كرّمت مدينة إشبيلية مؤخراً الفنان التشكيلي المغربي أحمد بن يسف، الذي اتخذ من هذه الحاضرة الأندلسية منذ حوالي نصف قرن، مقر إقامته الدائمة. وقد كان لتأثره بالتراث الحضاري الأندلسي، دور فعال في اختياره لهذه المدينة العريقة من أجل الإقامة. ويذكرك كل شيء في الفنان أحمد بن يسف بزمن أندلسي مجيد، ملامحه، لباسه، المنزل الذي يقطنه بحي “جادة البحيرة” الأندلسي، و مرسمه الذي يحمل اسم “بيت المورو”، والذي يختلط فيه تناغم الألوان بعبق التاريخ، بحيث لا تفصله عن صومعة “لاخيرالدا” إلا أمتار معدودة. وبسبب تخليده للتراث الأندلسي وخاصة الإشبيلي في العديد من إبداعاته، اختير مؤخراً من طرف فريق كرة القدم بالمدينة، لرسم جدارية من السراميك، تعتبر الأكبر من نوعها في العالم، حيث يصل حجمها إلى 375 متر مربع، ووزنها 6500 كلغ، وضعت بجنبات الملعب تخليداً للذكرى المئوية لتأسيس الفريق. وتعتبر لوحات أحمد بن يسف الأغلى من نوعها لفنان عربي، بحيث بيع بعضها بحوالي نصف مليون يورو.

واعترافاً من مركز دراسات الأندلس وحوار الحضارات، بفضل هذا الفنان المبدع في التعريف بالتراث الفني الأندلسي، ورغبة منه في تقريبه من الجمهور العربي، خصوصاً المشرقي، كان لنا معه هذا الحوار، الذي أجراه معه مشكوراً، صديق المركز الشاعر التهامي أفيلال، والذي تفضل كذلك بترجمته من الإسبانية إلى العربية.

س: أنت ابن تطوان المدينة التي جدد تشييدها الأندلسيون الغرناطيون، ما هو الأثر الذي تركته هذه المدينة في إبداعك ؟

ج: هناك تاريخ ومكان لولادة أي مخلوق، ويأتي ذلك نتيجة لحدث يشترك في صنعه الوالدان بشكل أو بآخر، فالمكان يكون من اختيارهما، من هنا لا قيمة للمكان الذي يولد فيه الإنسان. ومع ذلك فتطوان تركت دون شك في عملي تأثيرا سواء في الشكل أو العمق. وجانب كبير من إبداعي الفني استوحيته منها.

س: أنت معروف في المغرب كرسام العدوتين، ما هو القاسم المشترك بين الفن المغربي والاسباني ؟

ج: القاسم المشترك في الرسم التشكيلي بين العدوتين هو المبدع؛ فابن يسف حين يعالج أي موضوع، يعكس حصيلة ثقافية أو اجتماعية أو سياسية، سواء تعلق الأمر بلوحة من الضفة الشمالية أو الجنوبية للمتوسط.

فعملي هو نتاج لكلا الضفتين، مع انشغال بجمالية اللوحة، وتجرد نسبي للقيمة الموضوعية للوحة، مع محاولة أن تنعكس عليها حمولة كلتا الضفتين.

س: ما هي المقارنة التي يمكن أن نضعها بين الفن المغربي والإسباني ؟

ج: لا مجال هنا لأي مقارنة، وإلا سيكون ذلك مثاراً للسخرية، لقد عرف العالم العربي والإسلامي الرسم بعد احتلال نابليون لمصر وذلك من خلال اللوحات الموصوفة بالاستشراق وهي رسوم غريبة، متأثرة بالمناظر والحياة الاجتماعية لعالمنا … هكذا ظهر الرسم في العالم العربي والإسلامي، والمغرب كامتداد لهذه الرقعة كان قبلة تاريخية للرسامين الغربيين ولا مجال لسرد أسمائهم هنا، فاللائحة طويلة.

وبحلول الحماية الإسبانية بالمغرب، أسست مدرسة الفنون الجميلة بتطوان، وعمد تلامذتها إلى إحداث مدرسة الدار البيضاء، باعتبارها امتداداً لما كان ينجز بالضفة الشمالية المتوسطية مع وجود رباط معين، كما هو واقع مثلا بين الأندلس وبلاد الباسك، فالضوء والأجواء والمحيط الثقافي للفنان هي المفارقة الوحيدة بين لوحة وأخرى.

