بعد فتحها (وهم على دين النصرانية الروم)(3) . وهكذا خول لسكان الجزيرة الذين لم يشرح الله سبحانه وتعالى صدورهم للإيمان حقان إثنان بآن واحد : حق ديني ضمن لهم حرية المعتقد والعبادة ، وحق دنيوي صان لهم حرية التملك والتصرف . والحقان معا نص عليهما عقد الذمة الذي كتبه في رجب سنة أربع وتسعين من الهجرة عبد العزيز بن موسى بن نصير لتدمير صاحب أريولة . وفيه بعد البسملة : (من عبد العزيز بن موسى بن نصير إلى تدمير إنه نزل على الصلح ، وإنه له عهد الله وذمته أن لا ينزع عنه ملكه ، ولا أحد من النصارى عن أملاكه، إنهم لا يقتلون ولا يسبون : أولادهم ولا نساؤهم ، ولا يكرهون على دينهم ولا تحترق كنائسهم ما تعبد وما نصح)(4) . وفي مقابل الحقين ، حرية التدين وحرية التملك ،حددت الوثيقة المطلوب من تدمير ومن بقي من النصارى على نصرانيته في أداء جزية سنوية زهيدة وعدم موالاة عدو لهم .

ومن المعلوم والثابت تاريخيا أن هذا العقد سوى في هذه الحقوق بين كافة الذين أقاموا على دينهم من سكان الجزيرة ، عامتهم وخاصتهم ، الذين آثروا البقاء في ديارهم والعيش في كنف الحكم الإسلامي من أمثال (تدمير) الذي كتب باسمه العقد و(إخيلونا) زوجة (لذريق) التي صالحت ـ حسب ما روت المدونات التاريخية ـ عن نفسها ومالها وقت الفتح ، وباءت بالجزية ـ بعبارة المقري ـ وأقامت على دينها في ظل نعمتها قبل أن يبني بها عبد العزيز بن موسى بن نصير (5).

وإذا أضفنا إلى هذه الحقوق التي خولها عقد الذمة لأهل الكتاب من نصارى الأندلس ويهودها ـ والتي شملت ، كما رأينا ، حرية معتقداتهم وممارسة طقوسهم ، كما شملت حرية تصرفاتهم فيما تحت أيديهم من قليل أو كثير من أموال وأملاك مقابل ما يؤدون من جزية وما ألزم به عقد الذمة المسلمين من برهم والإقساط إليهم مما ضربنا له الأمثال ـ ما أضفي عليها أهل الحل والعقد ، ولاة وفقهاء ، من تسامح غامر مع المعاهدين تأسيا بفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في معاملته السمحة نصارى نجران(6) ويهود المدينة(7) وعملا بتوجيهاته الراشدة في ذلك(8)أدركنا ما نعلل به جملة أمور تقع عليها عين المرء وهو يبحث عن دواعي ما عرفه هذا المجتمع من تواصل حضاري بين مختلف عناصره البشرية . وأهم تلك الأمور إثنان:

– أولهما  تكاثر سواد أهل الذمة من نصارى ويهود في النسيج الاجتماعي بدار الإسلام بالأندلس، وكان منهم من أقام بها من أول يوم بعد الفتح مطمئنا على دينه وماله ، وكان منهم من غادرها إلى ممالك الشمال ، ثم ما لبث أن عاد مؤثرا الإقامة في كنف الحكومة الإسلامية حيث يبر به ـ ما لم ينقض العهد ـ ويقسط إليه في جو مغمور بروح التسامح .

– وثانيهما تزايد حرص أهل الذمة على تضييق رقعة المساحة بينهم وبين المسلمين ، فمن ذلك إقبالهم ، أو بالأصح : إقبال خاصتهم ـ من قسيسين ورهبان وربيين وغيرهم من المشتغلين بالعلم والأدب ـ على الثقافة العربية بتعلم لغتها ؛ بل وإتقانها ، والاطلاع على آدابها وأشعارها وإجادتها ، واستيعاب علمها ، وتمثل فكرها ، ومعرفة تراثها في غير مجال . ومن جهة أخرى ، وعلى وتيرة مطردة ، أخذ الخاصة والعامة ، على حد سواء ، بما كان تواضع عليه المسلمون في أسمائهم ، وأزيائهم ، وأعرافهم بما هو مستفاض الخبر ولا نطيل بالتمثيل له .

ولا مرية في أن هذا وذاك ـ أي حرص المسلمين على البر بأهل الذمة والإقساط إليهم من جهة؛ بل تخطي بعضهم ، أو إذا شئت قلت : غالبيتهم ، لدواع ذاتية حينا ، وموضوعية حينا آخر ، حدود البر والإقساط والتسامح إلى مستوى من العلاقة بهم منهي عنه شرعا وهو مستوى التودد والولاء(9) ، وحرص هؤلاء على الانخراط في المناخ اللغوي ، والثقافي ، والاجتماعي لأولئك ، من جهة أخرى ـ أسهما ، بوتيرة موصولة غير مقطوعة ، في تماسك ذلكم التواصل الحضاري بين المسلمين وأهل الذمة .

ولعل فيما عرضناه ، وعودا على بدء ، ما يبلور لنا ، وفي ضوء المفهوم الإسلامي للدين الذي ينتظم في حلقة واحدة العقيدة ، والشرعة ، والمنهاج ، استيعاب العامل الديني لسواه من العوامل

الأخرى ، ذاتية كانت أو موضوعية ، وهيمنته عليها مما يسوغ لنا معه القول بأن هذا العامل ـ في صورة عقد الذمة باعتباره عقدا غير مجدد بوقت ما لم يوجد ما ينقضه مع ما أحاطه به مسلمو الأندلس،وفي طليعتهم أهل الحل والعقد من الولاة والفقهاء،من تسامح غاية في التحفي والمراعاة ـ كان هو الذي حفظ على تلك (الفسيفسائية) تماسكها عصرا بعد عصر ، وكان هو الذي أفرز ـ بمرجعيته العقدية والثقافية التي تكرس قيم العدل وترسخ مبادئ التسامح ـ ما ربط بين مكوناتها البشرية ذات التعددية الدينية ، واللغوية، والثقافية من تواصل حضاري تحقق به التعارف بين أفرادها وجماعاتها والتعايش بين عقائدها ودياناتها .

ولا بأس ـ قبل أن ننظر في شواهد من هذا التواصل في فضاء له يعج ، في جانبيه (النظري) و(العملي) ، بحركة ونشاط موصولين ـ أن نجلي مرادنا بوصفنا إياه ب(الحضاري) . ولعله مما لا يحتاج إلى توضيح أن أي تواصل ينم عن تفاعل ، بنسبة أو بأخرى، متبادل بين طرفين إثنين . ومن هنا أمكن القول بأن هذين الطرفين مثلما أنهما مشتركان في فعل (التواصل) ، بحظ أو بآخر ، هما مشتركان كذلك في صفته أيا كان محتوى هذه الصفة ، بحظ أو بآخر كذلك . ولعله مما لا يحتاج كذلك إلى توضيح أن المسلمين حين كانوا يتواصلون مع أهل الذمة في الأندلس كانوا يفعلون مدفوعين بتعاليم دينهم في وجوب بر هؤلاء والإقساط إليهم ، أي إنصافهم والإحسان إليهم ، بما اجتهد الفقهاء في تعيين حدوده وتبيين وجوهه مما أسلفنا الإشارة إليه ، وهي ـ أي الوجوه والحدود ـ جميعها ذات صبغة حضارية ، ويكفي أن نمثل منها ، هنا ، ب(النصح لهم في دينهم ودنياهم) فلا جرم أن خطاب النصح إذا تعلق بهذا وذاك ـ أي بالدين والدنيا ـ  وبذل بخلوص نية وشفوف توجه تحقق به غير مقصد من مقاصد الحضارة ولاسيما المتمثل منها في تنمية قدرات الإنسان الروحية ، وصقل طاقاته الإبداعية ، وترشيد مواقفه الفكرية والسلوكية مما ينعكس ،إيجابا ، على استقرار روحي مسالم يتحقق للإنسان في توازن مع استيطان مادي له متسامح .

وأما أهل الذمة فهم حين كانوا يتواصلون مع المسلمين في الأندلس كانوا يفعلون ، سواء أساد أجواء التواصل ائتلاف أم (عكرها) اختلاف ، مدفوعين بالرغبة في التعرف على النموذج الحضاري الإسلامي ـ وهو الذي كانت تبلوره ثقافة المسلمين بمستوييها النظري والعملي ، أي في معارفهم وسلوكياتهم ـ لاستيعابه إما لتمثله عند طائفة ، أو لنقده عند أخرى ، وهم بهذا أو ذاك اكتسبوا حق الشراكة في صفة (الحضاري) للتواصل الذي ربط بينهم وبين المسلمين .

