شيده بإشبيلية القاضي عمر بن عديس سنة 214 هـ (829 ـ 830 م)، بأمر من الأمير عبدالرحمن الأوسط. لم يتبق منه في الوقت الحاضر سوى جزء من الصحن والجزء الأدنى من المئذنة، ومع ذلك فلهذه الآثار القليلة أهمية بالغة إذ توقفنا على جانب هام من جوانب فن العمارة الأموية في عهد الإمارة.

وقد سجل تاريخ الإنشاء في نقش كوفي على بدن عمود من الرخام محفوظ اليوم بمتحف الآثار الأهلي بإشبيلية نصه: “يرحم الله عبد الرحمن بن الحكم الأمير العدل المهتدي الآمر ببنيان هذا المسجد على يد عمر بن عدبس قاضي أشبيلية في سنة أربع عشرة ومتين، وكتب عبد البر بن هرون”.

ويتميز هذا الجامع عن جامع عبد الرحمن الداخل في أنه لم يضف إليه إضافات بل ظل يحتفظ بمساحته الأولى حتى ضاق بعد مضي ثلاثة قرون من إنشائه وأصبح لا يتسع لجميع المصلين، فأقام الموحدون جامع القصبة الكبير بإشبيلية.

وكان جامع ابن عديس يشبه جامع قرطبة في نظامه العام وفي عدد بلاطاته، فقد كان يشتمل على أحد عشر بلاطاً تتجه عمودية على جدار القبلة، وكان البلاط الأوسط أكثر هذه البلاطات اتساعاً ورتفاعاً، وكان طول جدار القبلة يتراوح ما بين 48، 50 متراً. وكانت لهذا المسجد مئذنة تنتصب في منتصف الجدار الشمالي. وكانت هذه المئذنة مربعة من الخارج ومستديرة من الداخل، وكان يبلغ طول كل جانب من جوانبها الأربعة 5,88 متر، وعلى هذا فنظامها يشبه نظام المآذن القرطبية التي ترجع إلى عصر الأمير عبد الرحمن الأوسط مثل مئذنة سان خوان ومئذنة سانتا كلارا، إذ يفصل بين المركز الأسطواني والجدران الخارجية درج يبلغ عرضه 80 سم، وأقيمت مئذنة الجامع من الأحجار التي تخلفت من السور الروماني القديم الذي تخرب عند الفتح الاسلامي للمدينة، بدليل أنه عثر بين أحجار المئذنة المذكور على حجر عليه نقوش لاتينية مما يقطع بأن هذه الأحجار اتخذت من آثار رومانية قديمة.

وكان صحن الجامع مغروساً بأشجار البرتقال والنارنج، ولذلك فالصحن يعرف اليوم باسم Patio de los Naranjos، وكانت تتوسطه خصة من الرخام تنبثق منها نافورة. وقد أصيب جامع ابن عديس ببعض الأضرار أثناء غارة النورمنديين على إشبيلية سنة 230 هـ (844 م). ثم أصيب المسجد سنة 472 هـ (1079 م) بزلزال عنيف هدم الجزء الأعلى من المئذنة، فجدد المعتمد بن عباد بناءها في شهر واحد، وتاريخ البناء مسجل على لوحة اكتشفت في الجدار القبلي بقاعدة المئذنة. ويبدو أن بناء المسجد قد تأثر بهذا الزلزال، فتصعدت جدرانه الغربية ومالت، وتآكلت جوائز سقفه، فظل كذلك حتى كانت أيام أبي يوسف يعقوب المنصور الذي أمر في جمادى الأولى سنة 592 هـ (مايو سنة 1195 م) بترميمه، وإقامة ركائز قوية تسند جدرانه الغربية من الميل، وأعاد إليه الصلاة بعد أن كانت قد انقطعت منه منذ سنة 580 هـ (1174 م).

ولقد تحول جامع ابن عديس إلى كنيسة سان سلفادور San Salvador عقب سقوط مدينة إشبيلية على يد فرناندو الثالث سنة 1248م. ثم أصيبت المئذنة للمرة الثانية في 24 أغسطس سنة 1356 بأضرار جسيمة بسبب زلزال عنيف هدم جزءها العلوي، فأقيم مكانه طابق للنواقيس. ولم يتبق من المئذنة الإسلامية سوى جزء يبلغ ارتفاعه 9,50 متر. أما المسجد فقد هدم برمته سنة 1671 م وأقيمت مكانه كنيسة سان سلفادور التي تم بناؤها سنة 1712 م.

تاريخ المسلمين وآثارهم في الأندلس، بتصرف، عبد العزيز سالم، دار النهضة العربية، 1988.م