صدر عن مركز دراسات الأندلس وحوار الحضارات كتاب قصر الحمراء ذاكرة الأندلس، هذا القصر الذي يثير في المخيال الغربي والعربي، قضية منتهية في الزمن حية في الذاكرة، تحرك أحاسيس ومشاعر أدخلت القصر إلى تراجيديا التاريخ وجعلت الحقيقة التاريخية حوله تقريباً متجاوزة. من هنا كانت الحاجة إلى إعادة كتابة تاريخ هذه المعلمة، وفق مقاربة شمولية حاولت أن تجعل من فن العمارة، أداة لكتابة التاريخ الاجتماعي والسياسي والثقافي، وذلك اعتماداً على مساهمات نخبة من الخبراء العرب والغربيين.

      وكما ركزت الدراسة على قصر الحمراء الغرناطي، تتبعت مسار قصور الحمراء التي شيدت عبر العالم، في عمليات استنساخ لم تتكرر في أية معلمة عمرانية أخرى عبر التاريخ، وقد تم توثيق ذلك بأكثر من 500 صورة بالألوان، العديد منها تنشر لأول مرة. الكتاب يقع في 400 صفحة من الحجم الكبير. طبع بمطابع Edilux ، بمدينة غرناطة، وهو ثمرة تعاون بين مركز دراسات الأندلس وحوار الحضارات، ومؤسسة قصر الحمراء.

وتعميما للفائدة نورد الفصل التمهيدي من هذا الكتاب، وهو بقلم مدير مركز دراسات الأندلس وحوار الحضارات الدكتور عبدالواحد أكمير.

- – – – – -

   الفصل التمهيدي

يثير قصر الحمراء في  المخيال الغربي والعربي على حد سواء، قضية منتهية في الزمن حية في الذاكرة، تحرك أحاسيس ومشاعر متضاربة، يعبر عنها بشكل واضح الامتداد الذي أصبح للتسمية اليوم؛ بحيث يطلق اسم “قصر الحمراء” في الشرق والغرب، على أماكن لا يربط بينها رابط، فقد نعثر على مكتبة أو على فرقة موسيقية أو على مقهى أو على منتوج للاستهلاك الغذائي يحمل اسم “قصر الحمراء”، وهذا يؤكد أن القصر ليس مجرد صرح عمراني، بل هو منبع لا ينضب حسب تعبير الدكتورة “ماريا ديل مار فيافرانكا” Maria del Mar Villafranca، مديرة قصر الحمراء، في تقديمها للطبعة الإسبانية من هذا الكتاب.

لقد ساهم في بلورة هذا الإحساس بالنسبة للغرب بشكل عام الأدب الرومانسي للقرنين الثامن عشر والتاسع عشر، والذي أسس لنوع جديد من الاستشراق، ساهم فيه ما عرف ب “الرحلة  إلى إسبانيا” التي حرصت على القيام بها النخبة المثقفة الفرنسية والإنجليزية، والتي اكتشفت أوروبا من خلالها أن الشرق يوجد في الغرب[1]، وأن الحضارة المشرقية قريبة منها، إذ يكفي عبور سلسلة جبال البرانس، وخصوصاً عبور جبل شْلير (سيرا نيفادا) Sierra Nevada المحيطة بغرناطة، للوصول إلى أشهر قصر في تاريخ الحضارة الإسلامية (الحمراء). والحقيقة أنه لما نشر رائد هذه الرحلات، الإنجليزي “سوينبورن” Swinburne كتابه “سفر إلى إسبانيا” سنة 1775، كان تاريخ الأندلس قد نسي تماماً في أوروبا التي ستعيد اكتشافها لهذا التاريخ، وخصوصاً لمعلمة عمرانية مميزة هي قصر الحمراء الذي خصص له “سوينبورن” حيزاً مهماً من كتابه[2]. وكان هذا القصر الأسطوري قد بقي، منذ سقوط غرناطة في نهاية القرن الخامس عشر الميلادي، وإلى منتصف القرن التاسع عشر، عرضة للإهمال والنسيان والكوارث، وكان بعضها من ارتكاب الإنسان مثل تفجير أبراجه وإضرام النار فيه ونهب مقتنياته، وبعضها الآخر بفعل الطبيعة مثل الصواعق والزلازل.

أعاد الإسبان اكتشاف قصر الحمراء من خلال ما كتبه غيرهم[3]، ومع إعادة اكتشافهم للقصر أعادوا اكتشاف الحضارة الأندلسية برمتها، بعد قرون من الصمت القسري الذي فرضته محاكم التفتيش، وكان قد تبلور على امتداد تلك الفترة مفهوم جديد للتاريخ، آمن بأسطورة “إسبانيا الأزلية المسيحية”، التي يجب أن تقتلع من الجذور كل ما هو غير مسيحي في شبه الجزيرة الإيبيرية، ومن ضمن ذلك ثمانية قرون من تاريخ الحضارة الأندلسية. وسوف يسمح إعادة اكتشاف تلك الحضارة، بتأسيس توجه جديد في الدراسات التاريخية بإسبانيا منذ القرن التاسع عشر، اصطلح على تسميته ب “الاستعراب”؛ وهو توجه له مرجعية عمرها ألف سنة؛ تعود جذورها إلى القرن التاسع الميلادي، عندما أطلق نخبة من المثقفين المسيحيين الذين يعيشون في الأندلس على أنفسهم اسم المستعربين، وعبّروا  عن إعجابهم بالحضارة الإسلامية، واتخذوا من اللغة العربية لغة التواصل الفكري والثقافي على حساب اللاتينية التي انحصر دورها آنذاك في ممارسة الطقوس والشعائر الدينية[4].