*              *            *

ولنا ، بعد هذا ، أن نتساءل عن شواهد هذا التواصل الحضاري بين المسلمين وأهل الذمة ، ما نصوصها المصدرية؟ وما قيمتها الوثقية؟ وما فائدتها التاريخية؟

توزعت نصوص هذه الشواهد مصادر مختلفة مما وصلنا من آثار الأندلسيين،فلئن اهتم مؤرخوهم  بتسجيل شواهد من حركة التواصل الحضاري بين المسلمين وأهل الذمة ، ولئن اهتم أدباؤهم ، من شعراء وكتاب ، بتسجيل شواهد أخرى من ذلك التواصل(10)لقد اهتم فقهاؤهم كذلك بتسجيل شواهد من ذلك التواصل في آثارهم المختلفة من كتب حوار وجدل دينيين ، ومجاميع نوازل وفتاوى ، ومصنفات شروط ووثائق ، وتآليف حوادث وبدع ، وكتب حسبة وسوق ، وما أشبه هذه وتلك .  ومن الحق أن آثار الفقهاء هذه احتفظت لنا بنصوص مصدرية لموضوع التواصل بين المسلمين وأهل الذمة ليست تقل أهمية عما احتفظت لنا منها مدونات المؤرخين ومنشآت الأدباء من حيث القيمة الوثقية والدلالة الحضارية ؛ بل إن سياقها الديني وسمها بميسم موضوعي مجرد تنتفي معه أية ريبة في نزعة تعصب أو انحياز .

*          *         *

ثم لنا ، بعد هذا وذاك ، أن نتساءل عن شواهد هذا التواصل الحضاري بين المسلمين وأهل الذمة،ما طبيعتها المضمونية؟ وما تجلياتها الإجرائية؟ وما معطياتها الروحية والمادية على الحياة الدينية ، والاجتماعية ، والثقافية ، والحضارية في مجتمع متعدد الوجه ، والمعتقد ، واللسان ؟

إن فضاء التواصل الحضاري بين مسلمي الأندلس وأهل الذمة فضاء مترامي الأطراف ، شاسع الآفاق ، استوعب غير جانب من جوانب حياة هؤلاء وحياة أولئك دينية وغير دينية ، ومادية وغير مادية . ولعل فيما رصدناه من نصوص (نظرية) وأخرى (إخبارية) في آثار فقهاء الأندلس ما يضوئ لنا أفقين إثنين ، أفق مناظرة وأفق معاملة ،من آفاق ذلكم الفضاء الحضاري الوسيع الرحيب ، ويجيب ، في الآن عينه ، عن تساؤلاتنا السابقة حول مضامين شواهده ومعطياتها على حياة المجتمع الأندلسي وحضارته .

*          *          *

أ ـ أفق مناظرة

وهو أفق يطالعنا بغير مشهد من التواصل الحضاري بين علماء الدين من المسلمين  ومن أهل الذمة تتمثل في تلاقي هؤلاء بأولئك للمناظرة في قضايا عقدية ، والمجادلة في إشكاليات دينية كانت لها انعكاسات ملحوظة على حياة الأندلس العلمية والتثقيفية .

ولعله أهم ما ينبغي التذكير به ـ قبل وصفنا أفق المناظرة في فضاء التواصل الحضاري بالأندلس ـ أن من أبرز آثار التعايش بين المسلمين وأهل الذمة من نصارى ويهود داخل المجتمع الأندلسي كان ظهور ما يمكن نعته ب(الازدواجية) اللغوية لدى أفراد هذا المجتمع بمختلف فئاتهم ، خاصة وعامة . وليس يعنينا ، في هذه الفقرة بالذات ، الاستدلال على معرفة العامة ، من مسلمين وأهلل ذمة ، باللسانين : العربي و(العجمي)، ولكن يعنينا ، هنا بالذات ، الاستدلال على معرفة فئة بعينها في المجتمع الأندلسي ، هي فئة العلماء من المسلمين ومن أهل الذمة باللسانين المذكورين ؛ بل ربما ثلثهما بعضهم ب(العبري) . أما بالنسبة لأهل الذمة ، نصارى كانوا أو يهودا ، فقد كان اللسان العربي يمثل عندهم المثل الأعلى للغة العلم، والفكر ، والأدب ؛ لذلك اشتد إقبالهم على تعلمها ، وعظم حرصهم على إتقانها مما كفانا مؤنة تصويره في أوساط النصارى الراهب (ألفارو) القرطبي حين رفع عقيرته يستنكر على النصارى إفراطهم في التعلق بالعربية وشغفهم بأدبها وكتبها : (…إننا لا نرى غير شبان مسيحيين هاموا حبا باللغة العربية ، يبحثون عن كتبها ويقتنونها ، يدرسونها في شغف ويعلقون عليها ويتحدثون بها في طلاقة ويكتبون بها في جمال وبلاغة ، ويقولون فيها الشعر في رقة وأناقة . ياللحزن ، مسيحيون يجهلون كتابهم وقانونهم ولاتينيتهم ، وينسون لغتهم نفسها لأن الفصاحة العربية تسكرهم ، ولا يكاد الواحد منهم يستطيع أن يكتب رسالة معقولة لأخيه مسلما عليه ، وتستطيع أن تجد جمعا لا يحصى يظهر تفوقه وقدرته وتمكنه من اللغة العربية)(11) . أما في أوساط اليهود فيكفي أن نشير إلى أن غير واحد من علمائهم وأدبائهم كانت يده تنطلق ، ومثلها لسانه ، بما لا يقصر فيه ـ كما وصف ابن النغريلة ـ عن أوسط كتاب الإسلام(11م) .

والحق أن الشواهد على معرفة علماء النصارى واليهود ، من قسيسين ورهبان وأحبار ، باللغة العربية فوق الحصر ، وكان غالبية هؤلاء وأولئك ـ وبدوافع دينية بدرجة أولى ـ يستثمرون معرفتهم بها في ترجمة كتب المسلمين في العلوم النقلية والعقلية ، ومن هؤلاء طائفة التقى ببعض أفرادها الفقيه أبو علي الحسين ابن رشيق في مرسية وذكر أنهم كانوا وردوا عليها يشرئبون (للنظر في علوم المسلمين وترجمتها بلسانهم)(12) كما التقى فيها بقسيس من بلاد مراكش نوه بفصاحة لسانه وتصرفه في الكلام العربي(13) . كما أن بعضهم الآخر كان ـ وبنفس الدوافع المشار إليها آنفا ـ بستثمر معرفته بالعربية في ترجمة كتبهم الدينية إلى العربية ، وقد عرفنا منهم الراهب ميخائيل بن عبد العزيز الذي نقل الإنجيل إلى العربية(14) . أما اليهود فقد أتقن علماؤهم اللغة العربية إتقانا استطاع معه غير واحد منهم تأليف مصنفاتهم العلمية بها وكذا منشآتهم الأدبية (15) كما أنهم بفضل معرفتهم الجيدة باللغة العربية كانت لهم مشاركة ملحوظة في حركة الترجمة من العربية إلى اللاتينية تلك التي نشطت في مختلف الحواضر الأندلسية مثل قرطبة وطليطلة في عهود الحكم الإسلامي وكذلك في عصور االدجن(16).أما المسلمون فهم مع وعبهم بغناء لغتهم العلمي وثرائها الأدبي فقد كانوا يعنون ـ مدفوعين هم كذلك بالدافع الديني ـ بتعلم لغات القوم من لاطينية وعبرية وغيرهما . ومن شواهدنا على ذلك ما أخبر به موسى بن عزرا ـ في معرض حديثه حول صعوبة الترجمة ـ عن عجز عالم مسلم ، لم يعين اسمه ،في ترجمة إحدى قصار السور إلى اللغة اللاتينية مع معرفته ، وهذا محل الشاهد ، بهذه اللغة وتمكنه منها (17) ومن ذلك ما أخبر به ابن الخطيب عن أبي بكر محمد بن أحمد الرقوطي المرسي (ت 758هـ) من أنه كان (آية الله في المعرفة بالألسن ، يقرئ الأمم بألسنتهم فنونهم التي يرغبون في تعلمها)(18) وكذلك ما أخبر به عن الوزير النصري أبي عبد الله محمد بن علي بن عبد الله المعروف بابن الحاج من أنه (كان طرفا في المعرفة بأحوال الروم وألسنتهم)(19) .

ومن المؤكد أن هذا الأفق من فضاء التواصل الحضاري بين المسلمين وأهل الذمة عرف ، في مختلف مدن الأندلس ، في عصورها الإسلامية ، وفي عصور الدجن كذلك ، مجالس كانت تنتظم لهذه الغاية وتعقد . غير أن ما وصلنا من أخبارها ضئيل ليس يعدل ما كانت أجواء التعايش والتسامح تقتضيه من وفرة في عددها وكثرة في روادها . ومع ذلك فقد اجتهدنا في جمع إشارات ذات صلة بها أو بأصحابها متناثرة في آثار الفقهاء نفيد منها في إلقاء أضواء على أماكنها ، وأعدادها ، والمشاركين فيما كان يجري في رحابها من مجادلات ، وهلم جرا .

أما أماكن انعقادها فيمكن القول بأن أبرزها :

أ ـ منازل العلماء أو غيرها من الأمكنة التي يجلسون فيها ، من مثل الدكاكين ، للإقراء أو المذاكرة . وقد عرفنا من هذه المجالس مجلس ابن حزم ، وقد أشار إليه هو نفسه حين ذكر نصرانيا كان يعارضه في بعض آرائه ، فقال عنه (وكان يتكرر على مجلسي)(20) ومجلس أبي إسحاق الشاطبي الذي يبدو أن بعض اليهود كانوا يختلفون إليه لمجادلة الشيخ في بعض أمور العقيدة(21).

