تنتمي الدكتورة “ماريا خسوس بيغيرا” إلى جيل من المستعربين الإسبان، استفادوا من عودة الديمقراطية إلى إسبانيا في منتصف سبعينات القرن الماضي، ليقوموا من خلال أبحاثهم العلمية، وكذا من خلال تدريسهم بأقسام اللغة العربية بالجامعة الإسبانية، بإعادة قراءة التراث الحضاري الأندلسي بمنهجية جديدة، متحررة من رقابة الدولة وكذا من الرقابة الذاتية التي فرضتها دكتاتورية فرانكو على كل من حاول النبش في التراث الحضاري الأندلسي.

التقينا بالدكتورة “فيغيرا” في إحدى الندوات العلمية التي شاركت فيها، وكان لنا معها هذا الحوار.

س : كيف بدأ اهتمامك بالدراسات الأندلسية ؟

ج- دخلت الجامعة كطالبة سنة 1963 لدراسة تاريخ الفنون الجميلة، وكان ضمن المواد التي ندرسها اللغة العربية، وقد أحسست من الحصة الأولى أنني تفاعلت مع هذه المادة، ومن هناك أقبلت على دراسة الأدب العربي، وكان في البداية الأدب العربي المعاصر، الذي أقبلت عليه بلهفة، لما وجدت فيه من عمق أفكار وأحاسيس جياشة لم أجدها في الأدب الأوربي. وقد بدأت منذ سنة 1968 بنشر ترجمات أدبية من العربية إلى الإسبانية في الصحف الإسبانية، غير أنني ومنذ بداية السبعينات أخذت توجها آخر، وكانت البداية بتحقيق ودراسة مخطوط نادر وجدت نسخة منه في الأسكوريال وهو ” المسند الصحيح الأحسن في مآثره مولانا أبي الحسن”، وقد وجدت نسخة أخرى بعد ذلك في الرباط، وهو ما سمح لي بالمقارنة بينهما ثم بنشر العمل.

س- تنتمين إلى الجيل الذي كان وراء التحول الحاصل في الدراسات الأندلسية في إسبانيا، وقد ظهر بعدكم جيل جديد من الباحثين الإسبان الشباب الذين صدرت لهم في السنوات الأخيرة العديد من الأعمال عن التراث الحضاري الأندلسي، كيف تقيمين إسهامات هذا الجيل الجديد، ثم كيف تقيمين من خلاله حضور الدراسات الأندلسية داخل الجامعة الإسبانية ؟

ج- توجد حاليا عشرة أقسام للغة العربية والدراسات الإسلامية في الجامعة الإسبانية، أما عدد الأساتذة فيصلون في مجموعهم إلى حوالي الثمانين، ناهيك عن الأساتذة الباحثين الذين يوجدون في المجلس الأعلى للبحث العلمي، ثم الباحثين الذين يقومون بتحضير أطاريحهم المسجلة في مختلف الجامعات الإسبانية. من هنا يمكن القول إن الاهتمام بالدراسات العربية الإسلامية ومن خلالها الدراسات الأندلسية في إسبانيا، هو اهتمام متزايد، لكن مقابل ذلك نجد للأسف أن عدد طلبة الإجازة في أقسام اللغة العربية نزل خلال السنوات الأخيرة. سجل عندنا في قسم اللغة العربية بجامعة كومبلوتنسي هذه السنة حوالي عشرين طالبا جديدا، وهو، مع ذلك، رقم لا بأس به، على اعتبار أن في مدريد تدرس اللغة العربية في جامعتين. وبخصوص عدد الأساتذة في قسمنا فهو خمسة عشر، من بينهم أربعة عرب.

س- إذا عدنا للكتابات التاريخية الإسبانية خلال مرحلة الدكتاتورية، نادرا ما كنا نجد استعمال مصطلح الأندلس، الذي كان يعوض بمصطلح إسبانيا المسلمة، هذه الوضعية لم نعد نسجلها اليوم، وهو ما يسمح بدراسة التراث الأندلسي بموضوعية أكبر.

ج- استعمال مصطلح إسبانيا المسلمة، تبناه المستعربون الإسبان في القرن التاسع عشر، بعد أن وجدوا صعوبة في تقريب الحقيقة التاريخية من المواطن الإسباني آنذاك. يجب أن أذكر أن هؤلاء المستعربين كانت لهم نية حسنة- رغم أنها غير عادلة- هدفوا من خلالها إلى تقريب الناس البسطاء من التراث الأندلسي. وهنا للحقيقة وللتاريخ، يجب أن نستثني بعض كبار المستعربين من هذا التوجه، وعلى رأسهم أستاذ الأجيال “إميليو غارثيا غوميس” الذي أسس في ثلاثينات القرن الماضي مجلة على درجة كبيرة من الأهمية حملت عنوان “الأندلس”، وهو ما يعني اعترافاً ضمنياً بالتسمية وبخصوصية الأندلس.

س : يقال إن الإسبان في مواقفهم من العرب قسمان، من  يحب العرب بدون حدود ومن يرفضهم بدون حدود، ألا ترين أن موقف هذه الفئة الأخيرة، ربما تكون له أبعاد سيكولوجية، لأن العربي يحرك ذاكرتهم صوب بعض المراحل من التاريخ الأندلسي لا يريدون تذكرها ؟

س : هذا صحيح، رفض هذه الفئة للعرب يأتي إلى حد ما من القرون الوسطى؛ من حروب الاسترداد، توجد حاليا في إسبانيا إديولوجية ضد العرب وضد الماضي الأندلسي، وهي إديولوجية غريبة جدا، لكن في المقابل هناك فئة أخرى من الإسبان تحب العرب والثقافة العربية وخصوصا الثقافة الأندلسية دون حدود، كيف لا وهذه الثقافة الأندلسية كانت قدوة للتعايش والتسامح بين الثقافات. وهنا أريد أن أشير إلى أن كلا التوجهين تجب دراسته، لأن كليهما له ارتباط تاريخي بالتراث الأندلسي.

س- تناول عرضك في الندوة التي تشاركين فيها، حضور المصطلح العربي في اللغة الإسبانية، حبذا لو تقدمين لنا فكرة مختصرة عن هذا الحضور ؟

ج- يصل عدد الكلمات العربية في اللغة الإسبانية إلى خمسة آلاف كلمة، المستعمل منها حاليا هو تقريبا خمسمائة، أما بقية المصطلحات فهي موجودة في القواميس لكنها فقدت في الاستعمال اليومي نتيجة لظهور مفاهيم جديدة، وهكذا مثلا كلمة “مهراز” كانت توجد وإلى وقت قريب في اللغة الإسبانية اليومية، لكن المجتمع الإسباني لم يعد يستعمل هذه الآلة التي حلت مكانها الآلة الكهربائية التي تحمل اسم “مولينكس” أو غيرها. وما يقال عن الإسبانية يقال عن اللغات الأخرى ذات الأصل اللاتيني، ففي البرتغالية توجد أربعة آلاف كلمة من أصل عربي وفي الفرنسية حوالي ألف.