في قديم الزمان كان يعيش بقصر الحمراء في غرناطة ملك له ابن وحيد اسمه أحمد الكامل، بنى له قصراً رائعاً في المكان الذي توجد به اليوم حديقة جنة العريف. وأختار له نخبة من خيرة قواد وعلماء الأندلس ليعلموه فنون الحرب، وشتى العلوم النافعة. لكنه أمرهم أن لا يحدثوه أبداً في الحب وأسراره، لما قد يسببه له ذلك من عذاب وتعاسة إذا فشل فيه.

ورغم سعادته بكل ما تعلمه من علوم وفنون السلم والحرب، كان الأمير يحس بفراغ في حياته، وبأنه يحتاج إلى تعلم أشياء أخرى أكثر سكوناً تلهيه في وحدته وفي سجنه الذهبي. وكان قد تعلم كذلك منطق الطير ولغته، لذا قرر التحاور مع الطيور التي تعيش بحديقة قصر الحمراء. وقد وجد فيها مؤنسة وحشته، وصديقة وحدته. ووسط نفحات الورد والياسمين، سمع عصفوراً يناجي حبيبته معبراً عن ما يختلج في صدره نحوها، آنذاك فقط اكتشف الأمير معنى الحنان؛ وبدأ يسأل العصافير التي حكت له الكثير من قصص الحب. ولما أراد ان يعرف المزيد من أساتذته، لم يلق غير التهويل والتخويف من الحب ومآسيه.

وفي يوم من الأيام، بينما هو جالس في مخدعه، دخل عليه طير حمام مذعور بسبب مطاردته من طرف صقر انقض على حبيبته. وقد تأثر الأمير أحمد لما سمع، وشاطر طائر الحمام حزنه، وساعده على التحليق من جديد في سماء الحرية. لكن بعد يومين عاد الطائر من جديد، ليحدثه بشأن أميرة ساحرة الجمال تدعى “أليغوندا”، محبوسة مثله في قصر بعيد، تحمل في صدرها قلبا يطلعها على أسرار الحب ولطائفه.

لم يتردد الأمير في كتابة رسالة إلى الأميرة وضعها بعنق طائر الحمام الذي أصبح رسول حب بينهما؛ وكان الأمير يتلهف لمعرفة أخبار حبيبته السجينة. وذات مرة عاد طائر الحمام جريحاً، يحمل تحت جناحيه صورة الأميرة وقلادتها، فازداد الأمير شوقاً إليها وتعلقاً بها. وبعد استشارة الطيور، وهي أمينة أسراره، قرر الفرار من القصر بحثاً عن حبيبته، وكان دليله ورفيق رحلته طائر الحمام. وقد ترك غرناطة إلى إشبيلية، التي أخبره فيها ببغاء، أن الأميرة السجينة هي ابنة ملك النصارى، وأن قصرها يوجد بمدينة طليطلة على بعد مئات الكلمترات.

ركب الأمير أحمد قارباً في الوادي الكبير رفقة طائر الحمام والببغاء اللذين تقصيا له مزيداً من أخبارها، وأخبار والدها ملك طليطلة، الذي وعد بتزويجها فقط لأقوى محارب في مملكته، بعد أن يهزم في المبارزة كل خصومه.

كان الأمير أحمد قد تعلم في طفولته فنون الحرب والمبارزة، لذا كان متيقناً من أنه سيتغلب على كل خصومه ويظفر بقلب الأميرة. وقد غادر القارب، واشترى حصاناً وأسلحة، وفي اليوم المحدد دخل طليطلة. وما أن بدأت المبارزة حتى أثار الأمير أحمد الاعجاب بشجاعته ومهارته في القتال، وانتصر على جميع المتبارزين. لكن كونه غريباً عن البلاد ومن ديانة أخرى جعلت الملك ورعاياه يثورون ويحاولون القبض عليه لقتله، لذا امتطى صهوة جواده وفر بسرعة البرق. وقد حزنت الأميرة لفراق حبيبها، ورفضت الكلام منذ ذلك اليوم، وشحب وجهها، وخاف أبوها على هلاكها وكانت ابنته الوحيدة. وحتى ينقذها مما هي فيه، وعد بتقديم أغلى جوهرة في ثروته لمن يستطيع شفاءها.

أخبرت الطيور بذلك الأمير الذي تنكّر في لباس تاجر عربي بسيط من أهل الصحراء، وتوجه إلى القصر لعلاج الأميرة التي تعرفت عليه، وشفيت في الحال. وكان الأمير يحمل تحت ذراعه بساطاً سحرياً، مجرد ما فتحه أمام الأميرة حتى حمل الاثنين في الهواء وطار بهما إلى قصر الحمراء.

أرسل ملك طليطلة جواسيسه إلى بلاد المسلمين لمعرفة سر ذلك التاجر ومصير ابنته، ولما علم أنه أمير غرناطة، وأن ابنته تعيش داخل قصر الحمراء، جهز جيشاً جراراً لغزو أراضي المسلمين. لكن ما أن اقترب من المدينة، حتى خرجت ابنته لمقابلته، وحكت له عن حبها للأمير الذي احترم ديانتها وتركها تمارس شعائرها. كما خرج الأمير أحمد كذلك، الذي أصبح ملكاً على غرناطة بعد وفاة والده، لاستقبال حماه بحفاوة كبيرة، واستضافه بقصر الحمراء الذي انبهر الملك بما يزخر به من من نفائس الفن والعمارة. وقد بارك ملك طليطلة زواج الأميرين، وقبل أن يعود إلى عاصمة ملكه، ترجى صهره الأمير أحمد الكامل أن يسمح للمهندسين والبنائين الأندلسيين بمرافقته، حتى يشيدوا له قصراً على شاكلته في طليطلة، لا زال إلى اليوم شاهداً على التأثير الاسلامي في الحضارة المسيحية بالأندلس.

حكاية من القصص الشعبي الإسباني