ب ـ مجتمع الرهبان بكنائسهم ، وقد كان المسلمون يغشونها بدواع مختلفة من مشاهدة آثار ، أو طلب استطباب ، أو مشاركة في حفلات مما فصلناه في عمل آخر(22) أو الحضور على يمين وجبت على نصراني لمسلم في حق حكم شرعي عليه بها (23) أو النزول بها للاستراحة من السفر (24) فقد كان من شروط عقد الذمة على النصارى ـ كما نص على ذلك ابن حزم ـ ألا يمنعوا المسلمين من الحلول بكنائسهم وبيعهم ليلا ونهارا ، ويوسعوا أبوابها للنازلين منهم بها ، ويضيفوهم (25) . وكان هذا وذاك مما يتيح فرص اللقاء وإثارة موضوعات للحوار في مجالس تلتئم لهذا الغرض . وقد عرفنا منها مجلس المناظرة الذي انعقد في مجتمع الرهبان (بدار كان لهم فيها كنيسة يعظمونها) بمرسية(26) .

كما أننا لم نعرف عدد هذه المجالس ، ومن العسير تقدير هذا العدد ، ولكن يستفاد من هذه الإشارة أو تلك مما وقعنا عليه في أخبار بعض المجادلين أو في أوصاف مجالسهم أنها كانت وافرة العدد، فابن حزم كانت له مع اليهود والنصارى ـ فضلا عن غيرهم من أولي المذاهب المرفوضة من أهل الإسلام ـ مجالس محفوظة وأخبار مكتوبة(27)،ويدل على وفرتها كذلك قول القسيس الذي جادل ابن رشيق في مرسية تعقيبا على ما كان هذا الأخير يقول له (قد سمعت هذا وناظرني به فلان)(28) .

كذلك فإننا لم نقع مما نقدر أنه كتب في وصف هذه المجالس إلا على وصف واحد مستوفى كتبه فقيه ، هو أبو علي الحسين بن رشيق ، وأودعه كتاب فقه ، هو كتابه (الرسائل والوسائل) ، واحتفظ لنا به كتاب نوازل فقهية هو كتاب (المعيار)(29) للونشريسي . وقد تضمن هذا الوصف معلومات عن موضوع المناظرة ، وأخرى عن المشاركين فيها ، وثالثة عن مجرياتها ونتائجها مما سنلم به في موضعه من هذه الفقرة . وشبيه بهذه المعلومات ، ولكنها أخصر وأوجز ، أمدنا بها عن مجلسيهما فقيهان آخران ، هما ابن حزم (30) والشاطبي (31) .

ومع أن مثل هذه الأوصاف تمكننا من تصور جوانب من أجواء مجالس المناظرة بين المسلمين وأهل الذمة ، بيد أننا ، مع ذلك ، رأينا في كتب الجدل التي ألفها فقهاء الأندلس(32) ـ وهي في حقيقتها مجالس تدور فيها ، على البعاد ، المناظرة بين عالم دين مسلم ورجل دين نصراني ـ مادة غنية نفيد منها في استجلاء طبيعة الموضوعات التي كانت مدار المناظرة في تلكم المجالس ، وكذا طبيعة المناهج التي كان يتوسل بها المتجادلون في عرض أقوالهم وطروحاتهم .

ومن المؤكد أن الموضوعات التي كانت المناظرة تجري حولها بين علماء المسلمين وعلماء أهل الذمة كانت ثمرة دواع لا شك في تباينها من هذا الطرف إلى ذاك ؛ غير أنه بوسعنا القول بأن أهم داع كان يحمل كلا منهما على ذلك يتمثل في عرض منظومته العقدية على الآخر ، سالكا مسلك الدفاع عن عقيدته بقصد إقناعه بسدادها والنقد لعقيدة الآخر بقصد إقناعه بالعدول عنها ، فالنصارى كانوا يعرضون عقائدهم ويدافعون عنها من جهة ، ويثيرون شبهات وأباطيل حول عقائد المسلمين ، بينما كان هؤلاء يعتبرون مجادلة أولئك بتبيين ما في دينهم من الفساد والأوهام وإظهار محاسن دين الإسلام وصحة عقائده (من قبيل تبليغ إقامة حجة الله تعالى ، ومن قبيل رسالات الرسل ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وهو ما يجب أداؤه على من يكون قادرا عليه إحقاقا للحق وإقامة للحجة الإسلامية)(33).

وهذا الداعي المحوري للمناظرة هو الذي حدد مداراتها الموضوعية التي انتظمتها قضايا في أمور العقيدة ، ومسائل المعجزة ، والشبهات المثارة حول الإسلام.

ونمثل لذلك بما جادل به أبو جعفر أحمد بن عبد الصمد الخزرجي (519 ـ 582 هـ) قسيسا طليطليا في عقيدة  التثليث ، والصلب ، والفداء (34) وكذلك بما جادل به أحمد بن عمر الأنصاري القرطبي (578 ـ 656هـ) أحد علماء أهل الذمة من النصارى في موضوع عقيدتهم في الأقانيم الثلاثة ، وهي الأب والإبن وروح القدس (35) ، وعقيدتهم في الاتحاد والتثليث والحلول(36) مما ضمنه العالم النصراني كتابا سماه (تثليث الوحدانية) وبعث بنسخة منه إلى قرطبة (37) .

ونمثل للجدل حول المعجزة بما أفرده بها الخزرجي في (مقامع الصلبان)(38)، والقرطبي في (الإعلام)(39) ، وابن رشيق في مجادلته أحد الرهبان في مرسية(40) .

ونمثل للشبهات التي كان يثيرها بعض رجال الدين النصارى حول الإسلام  بشبهة انتشار الإسلام بالقهر وبالسيف ، وشبهة إباحة الإسلام للطلاق وتعدد الزوجات ، وقد جادلهم فيها غير واحد من فقهاء المسلمين مثل الخزرجي سالف الذكر(41).

أما الضوابط المنهجية التي كان المشاركون في مجالس المناظرة ، من مسلمين وأهل ذمة ، يتوسلون بها فيظهر مما وقع لنا من نصوصها أنها لم تكن على نمط واحد ، فقد كان هؤلاء وأولئك بتوسلون بغير منهج حسب ما لدى كل من زاد علمي تغلب عليه الرواية ، أو تطغى عليه الدراية ، أو يزوجه صاحبه رواية ودراية . وحقا أننا وجدنا من الفقهاء المشاركين في مناظرة النصارى من مثل أبي جعفر الخزرجي من كان يجنح في مجادلته إلى الدليل النقلي ، وربما كان مرد ذلك إلى اشتغاله ، بدرجة أولى ، برواية الحديث (42) ، لكننا نجد كذلك منهم من كان يعتمد ، أحيانا ، الحجة العقلية مكتفيا بها في إقناع مجادله ، وإفحامه ، وإظهار الحق لعيانه ، ونمثل لذلك ب(الشاطبي) في هذا النص الذي سجل لنا فيه مجادلة جرت بينه وبين يهودي ممن يشتغلون بالعلم ، قال : ( وقع يوما بيني وبين بعض من يتعاطى النظر في العلم من اليهود كلام في بعض المسائل إلى أن انجر الكلام إلى عيسى عليه السلام ، فأخذ ينكر خلقه من غير أب ، ويقول : وهل يكون شيئ من غير مادة ؟ فقلت له بديهة: فيلزمك إذن أن يكون العالم مخلوقا من مادة وأنتم ـ معشر اليهود ـ لا تقولون بذلك ، فأحد الأمرين لازم ، إما صحة خلق عيسى من غير أب وإما بطلان خلق العالم من غير مادة “فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الظالمين”)(43) ، ووجدنا منهم من يسلك ، حينا ، مسلك الدليل العقلي والبرهان الأصولي حتى إذا رأى أن هذه وتلك لم يجديا نفعا تحول إلى الحجة النقلية ، ونمثل لذلك بفعل ابن رشيق مع مجادله الراهب الذي أثار شبهة حول معجزة القرآن بمقارنتها بببيتين تحدى بهما الحريري في إحدى مقاماته أن يؤتى لهما بثالث مما خلص منه المجادل النصراني إلى القول بأن ما تقرر عند جمهور المسلمين في حق القرآن مسلما ينبغي أن يكون ما أتى به الحريري أيضا في هذا الموضع معجزة)(44) . قال ابن رشيق :(…فأدركني والله انبعاث عظيم للزيادة على البيتين لم أر آكد علي منه في الوقت ولا ألزم لذلك المخزي منها . فأخذت أبدي له الفرق بين المسألتين بطرائف البراهين الأصولية  والأقاويل العلمية وخاطري مشتغل بالتفرغ للزيادة عليهما … فقلت له : “أنا أذكر بيتا ثالثا لهما ولا أذكر الآن قائله” ، ولم أر أن أنسبه لنفسي في الوقت لأني قدرت أنه إن فعلت ذلك لا يقع منه موقعا مؤثرا ، ثم أنشدته :

والـمهر مهرالحور وهو التــقى             بادر البكرة والمهرمـــــــــــه

فلما سمعه وأعدته عليه حتى فهمه فكأنما ألقمته حجرا ورأيت فيه من الانكسار ما لم أره عند سماع الحجج العقلية والمآخذ الأصولية)(45) .

