قال مؤلف كتاب عجائب الأندلس: “من عجائب (بلاد) الأندلس قرية بلج من بلاد الجوف مما يلي مدينة لاردة، بها نهر صغير ينعقد ماؤه فيصير في الإناء حجارة صفراء، وينعقد على أسنان أهلها، وأينما جعل ذلك الماء تحجر، ولا يكاد أحد من أهل تلك القرية يسلم علة الحصى.

ومن عجائب الأندلس البلاط الأوسط من جامع مدينة أقليش فيه جوائز منشورة مربعة مستوية الأطراف منجورة، طول الجائزة منها مائة شبر وأحد عشر شبرا.

ومن عجائب عين من ماء بقرب قلعة رباح تجري بماء حامض كالخل الحاذق ولا يقدر أحد أن يسغيه؛ فإذا ملئ منه زق ومخض (حلا وسغا شربه).

ومنها في جبل شقورة شجرة الطخش؛ فإذا ماتت عندهم دابة درس (من) ورق تلك الشجرة، واعتصر ماؤه، وتشك تلك الدابة بالرماح، ويصب في تلك المواضع ذلك الماء المعصر؛ فكل سبع أو ذئب أو طائر أكل من تلك البهيمة مات في الحين، ولم يلبث أصلا.

ومنها بناحية شقورة (أيضا) عين من ماء في حجر صلد على قدر ما تدخل الدابة رأسها فيه، فيستوي عليها العدد الكثير من الدواب والبهائم؛ فيشربون منها فترويهم الجميع وتقوم بهم، ولا ينقص شربهم من الماء شيئا، ولا يزيد إذا ترك منه الشرب، وإذا أخذ في آنية لم يكن فيه ما يملأ دلوا واحدا.

وفيها من ناحية بسطة في جبل هناك غار على شفير خندق، وفيه رجل ميت لم تغيره الأزمنة، ولم يدر له خبر، ولا علم له أمر، كذلك ألفاه الناس قديما يحدث به الآباء والأبناء، وذكر (أن) بعض قطاع السبيل أووا إلى ذلك الغار في يوم مطر؛ فأخذ أحدهم ثوبا من أكفان ذلك الميت؛ فنزلت عليهم صاعقة؛ فأحرقته في تلك الساعة؛ فمات؛ وكذلك أكثر أصحابه الذين واسوه على ذلك، وبهذا الغار نقطة ماء تقع من أعلاه في حفرة صغيرة؛ فهي لا تفيض بدوام نزولها، أعني النقطة فيها، وإن شرب منها عدد كثير لم تنقص.

ومنها بقرب لوشة قرية فيها أقسام عالية عليها عقبان تعشش (ولا يعلم) قدمها هنالك، وهي لا تترك في سائر القرى دجاجة ولا براكا، ولا تضر أهل القرية التي هي بها ساكنة؛ فإذا حصرها الثلج، ومنعها من السرح في طلب قوتها صاحب من ألم الجوع صياحا عظيما، ولا تقدم على إيذاء جيرانها في طيورهم، وهي تسرح أمامها حتى يطرح لها أهل القرية ما تأكله بأيديهم.

ومنها بناحية بسطة جبل يعرف بجبل الكحل إذا كان أول يوم من الشهر برز من الجبل كحل أسود؛ فلا يزال يزداد بزيادة القمر مع أيام الشهر إلى أن يستوي القمر في كماله؛ فإذا نقص القمر نقص الكحل بنقصانه؛ فلا يزال يرجع ما برز منه إلى أن يتم بتمام الشهر، وهو معروف عندهم على قدم الدهر.

وفي جبل شقورة الورد الطيب المضاعف على غاية من الحسن وطيب الرائحة والماء، وبه أيضا السنبل الرومي الطيب، ومن عجائب هذا الجبل أن من دخله كثر عليه الاحتلام، ومنهم من يجري عليه المني من غير احتلام ولا إرادة ولا تذكر، يقال أن ذلك من ماء عين هناك.

ومن عجائبها بالقرب من لوشة غار في جبل هناك إليه نحو أربعة أذرع، يعني إلى فم الغار، وعلى فم الغار شجرة؛ فإذا صعد هنالك أحد من أي زمان هم هناك، كذلك ألفاهم الناس قديما حين فتحت الأندلس، وقبل ذلك، ولا يوجد من يخبر بأول خبرهم، [إلا أن] الأمراء والملوك كانوا يراعون أمرهم، ويبعثون إليهم بالأكفان في كل سنة؛ فتقطع، وتجعل عليهم، وأخبر من دخل إليهم أنه كشف عن وجه الأوسط [منهم]؛ فأبصر ذراعيه على جبهته، وكشف عن صدره وبطنه، ثم ضرب بطنه بأصبعه؛ فصوت كما [52و] يصوت الجلد اليابس، وطول الرجل منهم اثني عشر [شبرا]، وفي ذلك الغار ظلمة شديدة، ووحشة عظيمة، والموضع الذي هم فيه حجر صلد أملس، وعند رؤوسهم شيء مرتفع من نفس الحجر، وذكر أنه رأى في ذلك الغار جماجم ثلاثة وعظام (أموات) نخرة.

ومنها بالقرب من قرية باغة عين من ماء إذا شرب منه من به الحصى فتت له وبرء منه، وباغة مدينة صغيرة.

وبها من (بين حوز) تاكرنا وحوز شذونة جبل يعرف بالواسط فيه آثار للأوائل، وفيه كهف منحوت في الحجر الصلد، و(فيه في) داخل الكهف فأس حديد معلق (في) شقة في صخرة في (سقف) الكهف تراه العيون، وتلمسه الأيادي؛ فمن رام إخراجه لم يطق ذلك، وإذا دفعته الأيدي ارتفع وغاب في الشق؛ فإذا أزال الشخص يده هبط الفأس وعاد إلى حالته، وذكر أن مشائخ شذونة أوقدوا النار على الموضع، ورشت الصخرة بالخل (لتنفتح الصخرة) ويخرجوا الفأس فلم (يقدروا، ولم) تؤثر فيها النار ولا الخل، ولم يقدروا على إخراجه بحيلة.

ومنها بالقرب من قبرة جبل فيه مغارة تخرج منها رياح شديدة على الدوام؛ فقيل إنها باب من أبواب الرياح، وقبرة مدينة صغيرة ذات بساتين وعيون وزروع.

وكانت بناحية البيرة صورة فرس من حجر، وكان الصبيان يركبونه؛ فكسر بعضه؛ فقيل إن في تلك السنة التي كسرت تلك الصورة استولت الفتنة على البيرة، ودخلها البربر، وكان ذلك أول خرابها، وسبب دثورها”.

 

تاريخ الأندلس،  مؤلف مجهول،

دراسة وتحقيق عبد القادر بوباية،

دار الكتب العلمية، بيروت، 2007.