س: من الذي يحظى لديك بالأفضلية من الرسامين الإسبانيين ؟

ج: تعتبر إسبانيا طاقة عالمية لفن الرسم الصعب، وفي مختلف العصور، ومن مختلف المدارس كان لها مبدعون كبار، ابتداء من عهد الرسم بالمغاور والكهوف، إلى عصرنا هذا. ويروقني من المبدعين الإسبان “فيلاثكيث” و “غويا” و”بيكاسو” و “بيريث أغيليرا”. وكما تلاحظون ذكرت أسماء تمثل الرسم التشخيصي أو الواقعي، وحتى التجريدي؛ لأن الرسم لا يجوز تصنيفه، فهو يوحي أو لا يوحي، يعجب أو لا يعجب، جيد ورديء، فالأمر يتعلق بالقيمة التشكيلية التي تهز مشاعر المشاهد.

س: يعتبرك النقاد الإسبان من خيرة الرسامين بإسبانيا كيف ترى هذا التقييم ؟

ج: لم أفكر قط بموقعي أو تصنيفي في عالم الريشة، سواء بإسبانيا أو المغرب، فهذا موضوع يخص النقاد والمتخصصين في ميدان الرسم، والجمهور بصفة عامة، وكيفما كان الأمر فالفنان يجب أن ينجز ما هو مؤمن به، في كل الأحوال يغض النظر عن الموضة أو السوق التجارية، التي أعتبرها معضلة كل فنان حقيقي.

س: اخترت العيش باشبيلية منذ سنة 1967 للتعمق في معارفك الفنية، ما هو الأثر الذي تركه التراث الأندلسي على أعمالك ؟

ج: اختار والدي تطوان مكاناً لولادتي، وكان من حسن حظي أن اخترت إشبيلية مقراً لسكني، فكنت سعيدا بكلتا المدينتين، ونتيجة لذلك فأنا أندلسي من الجانبين، مما يعني أنني غير متأثر، فهذا واقع ملموس، وأعمالي أندلسية متوسطية، سواء نظرت إليها من زاوية أو من أخرى.

س: تعتبر الحمامة رمزاً للسلام، وقد اصطفيتها كعلامة ملازمة للوحاتك، وقديما كان المفضل افيلال، شاعر تطوان في القرن التاسع عشر أول من أطلق هذا الاسم على مدينته، كما أنه كان رائد الرسامين التشكيليين التطوانيين، هل هناك علاقة لابن يسف بهذه الخلفية التاريخية ؟

ج: يقول مثل إسباني “كل ماعز ينحو نحو الجبال”، وقد ولدت وتربية وعشت جزءاً من شبابي الأول في أحياء تطوان العتيقة التي خطط أشكالها مجدد المدينة في القرن السادس عشر سيدي علي المنظري، اعتمادا على هندسة غرناطة العمرانية مدينته الأصلية. واختياري لما انتقلت للعيش بإشبيلية لحي “سانتا كروث”، وزنقة “ميسون دل مورو”، حيث يقع مرسمي أو “جادة البحيرة” حيث أقيم، هو امتداد في الواقع لأحياء تطوان الأندلسية حيث ترعرعت.

أما بالنسبة للعلاقة فقد تكون هناك علاقة لا إرادية، لأن المؤثرات والروابط الثقافية تكون مباشرة أحيانا، وغير مباشرة أحياناً أخرى، فالحمامة بالنسبة لي كائن مندمج في أعمالي الفنية مثل بقية العناصر التي تُكَوِن الحيز المرسوم، وغالب الناس يربط هذا الطائر بالسلام، أما في تصوري فهو عنصر لتلطيف عملي الدرامي؛ ذلك لأن أعمالي في السبعينات والثمانينات اتسمت بالعدوانية، وكمرآة للمجموعة الاجتماعية المقهورة إن لم أقل المستغلة؛ فأعمالي تنقلب إلى خطاب عدواني للمشاهد، على الرغم من التناغم النسبي للوحة من الناحية البلاستيكية، ومع الأسف فتحقيق هذه الغاية غير متاح لجميع الناس.

