ينتمي الدكتور المختار العبادي إلى الرعيل الأول من الباحثين العرب المهتمين بالدراسات الأندلسية، حيث كان ضمن أول بعثة أرسلها وزير المعارف الدكتور طه حسين في بداية خمسينات القرن الماضي إلى إسبانيا للتخصص في الدراسات الأندلسية، وقد انتقل بعد ذلك إلى المغرب، حيث أصبح أستاذاً لتاريخ وحضارة الأندلس بكلية الآداب بالرباط، وأشرف على أطاريخ عدد من الذين سيصبحون فيما بعد من كبار المؤرخين المغاربة،مثل الدكتور عبدالهادي التازي والدكتور محمد بنشريفة. وقد تشرف مركز دراسات الأندلس وحوار الحضارات باستقباله في الرباط، حيث كان لنا معه هذا الحوار.

س: كيف بدأ اهتمامكم بالدراسات الأندلسية؟

ج: تخرجت من كلية الآداب، جامعة الإسكندرية عام 1944، وكنت ضمن الفوج الأول الذي تخرج من الكلية المذكورة، بعدما حصلت على الماجستير في تاريخ المشرق العربي حول موضوع له علاقة بقيام دولة المماليك في الشرق. وقد تم اختياري إثرها من طرف الدكتور طه حسين مع نخبة من الحاصلين على الدكتوراه، حيث تخصصت في تاريخ الأندلس، واشتغلت تحت إشراف المستعرب الإسباني المعروف ″إميليو غارسيا كوميث″. وكان موضوع الأطروحة يهم مملكة غرناطة على عهد الملك محمد الخامس. وقتها زرت المغرب لأول مرة بحثاً عن الوثائق. وهنا أتذكر حكاية طريفة؛ فعند وصولي إليه وكان ذلك خلال عيد الأضحى، وجدت جواً من الحزن يخيم على الناس أيام العيد بحيث لم يذبح أحد الأضحية، بسبب نفي السلطان محمد الخامس. وعندما كان أصدقائي المغاربة يعتذرون لي، لعدم قدرتهم القيام بواجب ضيافة العيد نحوي، كنت أرد عليهم، بأنني أستبشر خيراً، لأن الموضوع الذي جاء بي إلى المغرب هو محمد الخامس الغرناطي والذي سبق وعزل عن الحكم قبل أن يعود إليه، وبالتالي فإنني أتوقع أن يعود محمد الخامس العلوي إلى عرشه.

س: حبذا لو تحدثنا قليلاً عن تلك البعثة المصرية التي رحلت إلى إسبانيا، وكان ضمنها بالإضافة إلى سيادتكم، بعض الذين سيصبحون في وقت لاحق من كبار المتخصصين في الدراسات الأندلسية، أمثال الدكتور محمود المكي.

ج: رافقنا في تلك البعثة وزير المعارف الدكتور طه حسين الذي افتتح بالمناسبة المعهد المصري للدراسات الإسلامية بمعية الجنرال فرانكو، الذي ألقى كلمة مؤثرة مما قال فيها: “إن بين الإسبان والعرب حروباً ودماءً، والصداقة الممزوجة بالدماء هى الأبقى والأمتن”. و قد عُين الدكتور أبو ريدة مديراً للمعهد وعين الدكتور عبد العزيز الأهواني، الذي أصبح فيما بعد من كبار المتخصصين في حقل الدراسات الأندلسية، وكيلاً للمعهد.

س: وما هي الذكريات التي تحتفظ بها عن الأندلس وعن إسبان ذلك الوقت؟

ج: كان هناك ترحيب خاص بنا، وكأن الامر يتعلق بأقارب، كنت إذا سألت شخصاً أن يرشدك إلى مكان ما، لا يكتفي بأن يدلك، بل يوصلك إلى حيث شئت. أما عن الأثر الذي تركته منطقة الأندلس في نفسي عندما زرتها لأول مرة، فإنه أثر يصعب وصفه، صرت أقول إنها ليست بالفردوس المفقود بل الفردوس الموعود.

س: وبعد مجيئك إلى المغرب للتدريس في كلية الآداب، واصلت اهتمامك بحقل  الدراسات الأندلسية، ماهي الأبحاث التي أنجزتها خلال هذه المرحلة؟

ج: نشرت مشاهدات للسان الدين بن الخطيب عن زياراته ورحلاته في الأندلس، ولما عدت إلى مصر نشرت مقالات كثيرة في مجلة المعهد المصري بمدريد، حول علاقات مصر الفاطمية بالاندلس، وعلاقة الإسكندرية بالمغرب والأندلس، كما نشرت عدة كتب عن التاريخ الفاطمي والعباسي والأندلسي وعن الممالك والأيوبيين، إضافة إلى الإشراف على عشرات الأطروحات الجامعية حول التراث الأندلسي.

س: لا زلت مرتبطاً إلى اليوم بجامعة الإسكندرية، كيف هو الاهتمام بالدراسات الأندلسية في هذه الجامعة؟

ج: إننا نعمل من أجل الدفع بالدراسات الأندلسية إلى الأمام، و أود بالمناسبة أن أنوه بزميلين من نفس جيلي عملا الكثير من أجل هذه الدراسات، هما الدكتور سعد زغلول عبد الحميد، والدكتور غازي. وقد سُجلت بهذه الجامعة عدد من الأطاريح الجامعية حول التراث والحضارة الأندلسية، كما تضم هيئة تدريسها عدداً من الباحثين الشباب المهتمين بهذا التخصص.