وإلى هذا وذاك وجدنا الفقيه الأندلسي يتوسل في مجادلته علماء أهل الذمة بأسلوب آخر يقوم على الجمع بين المنقول والمعقول ، وغالبا ما يكون المنقول من الإنجيل أو التوراة مشفوعا بالأدلة العقلية. ولعل خير من يمثل هذا المنهج ابن حزم ، فقد كان يحرص على إيراد نصوص من الإنجيل أو التوراة يحللها تحليلا علميا عميقا يدل على معرفة واسعة بها وبمصادرها ، ثم يورد في إثرها أدلة عقلية يبطل بهذه وتلك مزاعمهم ودعاواهم (46 ) . وهذا مثال نسوقه من مجادلة له مع قاض نصراني يبلور لنا منهجه ذاك ، قال : (وعارضني يوما نصراني كان قاضيا على نصارى قرطبة في هذا ، وكان يتكرر على مجلسي ، فقلت له : أوليس فيما عندكم من الإنجيل أن المسيح صلى الله عليه وسلم قال لتلاميذه ليلة أكل معهم الفصح ، وفيها أخذ بزعمكم ، وقد سقاهم كأسا من خمر ، وقال : “إني لا أشربها معكم أبدا حتى تشربوها معي في الملكوت عن يمين الله تعالى” . وقال في قصة الفقير المسمى “العاذار” الذي كان مطرحا على باب الغني تلحس الكلاب جراح قروحه ، وأن ذلك الغني نظر إليه في الجنة متكئا في حجر إبراهيم صلى الله عليه وسلم فناداه الغني وهو في النار “ياأبي إبراهيم ، ابعث العاذار إلي بشيئ من ماء يبل به لساني” . وهذا نص على أن في الجنة شرابا من ماء وخمر ، فسكت النصراني وانقطع . وأما التوراة التي بأيدي اليهود فليس فيها ذكر لنعيم في الآخرة أصلا ولا لجزاء بعد الموت ألبتة)(47).

وكذلك كان من المجادلين النصارى من يمزج بين البدائه العقلية والنصوص النقلية في مجادلة المسلمين ، ونسوق لك ، للتمثيل ، هذا النص ، على طوله ،من كلام القسيس المراكشي الأصل الذي ناظر به ابن رشيق بمرسية في موضوع المعجزة :(…قال لي : “أنتم تقولون : إن من أعظم معجزات نبيكم القرآن العظيم الذي بأيديكم”. قلت :”نعم” . قال : ” وأنا لا أتكلم معك في غيره ، وأنتم تقولون إن نبيكم تحدى به العرب قاطبة في أحفل ما كانوا من الفصاحة فعجزوا ، وإن هذه النكتة هي أوضح نكث الإعجاز وأجلاها وأبقاها على الدهر بحيث يقف عليها المتأخر كما وقف عليها المتقدم ، ويستوي في التوصل إليها الخاص والعام ” . قلت : نعم . قال : “وأنتم تقرؤون فيه (فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار)، وذلك في آية التحدي ومعرض التعجيز، وتقولون إن نفي المستقبل الذي في قوله (ولن تفعلوا) وهو النص على أن ما كان من العجز عنه في الوقت باق فيما بعد ذلك إلى باقي الدهر” قلت : نعم . قال : ثم لم يبق معارض واحد في الوقت ، ثم مضت السنون والأحقاب ، وانقرض لسان العرب الصحيح ، واستولى عليه الفساد ، أقمتم الإعجاز وصح ذلك النفي المتقدم وجود أو صدق الخبر الخبر رأيتم أنه لم يبق للمعارضة مظنة تقدير وأن المتأخر في هذا حصل على ثلج اليقين من المتقدم” . قلت له: “أما هذا فلا أقول فيه إلا أن الأمر استمر على ما كان عليه أول ولا يزيد المتقدم على المتأخر ولا المتأخر على المتقدم ، والحق إذا ظهر من وجه واحد في وقت ما لا تزيده كثرة الوجوه صحة ولا تدفع عنه شبهة ، ولكن هذا واقع في الوجود كما قلت ، فما تريد أن تبني على هذا؟” فقال : “تعالى الله عن قوله ، ونزه الوحي الكريم عن تخييلاته . اسمع الآن ما أقوله ، ولا تفهم عني أني أريد به أن أحدا عارض القرآن أو أتى في ذلك يوقع في النفس احتمالا . لا والله ، لا أقول ذلك ولا أدعي ما لم يقل به أحد من أهل ملتكم أو غيرها ، ولكني أقول شيئا آخر افهمه عني وتثبت فيه فإنه موضع نظر ، في نفسي منه شيئ ، ولم أجد من أهل ملتكم أحدا يزيل عنها على كثرة سؤالي عنه لكل من توسمت فيه المعرفة منكم . وذلك أن الكتاب المسمى ب”المقامات” قد أجمع أهل ملتكم على أن أهل الأدب عجزوا عن معارضته ، وكل من تعرض لذلك لم يأت بشيئ يقاربه ولا يقع موقعه . ثم إن مؤلفه مع ذلك تحدى أهل اللسان قاطبة بشيئ منها رأى أنه لا يؤتى بمثله ، وزاد إلى ذلك بأن صرح بنفي الإتيان بمثله في المستقبل تصريحا ل يمكن إنكاره ، وذلك قوله في المقامة السادسة والأربعين أنشد البيتين المطربين اللذين أسكتا كل نافث وأمنا أن يعززا بثالث ، فأنشده :

سم سمة يحسن آثــــــــارهـا        واشكر لمن أعطى ولو سمسمـــه

والمكر مهما استطعت لا تاتيه         لتنتقي السؤدد والمكرمـــــــــه

وقد مضت بعد الإعصار وانقضت الآجال فلم يأت أحد لهما بثالث كما قال لا في صره ولا بعد عصره على كثرة درس الناس لها وتداولها في مجالس المذاكرة ومحافل الأمراء واشتهارها في الأمصار . فعلى ما تقرر أولا وجدناه عند جمهوركم في حق القرآن مسلما ينبغي أن يكون ما أتى به الحريري أيضا في هذا الموضع معجزة وإن لم يرد هو ذلك ولا قصد هذا المقصد الذي نحن بسبيله ، لكنه قد وقع ذلك في الوجود اتفاقا ووقع وقوعا لا مرية فيه وأنتم مع ذلك لا تقولون إنه نبي ، ولا يمكنكم قول ذلك ولا أنا أريده ، ولكن أريد أن هذا أمر قد وقع لمن حصل التسليم منكم فيه أنه غير نبي .ولا يمكنكم قول ذلك ولا أنا أريده ، ولكن أريد أن هذا أمر قد وقع لمن حصل التسليم منكم فيه أنه غير نبي . فما الفرق بينه وبين ما كنا بسبيله أولا ؟ اللهم إلا أن نستعين على ذلك بقرينة أخرى أو بقرائن من غير القرآن ، فتكون حينئذ قد جعلت القرآن غير مستقل بإثبات نبوءة نبيكم وليس هذا قول أئمتكم”)(48)

*          *         *

ولعل مما يزيد من معرفتنا بأجواء مجالس المناظرة استجلاء بعدين رئيسين وجوهريين في شخصية المشارك فيها ، ذاناك هما البعد العلمي والبعد الخلقي .

ويمكن القول بخصوص البعد الأول بأن جميع من عرفنا ، في آثار الفقهاء ، من المشاركين في مجلس المناظرة من مسلمين وغير مسلمين ، على حد سواء ، كانوا من أهل العلم ذوي الاطلاع على منقوله ومعقوله . على أن ثمة سمة علمية شكلت قاسما مشتركا بين هؤلاء وأولئك نظن ظنا أن تجليتها يغنيننا عن إفراد كل من المشاركين في هذه المجالس بالحديث عما كان يتقن من علوم ، ويجيد من معارف . والسمة المشتركة بينهم جميعا ـ حسب آثار الفقهاء التي نستقي منها وهو ما يتطابق مع ما نعرفه عن بعضهم من مصادر أخرى أو من خلال أعمالهم وكتبهم ـ تتمثل في معرفتهم بالنصوص الدينية المصدرية وحذقهم لها ، وقيامهم عليها ، وبصرهم بها . ومن ينظر إلى مجادلات ابن حزم ، والخزرجي ، والقرطبي يجدها جميعها تحفل بالنصوص الدينية المصدرية من القرآن ومن الإنجيل والتوراة،كما أن من ينظر إلى كلام القسيس الذي جادل به ابن رشيق المرسي يلاحظ  ما أبداه مما يدل على معرفته بالنص القرآني ، يتلو منه عن ظهر قلب ، ويتحدث عما يقوله المسلمون عن إعجازه(49).

وأما البعد الثاني ، وهو البعد الخلقي ، فيختلف عن البعد العلمي في كونه غير مستوعب ، مثل سابقه ذاك ، بصورة متكافئة متوازنة ، شخصيات المشاركين في المناظرة من المسلمين وأهل الذمة . فالمجادلون المسلمون يمكن القول بأنهم كانوا يصدرون ، أول الأمر ، عن مرجعية نظرية سندها أمر شرعي يلزمهم بوجوب التحلي بحسن الخلق بما يستلزمه من وجوب سلوك مسلك الحسنى في مجادلة أهل الكتاب ، وهو قوله تعالى(ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم)(50) وقد فسر أحد أعلامهم ، وهو ابن حزم ، معنى الأمر الإلهي (بإيجاب المناظرة في رفق وإنصاف في الجدل وترك التعسف والبذاء والاستطالة إلا على من بدأ بشيئ من ذلك)(51) . وما نحسب أن أحدا ممن عرفنا من الذين كانوا يشتركون من فقهاء الأندلس في مجادلة أهل الكتاب كان يبيت النية ، وهو يتأهب للمناظرة ، لسلوك غير ما أمر به الله سبحانه وتعالى في مجادلتهم ، يدلنا على ذلك ما نجد بعضهم يعرب عنه في فاتح كلامه من اعتزامه التمسك بأمر الشرع في مجادلة أهل الكتاب على نحو ما نقرأ عند القرطبي يخاطب مجادله بقوله (لتعلم يا هذا المنتسب لدين المسيح أني أجاوبك ـ إن شاء الله تعالى ـ بمنطق عربي فصيح ، أسلك فيه مسلك الإنصاف ، وأترك طريق التعصب والاعتساف)(52).