وهكذا يمتلكني شعور أخلاقي وتشكيلي بضرورة إضافة عنصر معين على التركيبة التي أعالجها، سواء تعلق الأمر بوردة، أو مزهرية، أو منظر خلق الشخص الذي أرسم، متسولا كان، أو بدوياً أو غير ذلك.

ولحين ولادة ابني عمر، التي اقترنت بزيارة والدي لاشبيلية للتعرف على الحفيد، لم تكن توجد الحمامة في أعمالي. فقط أثناء هذه الزيارة، ذهبنا لأخذ صور تذكارية بإحدى الساحات العمومية التي تؤمها طيور الحمام باشبيلية، وهناك تراءت لي فكرة دمج الحمام في لوحاتي لتلطيف قسوتها. لذا فكون الحمامة كانت رمزاً لتطوان، وعمل ابن يسف مقترن بهذه الحمامة هو محض الصدفة، وكل المبدعين اتخذوا علامة معينة تميز بها لوحاتهم.

أما بالنسبة للمفضل أفيلال فهي شخصية مجهولة تماما بالنسبة لي في جانبها الإبداعي، وبعد أن ألقيت نظرة عجلى على جانب صغير من أعماله أحسست بخجل بالغ لجهلي بهذه العبقرية الفنية الرائعة، ومن خلال الرسوم التي عاينتها تراءى لي ليوناردو دي فينشي بوجه عربي وإسلامي .. كما تأكد لي أن التاريخ غير منصف، أو بالأحرى المؤرخين غير منصفين.

س: في أعمالك السابقة كان لديك اهتمام خاص بالمشاكل الاجتماعية ما هو الداعي لتحولك نحو آفاق جديدة كالبحر والهجرة ؟

ج: كانت أعمالي تعالج المشاكل الاجتماعية في مختلف جوانبها، فقد عالجت مشاكل المجموعة في المرحلة الأولى، وحاليا أعالج المشكل الفردي ومنه البحر؛ فالفنان، وفي هذه الحال أحمد بن يسف، هو شاهد عصره، يعكس الوضع القائم حالياً في البحر المتوسط. وكما يقول صديقي “خوان غويتيسولو” إنه بعد هدم سور برلين ارتفع سور آخر بين ضفتي البوغاز .. واعتقد أن كل من لديه حساسية أدبية كانت أو فنية، بإمكانه التعبير عنها. كيف يمكن أن يتحاشى أو يتجاهل المبدع هذه المأساة الإنسانية، على الرغم من وجود مسافة 14 كيلومتراً فقط التي توحدنا (أفضل ذلك عن قول التي تفرقنا)، فالبحر بالنسبة لي من الظواهر التي تقربني من الله، فكيف لا أعالجه في أعمالي الفنية ؟

س: لقد تم تكريمك باسبانيا باعتبارك فنانا يعتز بجذوره العربية، ونظرا لتعاطفك مع كافة القضايا العربية وخاصة الفلسطينية هل تلقيت التفاتة من جانب الدول العربية ؟

ج: أضع كلمة الاعتزاز بين قوسين، موطن اعتزازي هو الإنسان، والقضية الفلسطينية موضوع يهم كافة الناس ذوي النوايا الطيبة، والذين يقاومون الظلم وخرق حقوق الإنسان، وتعود بي الذكرى إلى الوراء فترة الستينات وبداية السبعينات حين كنت أعالج المعضلة العربية- الإسرائيلية في لوحاتي، ومن بينها كانت لوحة تركت صدى في كافة وسائل الإعلام وهي (الأرض المقدسة) وجاء من قارنها خلال ذلك العهد بلوحة (غيرنيكا) لبيكاسو.

وفي رأيي لا يوجد هناك أي استثناء، فالفنان كما قلت يعكس الأحداث التي يعيشها وأي عمل في نظري يجب أن يحمل رسالة ما، فضلاً عن قيمته الفنية، وإلا أصبح قطعة ديكور، فكل عمل لا يوحي برسالة أو بإحدى القيم، يبقى عملاً ناقصاً.

س: ما هي إنجازاتك الحالية ومشاريعك المستقبلية ؟

ج- مشاريعي المستقبلية هي أن ارسم ثم أرسم ثم أرسم.