في 20 يوليوز من كل سنة،يحتفل الجيش الإسباني إلى اليوم، بأكبر انتصار حققه النصارى  على المسلمين في الأندلس، وهو انتصار معركة العُقاب، حيث يحمل ضباط من الجيش، في استعراض عمومي،  الراية التي أخذوها من المسلمين عقب تلك المعركة، وهي راية قياسها 3.30 أمتار في مترين،  منسوجة من الحرير والذهب والفضة وكتب عليها: “أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم، اللهم صلِ وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه”.

وقعت معركة العقاب في 16 يوليوز 1212، بجوار حصن العقاب الواقع على ضفاف نهر “نفاس دي تولوسا”، لذا تعرف المعركة عند الاسبان ب “نفاس دي تولوسا” Las Navas de Tolosa. كان قوام الجيش المسيحي حوالي 60 ألف رجل، مشكل من تحالف يضم ممالك قشتالة وأراغون والبرتغال ونافارا، وكان على رأسه ملوك قشتالة وأراغون ونفارا، أما الجيش الاسلامي فكان كله من الموحدين، وكان عدد أفراده ما بين 60 و 80 ألف، يقودهم الخليفة الناصر.

وكما يرى المستعرب الاسباني الكبير هويثي ميراندا، تعتبر معركة العقاب بمثابة بداية عهد جديد في تاريخ حروب الاسترداد، فقد مالت بشكل نهائي كفة هذه الحروب لصالح المسيحيين على حساب المسلمين، بعدما بقيت كفتها تتأرجح بين هذا الطرف وذاك منذ استعادة المسيحيين لطليطلة عام 1085م.

ويقدم ذات المصدر الوصف التالي عن المعركة: “حاول الموحدون خوض المعركة يوم السبت 14 يوليو ثم يوم الأحد 15 لكن المسييحين لم يقبلوا دخولها إلا يوم الاثنين، لذا اكتفوا خلال اليومين السابقين برصد تحركات المسيحيين وعرقلة مناوشات فرسانهم، وفي فجر يوم الاثنين بدأت تنتظم تحت إمرة الملوك الثلاثة، ثلاثة فيالق تمركز الأول وكان يقوده ألفونسو في الوسط، والثاني وكان يقوده Sancho el Fuerte في الجهة اليمنى، والثالث وكان يقوده ملك أراغون في الجهة اليسرى. وقد بادرت بالهجوم طليعة القوات المسيحية التي أرغمت مقدمة الجيش الموحدي على التراجع. وتقول Primera Crónica Genera بخصوص هذه المواجهة أن: ” قواتنا والتي صعدت نحو أماكن وعرة وصعب القتال فيها” وُوجهت بقدم ثابتة من طرف الموحدين الذين كانوا يقومون بالهجومات المضادة بكل شجاعة، وهو ما خلق اضطراباً في الصفوف الأمامية للجيش المسيحي اضطر من يوجد بها إلى التراجع. وقد لاذت بعض مليشيات المدن بالفرار مما أجبر بعض فرسان المواقع الخلفية من جيش قشتالة وأراغون على الانتقال إلى مكان الخطر لتغطية الفراغ الذي تركته الملشيات الفارة. ورغم أن هذا سمح للمسيحيين بمواصلة القتال، ورغم أن جيش النبلاء قاوم ببسالة، فإن القوات المسيحية لم تستطع شيئاً أمام عزيمة ورباطة جأش الجيش الموحدي الجرار، والذي تمكن من إلحاق أضرار كثيرة ليس فقط بفيلق الوسط وإنما كذلك بفيلقي الأجنحة.

ولما لاحظ ملك قشتالة المأزق الذي توجد فيه قوات الطليعة وكذا تلك التي توجد خلفها، قرر بذل مجهود إضافي، حيث تقدم وببرودة أعصاب نحو الصفوف الأمامية، في وقت التفت فيه ساقة الجيش حوله التفاف رجل واحد. وكان الفونسو على استعداد للموت في تلك اللحظة؛ لذا بدأ يقاتل بنفسه بمعية حاملي الراية الملكية، في وقت دخل كل من ملك أراغون ونبرة المعركة من جهة الأجنحة، وبدءا بتسديد الضربات للجيش الموحدي الذي اضطر للتراجع إلى الوراء. وكان آخر مكان بقي بمنئً عن هذه الضربات هو السهل الفسيح الذي يوجد به الناصر، والذي بدأ المسيحيون، وبعدما انتظموا على شكل هلال، بتضييق الخناق عليه، لكن الخليفة ورغم ذلك حافظ على رباطة جأشه وكان يتلوا وهو في هذا الموقف الصعب سوراً من القرآن، غير أنه في النهاية وأمام الخطر المحدق، اضطر للفرار في اتجاه بايثة التي توقف بها فقط لتغيير دابته قبل أن يواصل السير في ليلة نفس اليوم نحو جيان.

وقد شكلت قضبان السياج الغليظة الموصولة بالسلاسل والتي وضعها الموحدون في السهل الذي يوجد به الخليفة، حاجزاً منيعاً أمام سيوف وسهام ونبال المسيحيي. ولا نعرف كيف نجح هؤلاء في النهاية في اختراقها، ولا من قام بذلك، لكن الذي نعرفه هو أن تجاوزها فسح أمامهم المجال لمهاجمة المسلمين الموجودين بالسهل والتلال المجاورة ل “سانتا إلينا”. وبخلاف مليشيات المدن وبشكل عام فرق المشاة، والتي أقبلت عناصرها على الغنائم تغترف منها ما استطاعت من مجوهرات وملابس وأواني رفيعة متناثرة هنا وهناك، بخلاف ذلك، امتثل النبلاء وفرسان الجيش النظامي لتعاليم مطران الحملة الذي كفر: ” كل من يضع يده على شيء مما يوجد في ساحة المعركة قبل انتهائها”، وواصلوا -رغم الإرهاق الذي كانوا يحسون به- ملاحقة الفارين بكل ضراوة إلى غاية مشارف بلج الواقعة على بعد ثلاثة فراسخ من “سانتا إلينا” ، حيث قتلوا من المسلمين أثناء المطاردة، ما فاق عدد أولئك الذي سقطوا في المواجهة أثناء المعركة”.

 

نقلاً عن “التاريخ السياسي للامبراطورية الموحدية”،

هويثي ميراندا،

ترجمة عبدالواحد أكمير