نظم مركز دراسات الأندلس وحوار الحضارات بتعاون مع دار الفنون، محاضرة في موضوع: “نونية الروندي بين الواقع التاريخي ومقتضيات العروض” ألقاها الأستاذ محمد العربي المساري، وفيما يلي ملخص المحاضرة

قادني إلى التأمل في هذا الموضوع تذكر أربعة أبيات وردت في مرثية الأندلس الشهيرة التي تركها للأجيال أبو البقاء صالح بن شريف الروندي، والتي جاء فيها ما يلي:

فاسـأل بـلنسية مـا شأن مرسـية، وما شـأن شاطبة أم أين جيـان

وأيـن قـرطبة دار الـعلوم، فـكم مـن عـالم قد سـما فيها له شـان

وأين حمص وما تحويه من نزه، ونهرها العذب فياض وملآن

قـواعد كـن أركـان البـلاد، فمـا عسـى البـقاء إذا لم تبق أركان

وردت في هذه الأبيات أسماء مواقع في شبه الجزيرة الإيبيرية استولى عليها تباعا المسيحيون الإسبان في زحفهم المتواصل على المناطق التي كانت بيد مسلمي شبه الجزيرة.

وفي ذات مناسبة أفضيت للصديق الأستاذ عبد الواحد أكمير بملاحظة بشأن ما إذا كان ترتيب ذكر المواقع الجغرافية المشار إليها في هذه الأبيات هو من ضرورات العروض، أم أنه يتطابق مع الكرونولوجيا. فما كان منه إلا أن طلب مني التحقيق في ذلك، ولأنه يفكر دائما في المركز الذي يديره، وقال لي: وليكن هذا هو موضوع محاضرتك في المركز لهذه السنة.

وعلى الفور ذهبت إلى المراجع التي في مكتبتي لأستقرئها، فوجدت أن التدقيق في ذلك يستحق المجهود الذي يبذل فيه، حتى يظهر ما إذا كان العروض والكرونولوجيا يتوافقان، رغم أن مراهناتهما مختلفة، الكرونولوجيا تخضع للزمن التاريخي، والعروض يخضع للزمن الموسيقي.

ثم إنني رأيت أن ذلك التدقيق قد يكون نفسه قصيرا، ففكرت أن تكون الفذلكة التاريخية المتعلقة بنونية الروندي، مدخلا لموضوع يشمل ما بعد فقدان المسلمين للمواقع الوارد ذكرها في المرثية، وفكرت بوجه خاص في جانب يربط تلك الأحداث التاريخية بالمغرب، في سياق تأملات فيما بعد 1492.

ولنبدأ باستقراء ما جاء في الجزء الثالث من ” الحلل السندسية ” لشكيب أرسلان. فهو يذكر أن بلنسية ملكها الروم صلحا في 630 هـ. استولى عليها ملك أراغون جاك الأول، وهو يعني خايمي الأول، كما ينطق الإسم بالإسبانية. وحدث التسليم في 28 سبتمبر 1238 (ج 3 ص 45)

وأما شاطبة xativa بلسان أهل بلنسية، وبلسان قشتالة jativa، فذكر أرسلان نفسه في نفس المرجع ( ج3 ص 253) أن الروم استرجعوها من يد المسلمين في سنة 1244 على يد نفس ملك أراغون. أي بعد بلنسية بست سنوات. وهنا يستمر التطابق بين مقتضيات العروض والكرونولوجيا. الأولى هي التي سقطت أولا في يد المسيحيين ثم تلتها الثانية.

وحينما نصل إلى مورسية، نجد أرسلان يذكر أن النصارى استولوا عليها صلحا في زمن محمد ابن هود، وأن هذا سلمها لملك قشتالة فيرناندو الثالث، ظهر يوم الخميس 10 شوال 636 هـ. ( ج 3 ص 396)، ثم عاد المسلمون فأخرجوا النصارى منها وبقيت بأيديهم 23 سنة حتى زحف عليها ملك أراغون جاك – عند أرسلان – وخايمي، كما يذكره الإسبان. وحينما يستظهر أرسلان بالتقويم الميلادي يذكر أن تسليم مورسية إلى القشتاليين وقع في 1241 ( ج 3 ص 439) ويتعرض فيما بين الصفحتين 438 و444 إلى عدة أحداث محورها مورسية يختمها بقوله وقد استسلمت إلى ملك أراغون في 1295.