غير أن الملاحظ في جل ما وقفنا عليه من مجادلات المسلمين لأهل الذمة أنه لا يخلو من تشنج وغلظة تناقضان ما أمر به أصحابه من حسن الخلق ولزوم جادة الحق والإنصاف . وتعليل ذلك ليس بالأمر العسير حين ينظر المرء إلى ما كان هؤلاء المجادلون يسمعونه من مجادليهم النصارى من شبهات وأباطيل حول عقائد المسلمين مما يتأكد به لديهم ظلمهم ، أي تحللهم من الشرط الأخلاقي الرئيس عند المجادل وهو طلب الحق والإذعان له إذا أسفر ، فعندئذ يعدلون عن أخلاقيات الجدل الإسلامية ويسلكون في مجادلتهم مسلكا فيه صرامة وشدة وعتب ولوم رأى بعضهم أنه (من كمال جدل المسلم لا من نقصه ، ومن أسباب سلامته لا من عيوبه لأنه في هذه الحال يدافع عن الإسلام)(53) .                                               أما المجادلون من أهل الذمة فيمكن القول بأنهم ـ حسب ما وقفنا عليه من أقوالهم التي احتفظت لنا بها كتب الجدل وغيرها ـ لم يكونوا ، في آداب الجدل وأخلاقيات المجادل ، سواء،  فمع أن أغلبهم كان ذا نغمة متشنجة ،متوترة و غاضبة ناقمة ، لا تتورع عن السباب والسخر إلا أنه من الإنصاف أن نسجل ، هنا ، بأننا لم نعدم فيهم من كان يتحلى أثناء المجادلة بأدب جم وخلق جميل ينعكسان على عبارته ، وفي مخاطبته ، وفي حسن إنصاته مما يسترعي انتباه مجادله المسلم ةيقع من نفسه موقعا حسنا لا يملك معه إلا أن يشهد لمجادله بما رآه منه من دماثة خلق وطيب قول  مثلما كان من ابن رشيق حين شهد للقسيس الذي جادله في موضوع المعجزة (بتأدبه مع القرآن عند ذكره وتعظيم النبي صلى الله عليه وسلم متى عرض له ذكر)(54) .                                            ولعل مما تكتمل به الفائدة من هذه الإشارة إلى صفات الشخصيات ا لمشاركة في مجالس المجادلة أن نضيف إليها إشارة أخرى سريعة بمن كان يرتاد هذه المجالس ويحضرها . ويستفاد من الآثار الفقهية أن غالبية رواد هذه المجالس من أهل الذمة كانوا قساوسة ، وقضاة عجم ، ومتعاطين للعلم من اليهود ، فقد حضر مجادلة ابن رشيق والقسيس بإحدى كنائس مرسية أربعة من الرهبان (55) ، وكان من رواد مجلس ابن حزم قاض نصراني كان يتردد عليه ويجادله فيما يقول ويعارضه ، كما كان من روادها المتعاطون للعلم مثل اليهودي الذي رأيناه يثير مع الشاطبي موضوع خلق سيدنا عيسى عليه الصلاة والسلام (56) . أما روادها من المسلمين فلم تعين لنا آثار الفقهاء التي نعتمدها في هذا البحث فئة منهم إلا أننا نقدر أنهم كانوا من الفقهاء والعلماء ، والطلاب والمشتغلين بالعلم بصفة عامة.

*           *          *

ب ـ أفق المعاملة

وهو أفق يطالعنا فيه غير مشهد من التواصل الحضاري بين المسلمين وأهل الذمة من خاصة وعامة يتمثل في تلاقي مختلف الفئات المتعايشة من هؤلاء وأولئك فيما بينهم بما يشمل حياتهم اليومية في جوانبها المختلفة من اجتماعي واقتصادي ، وغير اجتماعي واقتصادي مما يبلور في جملته ضروبا من التعايش يتخطى بها المسلمون والمعاهدون ما يرسمه عقد الذمة لهؤلاء وأولئك من حدود التعامل وفق قاعدة البر والإقساط وشرط الجزية إلى فضاء رحيب وسيع تجلله روح من التسامح الديني الغامر .

وقد تضمنت آثار الفقهاء ، على تنوع محتوياتها ، طائفة من (النصوص) التي تكشف لنا عن مناح من ذلكم التواصل الحضاري عبر ضروب من المعاملة الموصولة بين المسلمين وأهل الذمة في مجالات متعددة من حياة هؤلاء وأولئك خاصة وعامة .

ومن المعروف أن من جملة ما شمله عهد المسلمين لنصارى الأندلس من أول يوم على إثر نزول تدمير لهم على الصلح ألا يكرهوا على دينهم ولا تنزع منهم أملاكهم ، وهذا هو ما بلوره عقد الذمة لأهل الكتاب بالنصح لهم في دينهم ودنياهم . وفي هذا النطاق ، نطاق حرية المعتقد وحرية التملك ، خولت للنصارى ولليهود حقوق دينية ومدنية ، أو بعبارة ابن خلدون ، أحوال الملة الدينية والدنيوية . وأجلى مظهر للثانية تخويلهم حق تسيير مؤسسة تنفيذية بالغة الخطورة والشان في حياة الناس ، تلك هي مؤسسة القضاء التي أعطي أهل الذمة مباشرتها وتولي شؤونها بأنفسهم للفصل بين أفراد الذمة فيما ينشأ بينهم من تخاصم  حسما للتداعي ، وقطعا للتنازع ، ودفعا للظلم ، وتحقيقا للعدل وفق تشريعات أديانهم ومقتضى قوانين مذاهبهم ، فالنصارى كانوا يحكمون بما تضمن القانون القوطي (56)، وكان اليهود يحكمون بما في كتبهم الدينية(57) .

على أن أهل الذمة مع استقلال مؤسستهم القضائية كانوا يجدون أنفسهم ـ نظرا لتشابك المصالح وتداخل العلائق بينهم وبين المسلمين ـ ملزمين للمثول بين أيدي قضاة المسلمين لفض ما ينشأ ،بحكم ذلك بينهم ، وبين المسلمين من أشكال النزاع وأضراب الخصام .

وفي رحاب هذا القضاء وجد أهل الذمة ، من نصارى ويهود ، على حد سواء، من وجوه العدل والإنصاف والبر والإقساط ما تحقق لهم به النصح لهم في دينهم ودنياهم مشمولين بالأمان والتأمين .

والشواهد على طبيعة المعاملة الحسنة ـ التي هي ثمرة عدالة الإسلام وسماحته ـ والتي كان النصارى واليهود يجدونها لدى قضاة المسلمين حين ينصفونهم في مختلف أقضيتهم مع المسلمين فيحفظون عليهم مصالحهم ويردون إليهم حقوقهم مثلما يفعلون مع خصومهم من المسلمين مما احتفظت لنا به مجاميع النوازل ودواوين الأحكام وغيرها . ومن أقدم ما وصلنا من ذلك كتاب القاضي أبي الأصبغ عيسى بن سهل الأسدي (ت486هـ) (الإعلام بنوازل الأحكام) المعروف ب (الأحكام الكبرى) فقد ضمنه صاحبه أمثلة عديدة من الأحكام التي (تناولت أمورا تتعلق بالرق أنصف فيها نصرانية ، وبالردة لم يوقع فيها الحد على صغير مرتد ، وبالتنازع على الملكية إذ أعطى صاحب الحق حقه ، وفي البيوع والأحباس إذ طبق حكم الشريعة الإسلامية بغير محاباة لأحد بسبب الدين ، ولم يتهاون في التطاول على الدين الإسلامي اعتزازا بكرامته فأخذ بالعقاب من استهان به وأراد الحط من شأنه ، وبخلاف على حضانة صغير مع وجود أب مسلم وجدة مسيحية لأم أسندت إليها الحضانة على الرغم من وجود الأب المسلم)(58) .

ويكفي أن نسوق إليك من تلك الأمثلة مثالين إثنين :

أما أولهما فيتعلق ب(دعوى عجم أهل أبطليش على أسماء بنت ابن حيون ) ، ونصه : (فهمنا ـ وفقك الله ـ ما تظلم به عجم أهل قرية أبطليش في بطاقتهم من امرأة تسمى أسماء بنت ابن حيون ، وأمر الأمير أصلحه الله إياك بالنظر لهم في ذلك ، فوجه النظر فيه أن تدعو أولئك العجم الذين رفعوا البطاقة إلى الأمير أعزه الله ، وتأمر بإحضار أسماء ، وأن يتكلموا بمحضرها بما يدعون قبلها ، ثم تسألها عما تكلموا به وتظلموا منها ، فإن أنكرتهم كلفهم البينة على ما يدعونه ، وإن أثبتوا شسئا أعذرت إلى أسماء وعرفتها بمن شهد عليها وبما شهدوا به وأنك قبلتهم ، فإن كان عندها مدفع نظرت فيه بما يظهر إن شاء الله عز وجل . فإن لم تأت بمدفع وجهت القضاء عليها على ما تثبته عندك البينة . هذا وجه النظر فيما تظالموا به لا يعتدل القاضي أن ينظر بخلفه . قاله ابن لبابة وابن وليد)(59) .

