قال ابن عذاري: “كان (هشام بن عبدالرحمن) قبل خلافته، يقعد في علية مطلة على النهر، يطل منها إلى الربض، وتقع عينه على من يخطر، فنظر يوماً في الهاجرة إلى رجل من بني كنانة، وكان من صنائعه، مقبلاً من باديته بجيان، وكان أخوه سليمان والياً عليها، فدعا فتى له وقال له: “أرى الكناني صنيعنا مقبلاً في هذه الظهيرة، وما أحسب ذلك إلا لخطب أقلقه من أبي أيوب أخي. فإذا وصلك، فأدخله علي كما هو” ففعل الفتى ما أمره وكانت مع هشام جارية له. فلما دنا الكناني، رفع ستراً كان أمامه، فدخلت الجارية خلفه، ثم قال له، بعد أن سلم عليه: “يا كناني، لا أحسبك إلا قد دهمك أمراًُ!” فقال له الكناني: “قتل رجل من بني كنانة رجلاً خطأ، فحملت الدية على العاقلة، فأخذت بنو كنانة عامة، وحيف علي من بينهم خاصة، لما عرف أبو أيوب مكاني منك. فعذت بك من ظلامتي!” فقال له: “يا كناني! ليفرج روعك وليسكن جأشك لا جرم قد تحمل هشام عنك وعن قومك جميع الدية!” ثم مد يده إلى خلف الستر، فأخرج عقداً كان على الجارية، ثمنه ثلاثة ألاف دينار، فقال له: “خُذ هذا العقد، فأد ثمنه عنك وعن قومك، وتوسع في الباقي!” فقال الكناني: “يا سيدي! إنه لم آتك مستجدياً ولا ضاق لي مال عن أداء ما حملته، ولكني أتيتك مستجيراً بك لما أصبت بالعدوان والظلم. فأحببت أن تظهر علي ما عز نصرك!” قال له: “فما وجه نصرك؟” قال له: “أن يكتب الأمير ـ أصلحه الله! ـ إلى أبي أيوب في الإمساك عن أخذي بما لم يجب علي وأن لا يحملني محمل عامة أهلي!” فقال له هشام: “خذ العقد لأهلك ونفسك، إلى أن ييسر الله فيما ذهبت إليه من أمرك!”. ثم أمر هشام بإسراج دابته من فوره، وركب إلى أبيه الأمير عبد الرحمن. فلما مثل بين يديه، قال له: “رجل من بني كنانة، هو لي صنيعة، عدا عليه أيوب بجيان في دية حملت على العاقلة!” قال الأمير: “فما تحب في أمره؟” قال: “الكتابة إليه بالكف عنه، وأن لا يؤاخذ بغير ما لزمه!” فقال الأمير: “أو خير من ذلك! يؤدي الدية عنه من بيت المال، إذ هو منك بهذه المنزلة، وإذ أنت له بهذه العناية!” فأكثر هشام الشكر لوالده، ثم أمر بأداء الدية من بيت المال، وبالكتابة إلى أبي أيوب بترك التعرض للكناني. ولما حان توديع الكناني لهشام، قال له: “يا سيدي، إني قد بلغت فوق الأمنية، وجاوزت أقصى غاية العز والنصرة! وهذا العقد النفيس قد أغنى الله عنه” فقال له هشام: “يا كناني، إني لا سبيل إلى رد شيء قد خرج عنا، وخذه مباركاً لك فيه”.

وهشام هو الذي أكمل سقائف المسجد الجامع بقرطبة، ورفع منارته القديمة، وبنى الميضاة العجيبة، وعقد من الجسر ما كان تثلم بالسيل ـ رحمه الله!”.

 

ابن عذاري: البيان المغرب في أخبار الأندلس،

بيروت 1980