عرفت الأندلس منذ عصر الخلافة تطورات تقنية جديرة بالتأمل في مجال نقل مواد البناء بأشكالها المختلفة، فقد تم تسخير العجلات الضخمة لتحريك معدات النقل الثقيل المسخرة لتذليل الصعوبات التقنية أمام المشاريع العمرانية الملكية التي انطلقت مع منتصف عهد الناصر، وخاصة في حمل الكتل الصخرية الضخمة التي اقتلعت من محاجر بعيدة نسبياً عن قرطبة بغرض إعادة بناء صومعة المسجد الجامع، حسب رواية ابن عذاري. ومما لا شك فيه أن عملية النقل هذه استخدمت خلالها مختلف التقنيات الني يتطلبها سحب الحجارة من المقلع ورفعها على العربات المتينة، وجرها وفق نواميس دقيقة؛ وهو ما عده ابن خلدون صناعة قائمة الذات سماها “جر الأثقال بالهندام”، ومما يتعين في ممارستها أن “يعرف صاحب هذه الصناعة أشياء من الهندسة”.

وفضلاً عن نقل الكتل الصخرية الضخمة، تواترت الاستعانة بهذه التقنية في نقل الرخام من أماكن نائية إلى أوراش البناء بمدينة الزهراء، إذ اشتملت مباني قصر الناصر وحدها “على أربعة آلاف سارية ما بين كبيرة وصغيرة، حاملة ومحمولة، ونيف على ثلاث مائة سارية زائدة”؛ ولم يكن مصدرها واحداً، فقد كان “منها ما جلب من مدينة رومة، ومنها ما أهداه صاحب القسطنطينية”، إضافة إلى ذلك اتخذت للمدينة الملكية من مصاريع الأبواب أزيد من “خمسة عشر ألف باب، وكلها ملبسة بالحديد والنحاس المموه”. وفي رواية مفصلة، وطّن المقري مقاطع الرخام التي جبلت منها مختلف الأشكال التي أنشئت بها الزهراء، وتعدادها؛ وحصيلة المعطيات التي قدمها كالتالي: “كان عدد السواري المجلوبة من إفريقية ألف سارية وثلاث عشر سارية، ومن بلاد الإفرنج تسع سارية، وأهدى إليه ملك الروم مائة وأربعين سارية؛ وسائرها من مقاطع الأندلس: طركونة وغيرها، فالرخام المجزع من رية، والأبيض من غيرها، والوردي والأخضر من إفريقية، من كنيسة سفاقس. وأما الحوض المنقوش المذهب الغريب الشكل، الغالي القيمة، فجلبه إليه أحمد اليوناني من القسطنطينية، مع ربيع الأسقف القادم من إيلياء؛ وأما الحوض الصغير الأخضر المنقوش بتماثيل الإنسان، فجلبه أحمد من الشام، وقيل من القسطنطينية مع ربيع الأسقف أيضاً…، وحمل من مكان إلى مكان، حتى وصل في البحر، ونصبه الناصر في بيت المنام، في المجلس… المعروف بالمؤنس” . كما زود المنتزهات بالمياه العذبة، مثل “منية الناعورة خارج القصور، وساق لها الماء من أعلى الجبل على بعد المسافة”.

لقد أملت مظاهر الملك التي اقترنت بقيام الخلافة واختطاط صرح الزهراء تكثيف الطاقات وتحديث التقنيات الموجهة لتلبية حاجات السلطان في ميادين النقل والمواصلات، وهو ما تعكسه مختلف الإشارات المصدرية عن تجنيد إمكانات بشرية ومادية هائلة لهذا الغرض؛ وتأتي في مقدمتها ضرورة إيجاد أصحاب الخير في هذا المضمار، وهو ما أشار إليه ابن خلدون في معرض حديثه عن إنجازات الناصر بقوله: “استدعى عرفاء المهندسين والبنائين من كل قطر، فوفدوا عليه حتى من بغداد والقسطنطينية”.

وتعكس روايات ابن حيان المثبتة في “نفح الطيب” و”أزهار الرياض”، بلوغ تقنيات النقل الموجه إلى حمل الكتل الثقيلة بشقيه البري والبحري، أوج تطورها خلال عهد الحكم المستنصر الذي يمثل آخر أيام النهضة العلمية الحقة، نظراً لاقتران مختلف التجارب العلمية والابتكارات الصادرة عن العرفاء وأهل البصيرة.

 

النقل والمواصلات بالأندلس خلال عصري الخلافة والطوائف (بتصرف)،

عبد السلام الجعماطي،

منشورات دار الأمان،  الرباط، 2010