وثاني المثالين يتعلق بكون (الجدة للأم ـ وإن كانت نصرانية ـ أحق بالحضانة) ، ونصه : (فهمنا ـ وفقك الله ـ ما كشفت عنه من أمر الصبيتين اللتين توفيت أمهما ، وتركت أما نصرانية ، وللصبيتين جدة لأب نصرانية أيضا . والذي يجب فيه أن الحضانة للجدة للأم النصرانية وهي أحق من الجدة للأب ولو كانت مسلمة.)(60) .

وبقدر ما حرص القضاة المسلمون على النصح لأهل الذمة في دنياهم كما رأينا في المثالين السابقين حرصوا كذلك على النصح لهم في دينهم ، وهو ما نمثل له بمثالين إثنين كذلك .

أما أولهما فننقله عن الخشني ، ونصه : (قال محمد : وسمعت من يحكي إنه جاء رجل من النصارى مستقتلا لنفسه فوبخه ، وقال:ويلك من أغراك بنفسك أن تقتلها بلا سبب؟ فبلغ من سخف النصراني وجهله إلى أن انتحل له فضيلة لم يقرأ لمثلها لعيسى بن مريم صلى الله على محمد وعليه ، فقال للقاضي:وتتوهم أنك إذا قتلتني أني أنا المقتول ؟ فقال له القاضي : ومن المقتول؟ فقال له : شبهي يلقى على على جسد من الأجساد فتقتله.أما أنا فأرفع في تلك الساعة إلى السماء.فقال له أسلم: إن الذي تدعيه من ذلك غائبا عنا والذي يخبرك به من تكذيبك غائب عنك ، ولكن ثم وجه يظهر صدقه لنا ولك . فقال النصراني : وما هو ؟ فالتفت أسلم إلى الأعوان ، ثم قال : هاتوا السوط . ثم أمر بتجريد النصراني فجرد ، ثم أمر بضربه . فلما أخذته السياط جعل يقلق ويصيح ، فقال له أسلم : في ظهر من تقع هذه السياط؟ فقال : في ظهري . قال له أسلم : وكذلك السيف في عنقك تقع فلا تتوهم غيرذلك)(61) 0

والمثال الثاني يكشف لنا عما كان قضاة المسلمين يحرصون عليه من إشعار أهل الذمة بوجوب إجلال أماكن عبادتهم وتقديرها ، وذلك حين كانوا ـ إذا دعت الحاجة إلى استحلاف أحدهم لفض تنازع بينه وبين مسلم ـ يلزمونه الذهاب ـ رفقة شاهدين من أعوان القاضي ـ إلى أعظم كنيسة في البلد ليؤدي اليمين في مكان له هيبة في نفسه . يقول ابن رشيق ـ وكان يعمل لدى القاضي في كتب الوثائق والعقود ـ يصور لنا ذلك (…فوجبت لمسلم على نصراني يمين في حق حكم عليه بها ، وأمرت أنا وشاهد آخر بالحضور عليها ليتقاضاها المسلم منه على ما يجب بحيث يعظم النصراني من دينه ، فتوجهنا معهما إلى مجتمع أولئك الرهبان بدار كان لهم فيها كنيسة يعظمونها)(62) .

فهذان المثالان وذانك تؤكد جميعها لنا مبلغ المعاملة الحسنة التي كان أهل الذمة يلقونها لدى القضاة المسلمين ويكشفان لنا عن حرص هؤلاء على توجيه النصح لهم في دينهم وفي دنياهم بما يتحقق به لهم ، بآن واحد ، أمن روحي وتأمين مادي يستثمرون بهما تواصلهم الحضاري مع المسلمين .

وليس يقف الأمر في حسن معاملة أهل الذمة عند حدود النصح لهم في دينهم ودنياهم ، ودفع الظلم عنهم ، وصيانة كافة حقوقهم في مجالس القضاة ؛ بل إنه تخطى تلك المجالس إلى مجال أوسع يحدده عقد الذمة بما يضعه على عواتق المسلمين من مسئولية حماية معاهديهم من أعدائهم وواجب هبوبهم للدفاع عنهم . وهذا ما عبر عنه فقيه قرطبة الظاهري ابن حزم حين قال بأن (من كان في الذمة، وجاء أهل الحرب إلى بلادنا يقصدونه وجب علينا أن نخرج لقتالهم بالكراع والسلاح ، ونموت دون ذلك صونا لمن هو في ذمة الله تعالى وذمة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإن تسليمه دون ذلك إهمال لعقد الذمة)(63) .

ولا تكتمل صورة التواصل الحضاري الذي رأينا أمثلة منه في مجالس المتجادلين ومجالس المتقاضين إلا باستصحابها بأمثلة أخرى من حياة المجتمع الأندلسي في فضاء منه يغلب عليه الجد ، وآخر يغلب عليه الهزل .

فأما الذي يغلب عليه  الهزل فهو فضاء الاحتفالات والأعياد . وكان هذا الفضاء يشهد في مناسبات معلومة خلال كل سنة مشاركة المسلمين النصارى من أهل الذمة المعاهدين احتفالاتهم بأعيادهم ، فكانوا ـ ومثلهم أهل المغرب وخاصة أهل مدينة سبتة فك الله تعالى أسرها ـ شديدي التحفي بها و(المحافظة عليها والإقبال من بدع وشنع ابتدعوها وسنن واضحة أضاعوها بموائد نصبوها لأبنائهم ونسائهم وصنعوها… وتهادوا فيها بالتحف التي انتخبوها…ونصب ذوو اليسار نصبات في الديار كما نصب أهل الحوانيت فنضدوها)(64) . ويأتي في مقدمة تلك الأعياد عيد ميلاد المسيح عليه السلام في الخامس والعشرين من شهر ديسمبر وعيد رأس السنة الميلادية وهو سابع مولد المسيح ، ويكشف لنا السؤال الذي وجه إلى أبي الأصبغ محمد التميلي عما يفعله المسلمون من احتفال بهذا العيد عما كان يجري في أوساط المسلمين من الإعداد للاحتفال ، مع النصارى ، بهذين العيدين مما يتمثل في تهييئ أصناف من المأكولات والأطعمة وتوقيف أعمالهم من تجارة وصناعة وما أشبه (65) . كما كان المسلمون يشاركون النصارى احتفالهم بعيد ميلاد يحيى بن زكرياء أو عيد (سان خوان) ، وهو المعروف ب(العنصرة) ، في الرابع والعشرين من يونيه، وفيه كانت تجتمع النصارى يشعلون النار ويوقدون الشموع ، ويحضر ذلك جموع غفيرة من المسلمين . ويذكر الطرطوشي أن الأندلسيين كانوا يتشبهون بالنصارى في احتفالهم بهذا العيد فيشترون بعض الأطعمة التي تعد في هذه المناسبة مثل المجبنات والإسفنج(66)كما كانوا يعدون بالمناسبة أطعمة معينة في بيوتهم . ويسجل لنا أحد مؤلفي رسائل الحسبة صورة العامة ، من صغار وكبار ، وهم يشاركون النصارى في احتفالاتهم بهذا العيد وقد انغمروا  في (رش الماء في الأسواق ، وتزليق الطرق ، واللعب بالمقارع والعصي في الشوارع)(67) كما تفيدنا فتوى فقهية بما كان يفعله المسلمون ـ وهم يحتفلون مع النصارى بعيد سان خوان أو العنصرة ـ من التباري بالخيل(68) مثلما تفيدنا بما كان من عادة مشاركة المسلمين أهل الذمة في تعطيل العمل يومي السبت والأحد على غرار ما يفعلون في الأعياد المسيحية سالفة الذكر (69) . ولم يفت بعض من تحدثوا عن مشاركة المسلمين نصارى الأندلس احتفالاتهم بهذه الأعياد ذات الصبغة الدينية أن يشير إلى أن مرد ذلك إلى (تأثير الجوار لهم ، ومخالطتهم لتجارهم ، ومكاشفتهم الكينونة في إسارهم)(70)،وكان المسلمون ـ حسب ما سجلت فتوى لأبي عبد الله بن الأزرق ـ يتقبلون من جيرانهم أهل الذمة من اليهود كذلك بعض ما يهدونهم إياه من فطائر ورغائف يصنعونها في بعض أعيادهم (71) .

ومما يكشف لنا عن آثار الاحتكاك والتعامل اليوميين بين المسلمين والمعاهدين من النصارى خاصة غشيان أولئك ، والنساء منهم خاصة ، كنائس هؤلاء لحضور احتفالات الزفاف والتعميد ، وهو ما أفاد به ابن عبدون حين نبه إلى وجوب (منع النساء المسلمات من دخول الكنائس المشنوعة)(72) .

وأما الفضاء الذي يغلب عليه الجد فهو فضاء السوق حيث كانت تعرض السلع والبضائع المحلية والمستوردة من أرض الشمال المسيحي ، وحيث كانت تجري بين المسلمين وأهل الذمة عمليات بيع وشراء تشمل ما جوزه الفقهاء منها وما حظروه .