ولابد أن نشير إلى أن الزحف المسيحي على الجهات التي كان يحكمها المسلمون تم في محورين. إذ ركزت مملكة أراغون ضغطها على القطاع الشرقي، الذي شمل بلنسية وشاطبة ومورسية، بينما اتجهت مملكة قشتالة نحو الجنوب فتم لها الاستيلاء على قرطبة وإشبيلية وهذه يذكرها الروندي كناية فيسميها حمص.

وفي المصادر الإسبانية، وخصوصا ثيصار فيدال Cesar Vidal, in Espana Frente Al Islam.Esfera de los Libros. 2004 وهو مصدر حديث وبذلك قد يكون أكثر استفادة من التدقيقات التي تمت بشأن التواريخ، فنجد اختلافات وأيضا توافقات، إذ يذكر هذا الأخير على سبيل المثال أن استرداد بلنسية تم في 28 سبتمبر 1238 وهو متفق في ذلك مع ما ورد عند أرسلان، وأما بخصوص مورسية فيذكر فيدال أنها وقعت في أيدي المسيحيين في سنة 1242، بزيادة سنة عن أرسلان، وعن قرطبة يذكر أن استردادها كان في 29 يونيو 1236، وأما إشبيلية فيذكر أن استردادها كان في 1247 بينما يذكر أرسلان أنها وقعت بيد المسيحيين في 1246. وحسب تواريخ فيدال فإن جيان –وبالإسبانية خايين- تم الاستيلاء عليها من قبل المسيحيين سنة قبل إشبيلية، وبذلك يكون ذكرها في الختام من ضرورات القافية وليس من باب التطابق مع الكرونولوجيا. وفي مصدرين إسبانيين آخرين، نجد الاتفاق على أن 1246 هي سنة استيلاء المسيحيين على المدينة. غير أن فيدال يذكر أن سنة 1246 كانت هي سنة محاصرة خايين، مما يترك لنا الباب مفتوحا لتصور أن الاستيلاء لم يقع على الفور، وإني لأرجو أن يكون الأمر كذلك لكي يتطابق الواقع التاريخي مع مقتضيات العروض.

لقد حقق القشتاليون اندفاعة قوية تم لهم فيها اكتساح قاعدتين مهمتين هما قرطبة وإشبيلية. وهذا ما جر شاعرا أندلسيا يقول : ” الثوب ينسل من أطرافه، وأرى ثوب الجزيرة ينسل من الوسط “. ومعلوم أن مسلسل انسلال ثوب الأندلس تسارع إيقاعه في عهد فيرناندو الثالث، إبن ألفونصو التاسع ملك ليون، و فيرناندو هذا هو الذي وحد تحت تاجه مملكتي قشتالة وليون، وهو الذي قاد بحماس حركة استحق عليها فيما بعد لقب “القديس فيرناندو” وذلك بمباركة من الفاتيكان سنة 1671. وبمفعول تلك الاندفاعة لم يبق لدى المسلمين إلا هويلفا وقاديس ومالقة وغرناطة وألميرية وهي رقعة منكمشة انحصرت فيما بعد في مملكة غرناطة، التي انتهى أمرها حينما توحدت مملكتا قشتالة وأراغون.

وقد صادف الصعود السياسي لكل من فيرناندو الثالث el santo وخايمي الأول الفاتح el conquistador الانشقاقات الموحدية بعد وفاة أبي يعقوب مما شجع فيرناندو على التفكير في اجتياز المضيق نحو المغرب، إذ أنه أعد فعلا لحملة على إفريقيا.

وبهذا نكون قد وقفنا على تواريخ استيلاء المسيحيين على المواقع المذكورة في مرثية الروندي، ورأينا كيف أن العروض توافق في غالب الأحيان مع الكرونولوجيا ولكنه غلب منطقه فيما يتعلق بخايين.

شاهد المحاضرة