دخلت المرأة التي عُرفت باسمها العربي (صُبح)، المأخوذ من الاسم الباسكي القديم Aurora ، بلاط الخليفة الأموي المستنصر، كجارية تحترف الغناء. ومع مرور الوقت أصبحت الشخصية القوية في القصر خاصة بعد انجابها هشام الابن الوحيد للخليفة، ومن تم صار لها المقام الأول، لا يُردّ لها قرار ولا تناقش كلمة. إلى حد أن بعض المراجع الأوروبية تعطيها لقبا ملكياً فتسميها (السلطانة صُبح)، على الرغم من أن علاقتها بالخليفة لم تتعد حدود الجارية المحظية، أي أنها لم تكن له زوجة بالمفهوم التقليدي لهذه الكلمة. ويبدو أن هذه المرأة الذكية التي وصلت إلى قلب المستنصر وعقله، كان أكثر ما يستهويها بريق الخلافة وحياة القصور، وهو الجانب الذي طغى على اهتمامها وتفكيرها. أما الجانب الآخر لشخصية المستنصر البحاثة والقارئ حتى الإدمان، فلم يأخذ منها سوى القليل، لأن علاقة خاصة نمت بينها وبين شاب في مقتبل العمر هو محمد بن أبي عامر،  المتحدر  من أسرة يمنية عريقة ولكنها غير ميسورة، وكان قد بدأ حياته كاتباً للرسائل أمام عتبات القصر.

استطاع ابن ابي عامر بذكائه الحاد وثقافته الأدبية الرفيعة أن يرقى فوق الحواجز ويذلل العقبات، حتى أصبح من رواد البلاط الخلافي ووصل إلى قلب المرأة النافذة، فاستهواها شبابه المتدفق وشخصيته الذكية ولسانه الذرب، حيث أتقن جيداً صنع الكلمة الأنيقة، التي اكتسبها على ما يبدو من احتراف كتابة الرسائل فترة ما في بداية خروجه إلى الحياة العامة. ونمت العلاقة بين الجارية القوية والشاب الذي لم يكن قد بلغ الثلاثين بعد، فاتحة أمامه سُبل الارتقاء إلى تحقيق طموحه الكبير. فأخذ يتدرج في مناصب الدولة ويرتفع من وظيفة إلى أخرى حتى انتهى به الأمر صاحباً للشرطة قبل وفاة الحكم، أي أنه أصبح الرجل الثاني في حكومة الخلافة بعد الوزير الأول جعفر المصحفي. وبعد أن شغر منصب الخلافة بوفاة الحكم، كان لابن أبي عامر الدور البارز إلى جانب المصحفي في تنصيب هشام خليفة. ولم يكن الوزير حتى ذلك الحين يشك بولاء صاحب الشرطة له وتنفيذ ما يأمره به.

لقد كان العامري نوعا من الرجال الذين لا يقفون بطموحهم عند حدود فالنجاح الذي تكلّل بانتصار فريقه في البقاء على رأس السلطة، لم يكن بنظره غير خطوة مرحلية لابد أن تعقبها خطوات أكثر اتساعاً، ليجد نفسه وقد أصبح الرجل الأول في دولة الأندلس الأموية. غير أن تحقيق هذا الهدف كان دونه عقبات شائكة وخصوم أقوياء. ذلك ان تنافساً خفياً على الاستئثار بالحكم من وراء الخليفة الطفل، احتدم بين ثلاث من كبار رجالات الدولة، هم في الواقع من آلت إليهم مقاليد السلطة الفعلية. الأول هو الوزير المصحفي الذي لا يزال يتمتع بالنفوذ الأقوى باعتباره رأس السلطة التنفيذية أو بمثابة رئيس الوزراء في المفهوم المعاصر. والثاني هو محمد بن أبي عامر صاحب الشرطة والمدعوم من سيدة القصر (صُبح)، أما الثالث فهو قائد الجبهة الشمالية غالب بن عبد الرحمن وهو أقوى شخصية في الجيش والرجل الذي يتمتع بشهرة عسكرية ذائعة ويحظى بتقدير جميع الأطراف. غير أن هذا الأخير كان أكثر تعلقاً بعمله العسكري، فلم يدخل حلبة التنافس بشكل ظاهر، وإن كان لثقله المعنوي تأثيراً خطيراً في ترجيح كفة أحد المتنافسين. لهذا فإن العامري اتجه باهتمامه إلى هذا القائد الذي اتخذ من مدينة سالم قاعدة له، وتمكن بأسلوبه المرن والبارع من اكتساب صداقته وثقته. وتقارب الرجلان من بعضهما أكثر، بزواج العامري بابنة القائد في وقت لاحق.