فأما الأولى فمثل ما كان يشتريه المسلمون من النصارى من مأكول كالخبز ونحوه (73) وملبوس ك”الدرتديس”(74) ، ومثل ما كان النصارى يشترونه من المسلمين مثل العنب والغنم مما يستفاد من السؤالين التاليين : هل يجوز (بيع غلة العنب ممن يعلم أنه يعصرها خمرا)(75) و(هل تباع الشاة من أهل الذمة وهم يقتلونها قتلا؟)(76) .

وأما الثانية فمثل ما كان يشتريه نصارى الشمال من المسلمين كالسلاح والشمع وغيرهما على ما  بين هذا السؤال الذي وجه إلى أبي إسحاق الشاطبي ، ونصه:(هل يباح لأهل الأندلس بيع الأشياء التي منع العلماء بيعها من أهل الحرب كالسلاح وغيره لكونهم محتاجين إلى النصارى في أشياء أخرى من المأكول والملبوس وغير ذلك ؟ أم لا فرق بين أهل الأندلس وغيرهم من أرض الإسلام ؟ وهل يتنزل الشمع منزلة ما ذكر) (77) .

فإذا تركنا فضاء السوق بما رأينا فيه من حركة ونشاط يشترك في اتصالهما ودؤوبهما المسلمون والمعاهدون من خلال ما كان يجري بينهم من معاملات تجارية يسدون بها حاجيات لهم آنية من خبز وزيت ونحوهما ، وظرفية من ملبس وشمع ونحوهما ، وتلفتنا إلى جوانب أخرى من أفق المعاملة في المجتمع طالعتنا في كل منها ضروب من العلاقات والاتصالات تدل على مدى ما كان يتحقق بفضل روح التسامح الإسلامي من تواصل بين فئاته من المسلمين وأهل الذمة لعل من أبرز معطياته فيما نقع عليه في آثار الفقهاء وخاصة كتب الشروط والوثائق ثلاثة :

أولها ـ الزواج بالإسبانيات ، وهو تقليد كان الفاتحون من عرب وبربر قد بادروا به، وكان في طليعتهم عبد العزيز بن موسى الذي تزوج (إخيلونا) أرملة (لذريق) آخر ملوك القوط وسار على نهجه قواد الجند (78) ثم ما لبث هذا الزواج المختلط أن انتشر بين مختلف الفئات من راع ورعية مما وسع من رقعة آثاره الاجتماعية والثقافية ، وأهم مظهر لذلك ازدواجية لغوية تمخضت عنها لغة يومية تمزج بين العربية واللطينية  فيما عرف ب(الرمنثية)التي أسهمت في تمتين عرى التواصل الاجتماعي بين المسلمين وأهل الذمة ، بل إن العربية الفصيحة نفسها والتي كان يتحدث بها أهل الأندلس ، ومنهم أهل غرناطة حتى عصر ابن الخطيب ـ أي القرن الثامن ـ كان (يتخللها غرب كثير) أي تخالطها ألفاظ من لهجات العناصر المتعايشة في المجتمع(79) . ومما يدل على أن الزواج بالإسبانيات حديثات عهد بالإسلام أو بالكتابيات من النصارى واليهود كان شائعا بين المسلمين استشعار الفقهاء حاجة المشتغلين بكتب الوثائق والعقود إلى صيغة نموذجية يعتمدونها مما دفع بغير واحد منهم لوضع كتب في الشروط والوثائق كان في جملة ما ضمنوها صيغ عقود لنكاح الكتابية مع بيان بما ينبغي أن يحويه هذا العقد من شروط وتنبيهات على نحو ما نقرأ عند الجزيري : (وعقد نكاح الكتابية كعقد نكاح المسلمة (…) فإن كان لها ولي قلت : “أنكحه إياها أخوها شقيقها النصراني أو اليهودي “وإن لم يكن لها ولي قلت ” أنكحه إياها فلان بن فلان الأسقف ، بعد أن فوضت ذلك إليه إذ لم يكن لها ولي ، ورضيت بالزوج المذكور ، وعلمت أنه مسلم يلزمها الاغتسال له من الحيض والنفاس ويجبرها على ذلك ، فرضيت به على ذلك وبما بذله لها مهرا ، وطاعت له باجتناب أكل ما يحرم عليه وألا تقرب ما يكره قربه المسلم…)(80).

ثانيها ـ الدخول في دين الله الإسلام ، وهو حدث كان يتكرر مثل سابقه ـ أي الزواج بالإسبانيات ـ مما دعا الفقهاء إلى وضع نماذج عقود لذلك ينسج على منوالها المشتغلون بصناعة التوثيق والشروط . وقد احتفظت لنا كتب العقود والوثائق الأندلسية بأمثلة منها تتضمن إشارات مفيدة فيما نحن بسبيله من استكشاف مظاهر التواصل الحضاري بين المسلمين وأهل الذمة ، لعل من أهمها الإشارة إلى أن إسلام أهل الذمة ـ أفرادا أو أفواجا ـ (81) كان يتم عن اقتناع وإدراك يتمثلان فيما أوجبت نماذج هذه العقود النص عليه من مثل كون المشهود عليه أعلن إسلامه بعد (استيعاب حقيقة الإسلام وكونه ناسخا لجميع الشرائع)(82) وأن ذلك تم من قبله بمحض إرادته (غير مكره ولا خائف أمرا ولا متوقع شيئا)(83) أو ينص في العقد على أنه (جاء منه رغبة في الإسلام لفضله ومحبة في الشريعة دون إكراه ولا اضطهاد ولا ضرر)(84) . ويظهر أن الفقهاء كانوا شديدي الحرص على تضمين هذا العقد ما يتأكد به ، من جهة ، عدم إكراه الذمي على الإسلام ، ومن أخرى ، إقراره بوحدانية الله تعالى ونبوة محمد وعيسى عليهما الصلاة والسلام . وكان الإخلال بشيئ من ذلك في العقد مثار نقد ومنشأ نقاش بين الفقهاء عرفنا مثالا مبكرا له في رسالة كتبها منذر بن سعيد البلوطي في الموضوع(85) . ونحن نستخلص من هذا وذاك أمرا ذا بال ، وهو أن التواصل الحضاري ـ الذي رأينا من فضائه أفقا نظريا وآخر عمليا ـ كان الدخول في الإسلام عن بينة واقتناع من معطياته الحضارية عميقة الأثر في نفوس الأفراد والجماعات من أهل الذمة الأندلسيين .

ثالثها ـ عتق الرقاب . وهذا حدث كان ، مثل سابقه ، يتكرر بإقبال المسلمين على عتق رقاب مملوكيهم من النصارى التماسا للأجر والمثوبة ، وهو ما جعل الفقهاء يلاحظون حاجة المشتغلين بكتب العقود والوثائق إلى صيغة نموذجية بشهادة العتق ،وهي وثيقة ذات دلالة على روح التسامح والتراحم التي كانت تسود العلاقات الاجتماعية التي كانت تربط المسلمين بالنصارى أحرارا أو مماليك ، وهو ما يطالعنا في هذا النموذج من وثيقة عتق الرقبة (كتاب عتق بتل عقده فلان بن فلان لمملوكه الجليقي المسمى بكذا والذي نعته كذا أعتقه الله تعالى وأخرجه به من الرق ، وألحقه بأحرار المسلمين فيما لهم وعليهم طلبا لرضوان الله ، فلا سبيل لأحد عليه غير سبيل الولاء لمعتقه فلان المذكور ولمن ورث ذلك عنه على ما أحكمته السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك…)(86) .

وقد بعقب العتق زواج المعتقة بمعتقها بمحض اختبارها وتام رضاها ، وهو ما يقدم لنا صورة مضيئة لما كان يتمخض عنه التعايش المجلل بروح التسامح من تمازج بين المسلمين وأهل الذمة على ما نحو ما نقرأ عند الجزيري في هذا العقد :(أعتق فلان بن فلان أم ولده الرومية عتقا بتلا لوجه الله تعالى، فلما تم عتقها وعلمت أن لها أن تنكح من شاءت وأن أمرها في ذلك بيدها خطبها سيدها المذكور إلى نفسه فرضيت به زوجا على أن بذل لها من الصداق كذا وكذا نقدا وكالئا ، النقد كذا قبضته من مولاها المنعم عليها بالعتق فلان وأبرأته منه ، والكالئ كذا إلى أجل كذا (…) أنكحها من نفسه مولاها فلان بعد أن فوضت ذلك إليه ورضيت به زوجا وبما بذله لها مهرا)(87) .

*         *          *

ويمكن القول ـ بعد ما لمحناه من مشاهد التعايش بين المسلمين وأهل الذمة في هذا الأفق وذاك من فضاء تواصلهم الحضاري بالأندلس ـ بأن هذا التواصل الذي حرص المسلمون على أن يكتنفه التسامح الديني وفق عقد الذمة ـ أسفر عن معطيات حضارية في غاية الأهمية،سواء في أفق المناظرة أوأفق المعاملة، لعل من أهمها إثنان : أولهما علمي وثانيهما تثقيفي . فأما الأول فنتمثله في إغناء رصيد المعرفة  عند كل فئة من الفئتين المتعايشتين على ما عند الأخرى من النصوص الدينية والاجتهاد في فهمها مما تمثلت بعض عوائده عند هؤلاء وأولئك فيما وضع من مؤلفات في علم الأديان المقارن وفيما كتب من مصنفات في الجدل الديني . وأما الثاني فنتمثله عند أهل الذمة خاصة فيما كان يحصل لهم أو لبعضهم ـ سواء عن طريق المناظرة أو عن طريق المعاملة ـ  وهم في صحة من عقولهم وأبدانهم وثبات أذهانهم من اقتناع بشرائع الإسلام واغتباط بالدخول فيه فرادى أحيانا ، وأفواجا ، أخرى .

