قال الحميري: “ومن مدينة لشبونة كان خروج المغرّرين في ركوب بحر الظلمات ليعرفوا ما فيه وإلى أين انتهاؤه، ولهم بلشبونة موضع بقرب الحمة منسوب إليهم يعرف بدرب المغرّرين، وذلك أن ثمانية رجال كلهم أبناء عمّ اجتمعوا فابتنوا مركباً وادخلوا فيه من الماء والزاد ما يكفيهم لأشهر، ثم دخلوا البحر في أول هبوب للريح الشرقية فجروا بها نحواً من أحد عشر يوماً، فوصلوا إلى بحر غليظ الموج كدر الروائح كثير الصخور قليل الضوء، فأيقنوا بالتلف فردوا قلعهم في اليد الأخرى وجروا في البحر في ناحية الجنوب اثني عشر يوماً، فخرجوا إلى جزيرة الغنم، وفيها من الغنم ما لا يأخذه عدّ ولا تحصيل، وهي سارحة لا نظير لها ولا راعي، فقصدوا الجزيرة ونزلوا فوجدوا عين ماء جارية عليها شجرة تين بري، فأخذوا من تلك الغنم فذبحوها فوجدوا لحومها مرّةً لا يقدر أحد على أكلها فأخذوا من جلودها وساروا مع الجنوب اثني عشر يوماً إلى أن لاحت لهم جزيرة فنظروا فيها عمارة وحرث، فقصدوا إليها ليروا ما فيها فما كان إلاّ غير بعيد حتى أحيط بهم في زوارق فأخذوا وحملوا في مركبهم إلى مدينة على ضفة البحر فأنزلوا بها في دار فرأوا بها رجالاً شقراً زعراً شعورهم سبطة وهم طوال القدود، لنسائهم جمال عجيب، فاعتقلوا في بيت ثلاث أيام ثم دخل عليهم في اليوم الرابع رجل يتكلم باللسان العربي، فسألهم عن حالهم وفيم جاءوا وأين بلادهم، فأخبروه بكل خبرهم فوعدهم خيراً و أعلمهم أنه ترجمان، فلما كان في اليوم الثاني من ذلك اليوم أُحضروا بين يدي الملك فسألهم عمّا سألهم الترجمان، فأخبروه بما أخبر به الترجمان بالأمس وأنهم اقتحموا البحر ليروا ما فيه من العجائب وليقفوا على نهايته، فلما علم الملك ذلك ضحك وقال للترجمان: أخبر القوم أن أبي أمر قوماً من عبيده يركبون هذا البحر وأنهم جروا في عرضه شهراً إلى أن انقطع عنهم الضوء وانصرفوا من غير فائدة تجدي، ثم وعدهم خيراً وصرفوا إلى موضع حبسهم إلى أن بدأ جري الريح الغربية فعمر بهم زورقاً وعصبت أعينهم وجرى بهم في البحر برهة من الدهر، قال القوم: قدرنا أنه يجري بنا ثلاث أيام بلياليها حتى جاء بنا إلى البر فأخرجنا وكتفنا إلى الخلف وتركنا بالساحل إلى أن تضاحى النهار وطلعت الشمس ونحن في ضنك وسوء حال من شدة الكتاف حتى سمعنا ضوضاء وأصوات ناس فصحنا بجملتنا، فأقبل القوم إلينا فوجدونا بتلك الحال السيئة، فحلّوا وثاقنا وسألونا بخبرنا وكانوا بربراً، فقال أحدهم: أتعلمون كم بينكم وبين بلدكم؟ فقلنا: لا، فقال: مسيرة شهرين، فقال زعيم القوم: وا أسفي، فسمي المكان إلى اليوم أسفي، وهو المرسى الذي في أقصى المغرب”.

 

الرَّوْضُ المِعْطَار فِي خَبَرِ الأَقْطَار،

مُحَمَّد بن عَبْد المنعِم الحِمْيَري،

تحقيق إحسَان عبّاس،

مكتبة لبنان، بيروت، الطبعة الثانية، 1984.