وهكذا انحصرت المنافسة الفعلية بين رجلي القصر في قرطبة، الوزير وصاحب الشرطة. وشهد بلاط الخليفة الذي أُعطي لقب المؤيد بالله، صراعاً على الدور الأول، أخذ يتبلور ويتكشّف تدريجياً. وكان العامري الأسرع في اتخاد المبادرة وفي اقتناص المناسبات، بعلم أو بغير علم من الوزير. ففي القصر كانت الضربة التي أنزلها بقادة الحرس الصقلبي ورجالهم، وكانوا يتجاوزون الألف تحت ستار التأديب لموقفهم المناوئ في معركة تنصيب الخليفة. وقد وجد سبيلاً لاقناع المصحفي بمنطقه دون أن يكشف أبعاده العملية التي لم تكن في مصلحته. ذلك أن العامري ما لبث أن استبدل الحرس الخلافي بعناصر جديدة موالية له. وكانت هذه أولى قراراته الذكية في اتخاذ ركائز له في الدولة لا سيما في القصر، ليعتمد عليها في تحقيق أهدافه السياسية. وفي تلك الأثناء وقعت حادثة كان لها دوراً إيجابياً في بروز هذا الرجل، عندما شنت الإمارة الإسبانية (قشتالة) هجوماً على قلعة رباح (بين طليطلة وقرطبة)، مستغلة دون ريب ظروف التناحر السياسي في العاصمة بُعيد وفاة المستنصر. ولم تدرك قشتالة أنها خدمت في هجومها هذا مصلحة العامري دون أن تدري، ومهّدت له الطريق إلى القمة بصورة غير مباشرة. فقد كانت المحنة التي نزلت بالقلعة في منتهى الشدة، وتركت صداها المؤثر في عاصمة الخلافة دون أن يحرك الوزير المسؤول ساكناً، فقد تجاهلها أو كاد، ربما لأنه خشي مغادرة العاصمة في تلك الأجواء. وكان هذا الموقف شركاً أوقع المصحفي نفسه فيه دون أن يدري، وأفقده كثيراً من بريقه المعنوي.

وكان العامري يرتقب بارتياح موقف الوزير اللامبالي من الهجوم القشتالي الجريء، فاقترح أن يقود الجيش بنفسه إلى الإمارة الإسبانية، رداً على عملية القلعة. ولم يمانع الوزير، ولعله رحب بخروج منافسه من قرطبة والابتعاد عنها في حرب » القلاع «  البعيدة، بعد أن شعر بوطأة وجوده وتحركاته السياسية المريبة.

وفي (رجب 366 هـ / شباط 977 م) نفّذ العامري تجربته الأولى في الحرب على مستوى القيادة. وسار بحملته التي اتخذت طابعاً انتقامياً صرفاً، مستهدفاً الإمارة القشتالية وانتهى به المسير إلى موقع عسكري للإسبان يُعرف بحصن الحمامة (على مسافة غير بعيدة من مدينة سلمنقة)، فأنزل بالحصن ضربة قوية كانت متكافئة مع هجوم الأمير القشتالي السابق على قلعة رباح. ولقد أصاب العامري بحملته الناجحة أكثر من هدف. فاستطاع بواسطة أجهزته ومراكز نفوذه أن يجعل منها انتصاراً باهراً قوبل بارتياح وإعجاب في عاصمة الخلافة، وكشفت في نفس الوقت موهبة العامري العسكرية إلى جانب مواهبه العديدة الأخرى. وكان الخاسر الأكبر في ذلك الوقت الوزير المصحفي الذي شعر بأفول نجمه وتراجع نفوذه. وبعد عودته لم يدّخر العامري وسعاً في متابعة جهوده للاستئثار بالسلطة ومحاصرة ندّه الوزير بحملات نفسية عنيفة تزيد في عزلته وتحجيمه. بيد أن المعركة السياسية بين الخصمين الكبيرين لم تكن بهذه السهولة، فالمصحفي لايزال قابضاً بيده على مقاليد الأمور ومستأثراً بالسيطرة على المناصب الحساسة، خاصة أموال الدولة بما لذلك من أهمية في اكتساب الأعوان وشراء الأنصار.

استفاد المنصور كذلك من فتور العلاقة بين حليفه القائد غالب والوزير المصحفي. وكان هذا الأخير قد اتهم القائد  بالتثاقل في الدفاع عن الحدود الشمالية خاصة أثناء الهجوم القشتالي على قلعة رباح. ووجد العامري في ذلك مدخلاً لاكتساب صداقة القائد وثقته، فتحوّل إلى مدافع عنه في أوساط القصر وتسويغ موقفه من حادثة القلعة. وتتوّجت الصداقة بين الرجلين في الحملة المشتركة التي استهدفة قشتالة أيضاً. ورغم أن القيادة الفعلية كانت للقائد المحترف غالب، فإن العامري أبدى من البسالة والجرأة ما أثار إعجاب القائد الشهير. ومرة أخرى يعود العامري إلى قرطبة مكللاً بهامات النصر وحائزاً على ثقة أحد أقوى شخصيات الخلافة الأموية. وبعودته تصبح المجابهة حتمية بينه وبين الوزير المصحفي، وكانت أولى مؤشرات المعركة انتزاع العامري مرسوما خلافياً بتعيينه حاكماً على قرطبة. ولم تكن سيدة القصر بعيدة عن هذا الإجراء الذي أطاح بابن الوزير، محمد بن جعفر المصحفي الحاكم السابق. وكان المنصب تجربة جديدة لكفاءة العامري الذي برز فيه كما في قيادة الحملات العسكرية، وشهدت العاصمة هدوءاً واستقراراً لم تعرفها منذ وفاة الحكم المستنصر.