هوامش

1) الممتحنة : 8

2) انظر ، أحكام أهل الذمة لابن قيم الزوجية ، والفروق للقرافي مج 3

3) صورة الأرض (القسم الأول) : 111

4) بغية الملتمس : 259

5) نفح الطيب ، 1 : 178

6) من ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكرم ضيوفه من غير المسلمين ومن ذلك إكرامه نصارى نجران بالسماح لهم بتأدية صلاتهم في مسجده .زاد المعاد لابن القيم ، 3 : 629

7) تضمنت الصحيفة التي اكتتبها رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ فضلا عما يتصل بتشكيل الجماعة الإسلامية على أساس العقيدة والشرعة ـ العلاقات التي تشكل هذا المجتمع على أساس المواطنة واشتملت على غير المسلمين من أهل الكتاب عامة واليهود خاصة فضمنت لهم حرية المعتقد والدين وألزمتهم بالقيام بواجب الدفاع عن هذا المجتمع ومناصرة أصحاب هذه الصحيفة على من حاربهم . وقد رأى العلماء فيما نظمت هذه الصحيفة من علاقة بين المسلمين واليهود مثالا من حرص الإسلام على قيام مجتمع التعايش والتسامح مع اختلاف الدين والعقيدة والشرعة . انظر (ثقافة الحوار الحضاري عند المسلمين “تأملات في سؤال المفهوم والإجراء” ضمن كتابنا (هموم إسلامية) ص 15

8) من ذلك قوله صلى الله عليه وسلم (استوصوا بأهل الذمة خيرا) ، وقوله صلى الله عليه وسلم (من ظلم معاهدا أو انتقصه أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئا بغير طيب نفس فأنا حجيجه يوم القيامة) .

9) التودد بمعنى الولاء أو الموالاة والنصرة يتناقض مع مفهوم البرور والإقساط . وأصله النهي الوارد في قوله تعالى (إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون)الممتحنة : 9 وانظر ، الفروق للقرافي (الفرق التاسع عشر والمائة بين قاعدة بر أهل الذمة وبين قاعدة التودد لهم ) مج 3 ص 14

10) انظر (أصداء من بيئة النصارى في أدب الأندلسيين) ضمن كتابنا (ياقوتة الأندلس) ص 129 ـ 156

11) التربية الإسلامية في الأندلس ص 208

11م) الإحاطة ، 1 : 438

12) المعيار المعرب ، 11 : 155

13) نفسه ، 11 :155

14) انظر ،  simonet  :  historia de los mozarabes t 4  p 752 J 753

15) مثل منشآت وأعمال حسداي بن إسحاق بن شبروط ، وابن النغريلة ، وابن جبيرول ، وإبراهيم بن سهل ، وموسى بن ميمون ، ويهوذا بن سليمان الحريزي ، ويهوذا بن ليفي الطليطلي .

16) انظر  ،(الترجمة في الأندلس : التاريخ والمعطى) ضمن كتابنا (ياقوتة الأندلس) ص 9 ـ 63

17) ياقوتة الأندلس ص 20

18) الإحاطة ، 3 : 67 ـ 68

19) نفسه ، 2 : 140

20) الفصل في الملل والأهواء والنحل ، 2 : 261

21) الإفادات والإنشادات : 157

22) أنظر ، (أصداء من بيئة النصارى في أدب الأندلسيين) ضمن كتاب (ياقوتة الأندلس) ص 135

23) المعيار ، 11 : 155

24) مراتب الإجماع : 156

25) نفسه : 124

26) المعيار ، 11 : 155 ، 156

27) الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة ،ق 1 مج 1 ص 147

28) المعيار ، 11 : 158

29) نفسه ، 11 : 155 ـ 158

30) الفصل ، 2 : 261

31) الإفادات والإنشادات : 156

32) عرفنا منها :

ـ (الفصل في الملل والأهواء والنحل) لابن حزم (ت 456هـ)

ـ (إظهار تبديل اليهود والنصارى للتوراة والإنجيل وبيان تناقض ما بأيديهم من ذلك مما لا يحتمل التأويل) لابن حزم .

ـ (الرد على أناجيل النصارى) له .

ـ (الرد على ابن النغريلة) له .

ـ (الرد على رسالة الراهب الفرنسي إلى المقتدر بالله) لأبي الوليد الباجي(ت 474هـ) .

ـ (الجواب على رسالة أساقفة طليطلة) لأبي مروان عبد الملك بن مسرة القرطبي(ت 525هـ) .

ـ (مقامع هامات الصلبان) لأبي عبادة أحمد بن عبد الصمد الخزرجي (ت 582هـ) .

ـ (كتاب في صناعة الجدل) لعبد المنعم ابن الفرس (ت) .

ـ (الإعلام بما في دين النصارى من الفساد والأوهام وإظهار محاسن دين الإسلام وإثبات نبوة نبينا محمد عليه الصلاة والسلام)لأحمد بن عمر الأنصاري القرطبي (ت 656هـ) .

ـ (الأجوبة على المسائل الصقلية) لابن سبعين (ت 669هـ)

33) الإحكام ، 2 : 67

34) مقامع الصلبان : 76

35) الإعلام بما في دين النصارى من الفساد والأوهام وإظهار محاسن دين الإسلام وإثبات نبوة نبينا محمد عليه الصلاة والسلام : 57 ـ 88

36) نفسه : 91 ـ 143

37) نفسه : 43

38) مقامع الصلبان : 74 ـ 92،وانظر كتابنا (نصوص مغربية وأندلسية في الإعجاز)  .

39) الإعلام : 323 وما بعدها . هذا وقد عنينا بتحقيق نص القرطبي في الإعجاز والتعليق عليه في كتابنا(نصوص مغربية وأندلسية في الإعجاز) .

40) المعيار ، 11 : 155 ـ 158

41) مقامع الصلبان : 163 ـ 167

42) نفسه : 98 ـ 99 ، 155 ـ 157

43) الإفادات والإنشادات : 159

44) المعيار ، 11 : 157

45) نفسه ، 11 : 158

46) تنظر الأمثلة على ذلك في الجزأين الأول والثاني من الفصل .

47) الفصل ، 2 : 261 والرد في هذا النص على إنكار القاضي النصراني وجود نعم في الدار الأخرى مثل نعم الدنيا من ملبس ومشرب ومطعم ووطء .

48) المعيار ، 11 : 156 ـ 157

49) نفسه ، 11 : 156

50) العنكبوت : 46

51) الإحكام ، 1 : 21

52) الإعلام : 45

53) ابن حزم القرطبي للشيخ محمد أبي زهرة ص 45

54) المعيار ، 11 : 158

55) نفسه ، 11 : 156

56) قضاتهم أمثال :أصبغ بن بن عبد الله بن نبيل ، ووليد بن الخيزران ، وحفص بن البر .

58) عني الدكتور محمد عبد الوهاب خلاف باستخراج ما تضمن كتاب (الأحكام الكبرى) من فتاوى في  قضاء النصارى واليهود ، وقدم لها وحللها في عمله بعنوان(وثائق في أحكام قضاء أهل الذمة في الأندلس) وثائق في أحكام أهل الذمة في الأندلس : 43

59) نفسه : 58

60) نفسه : 86

61) قضاة قرطبة : 107 ـ 108

62) المعيار ، 11 : 155

63) مراتب الإجماع : 67

64) الدر المنظم : 56

65) المعيار ، 11 : 152

66) الحوادث والبدع : 140 ـ 141

67) رسالة ابن عبدون (ضمن ثلاث رسائل في الحسبة) ص 99

68) المعيار ، 11 : 152

69) نفسه ، 11 ك 152

70) الدر المنظم : 21

71) المعيار ، 11 : 111

72)بل إنه دعا كذلك لهذا السبب إلى منع النساءالمسيحيات من دخولها إلا في يوم فضل أوعيد ص 99

73)المعيار ، 11 : 107

74) نفسه ، 11 : 107

75) نوازل الفقيه ابن بشتغبر اللورقي ص 267وانظر تقريب الأمل البعيد ك98

76) نفسه ص 367

77) فتاوى الإمام الشاطبي : 144

78) أخبار مجموعة في فتح الأندلس ص 20

79) الإحاطة ، 1 : 134

80) المقصد المحمود ص 20

81) كما يكشف عن ذلك قول الأمير علي بن في رسالة إلى الفقيه ابن ورد (ورد علينا أن قوما من النصارى المعاهدين أسلموا في إشبيلية حرسها الله) انظر ، المعيار ، 8 ص 8

82) المقصد المحمود : 56

83) المقنع في علم الشروط :218 ـ 219

84) نفسه : 221 ، وانظر الوثائق والسجلات ص 405 ، 409

85) رسالة في نقد وثيقة عقد بإسلام نصراني .

86) المقصد المحمود : 599

87) المقنع في علم الوثائق : 220