ولم يكن عزل محمد بن جعفر في الواقع غير مقدمة للاطاحة بالأب الوزير، الذي شعر بالحصار السياسي والمعنوي المفروض عليه من القصر والجيش. وأخذت كرسي الوزارة تهتز به وهو يتراجع من هزيمة إلى أخرى، في وقت كان العامري ينتقل من نصر عسكري إلى آخر سياسي. فبعد الحملة الثالثة التي قام بها إلى (سلمنقة) بالاشتراك مع غالب (367 / 978)، تمكن من استصدار مرسوم خلافي آخر بتعيين خليفة القائد شريكاً للمصحفي في الوزارة. وكان هذا الإجراء السهم الأخير المستهدف حياة الوزير السياسية، فقد طغى عليه نفوذ القائد وما لبث أن فقد كل صلاحياته التي انتقلت تدريجياً إلى شريكه. ثم جاءت الضربة القاضية بعزله من منصبه نهائياً وزجه في السجن في العام نفسه. وكانت التهمة المحبوكة ضد الوزير والتي كان وراءها الجهاز الثلاثي الحاكم (ابن أبي عامر وصبح  والقائد غالب) هي استغلال أموال الدولة في شؤونه الخاصة. وانتهى الأمر بالمصحفي الذي تألق كأبرز الوزراء في تاريخ الدولة الأموية في الأندلس، بالموت قتلاً في السجن المطبق بالزهراء (372 / 983). وكانت نكبة العائلة المصحفية بتصفية عميدها الوزير في السجن وملاحقة أبنائها واضطهادهم  ومصادرة أموالهم، قريبة الشبه بالنكبة الشهيرة التي تعرض لها البرامكة وزراء الدولة العباسية في عهد الرشيد. كما كانت مؤشراً لطبيعة العهد الجديد الذي أصبح على رأسه محمد بن أبي عامر (الذي لقب بالمنصور) بشخصيته المكيافيلية العنيفة، حيث لا يتردد في استعمال مختلف الوسائل من أجل تحقيق أهدافه السياسية، دون تهيّب أو وجل. فبنفس السهولة وهدوء الأعصاب اللتين قضى بها على المغيرة بن عبد الرحمن مرشح الحرس الصقلبي للخلافة، قضى على منافسه المباشر جعفر المصحفي ليأخذ مكانه في كرسي الوزارة. وبالطريقة نفسها سيلجأ إلى تحطيم قوة الخصم الآخر (غالب) بعد انتهاء دوره كحليف مرحلي. ولا يتورع عن الاصطدام بسيدة القصر (صُبح) التي كانت وراء نجاحه حتى لا يجد في النهاية قوة غير قوته وسلطاناً غير سلطانه.

وإذا أردنا البحث عن المصدر الذي استمد منه المنصور قوته في مواجهة الخصوم الأشداء، فلا جدل في أن سيدة  القصر كانت وراء كل هذه المعارك السياسية الناجحة. لقد امتلك ناصية الأمور فيه من خلال استحواذه على إعجاب شخصية القصر القوية، المهيمنة بدورها على ابنها الخليفة الطفل، الذي كان يوفّر لقرارات المنصور التغطية الرسمية باعتبارها صادرة عن الخلافة وتحمل توقيعها. فمن القصر إذن استمد رصيده المعنوي الذي أمّن له الأرضية المناسبة لتحقيق أهدافه في إطار من الشرعية والقانون. فهو بنظر الناس ورجالات الدولة المدافع عن النظام وعن استمرارية الخلافة. غير أن القوة المادية التي كانت الوسيلة إلى تنفيذ مخططاته الذكية والبارعة، تكمن في الجيش الخاص الذي سعى إلى تأليفه وتنظيمه بعد القضاء على الحرس الخلافي من الصقالبة. فلجأ إلى إملاء الفراغ بعناصر غير عربية غلب عليها الطابع البربري، مع أقلية محترفة ومرتزقة من المقاتلين الإسبان.

 

الدَّولة العربية في إسبانيا من الفتح حتى سقوط الخلافة،

بتصرف،  إبراهيم بيضون

دار النهضة العربية للطباعة والنشر، بيروت  1978