اعتبر المستعربون الإسبان في القرن التاسع عشر أن اهتمامهم بالحضارة الإسلامية يجب أن يقتصر على الحضارة الأندلسية، وساروا على هذا النهج منذ أن ألف في بداية القرن المذكور، مؤسس الاستعراب الإسباني المعاصر “خوسي أنطونيو كوندي” José Antonio Conde، كتابه “تاريخ حكم العرب لإسبانيا”. وقد بين رواد الاستعراب الإسباني أن فن العمارة الإسلامية يمثل واحداً من أهم مظاهر هذه الحضارة الأندلسية[5]. وكان لخطابهم هذا دور فعال في إعادة الاعتبار لفن العمارة الأندلسية الذي اعتبر جزءاً من فن العمارة الإسبانية، وعلى هذا الأساس مثلت الهندسة المعمارية الإسلامية إسبانيا في عدد من المعارض الدولية مثل معارض باريس سنوات 1867، 1878، 1889 ومعرض فيينا سنة 1873؛ ومعرض بروكسيل سنة 1910، وهي المعارض التي برز فيها قصر الحمراء كمعلمة عمرانية بامتياز.

اختلف المستعربون الإسبان إذاً من حيث طبيعة اهتماماتهم عن المستشرقين الأوروبيين، لأن أبحاثهم تناولت ما اعتبر جزءاً من تاريخهم، وبالتالي فنظرتهم له ستختلف عن نظرة المستشرقين الذين اعتبروه جزءاً من ثقافة الآخر، كما اختلفوا عنهم لأنهم رفضوا تسمية الاستشراق، واعتبروا أن ما يهتمون بدراسته يوجد في الغرب، بل ويوجد داخل القارة الأوروبية، بخلاف المستشرقين الأوروبيين الذين لم يولوا كبير اهتمام للمعطى الجغرافي، وركزوا على البعد الثقافي، لذا رأوا أن الثقافة الأندلسية هي جزء من الثقافة المشرقية؛ وما أنتجته الثقافة الإسلامية في غرناطة لا يختلف كثيراً عن ما أنتجته في دمشق أو بغداد أو القاهرة. وهذا هو المفهوم الذي نعثر عليه لدى الفرنسي “شاتوبريان”Chateaubriand ، الذي يمكن القول إن كتابه “رحلة من باريس إلى القدس” هي سفر في الثقافة والتراث أكثر منه في المجال الجغرافي، بحيث إن قاعة بني سراج[6] وهي من أبرز معالم قصر الحمراء، والتي جعلها مسرحاً لروايته المشهورة “مغامرات آخر أفراد أسرة بني سراج” (صدرت سنة 1826)، هي كأي قاعة من أي قصر مشرقي، لدرجة أن “شاتوبريان”، ورغم مروره بغرناطة وزيارته لقصر الحمراء، لم يحاول أن يسجل أي شيء عنه، بل اكتفى بأوصاف نقلها عن رحالة سابقين. وهذا كذلك هو المفهوم الذي نجده عند فرنسي آخر هو “غوتيي”Gautier؛ فبطل روايته “فورتونيو”  Fortunio طفل من الشرق تخدمه الجواري الحسان داخل قصر من قصور ألف ليلة وليلة شُيد له في قلب باريس؛ طفل فضل الفرار من الحضارة الغربية ليتفرغ  ل: “نشوة الحب وتأمل الحقائق الأزلية” التي تسمح بها الثقافة المشرقية. وحسب “جان ميشيل كورني”، فإن “غوتيي” وهو يتجول داخل قاعات قصر الحمراء، الوطن الذهني للرومانسيين، تقمص شخصية بطل روايته “فورتونيو”، وبفضل ذلك تعافى من أفكاره الباريسية، وأحس بالحرية التي خولت له الاستمتاع بعبقريته الإبداعية، بعد أن عثر تحت شمس غرناطة على: “عافية الزمن المنقضي … تستضيفه بصدر رحب، وتسحره بنبيذ أفكارها العذرية”[7].

غير أن تحول قصر الحمراء إلى واحد من قصور ألف ليلة وليلة، لا يقتصر على المستوى الإيحائي الرمزي، بل يمكن أن يصبح نوعاً من الاستنساخ الفيزيائي، كما ترى “ماريا خيسوس روبيرا”؛ فبهو الأسود، وقاعة الأختين، وقاعة بني سراج، وقاعة الملوك، وقاعة المقرنصات، وكلها من مرافق قصر الحمراء، هي نسخ طبق الأصل لقاعات توجد بالفعل في قصور حكايات ألف ليلة وليلة، لذا لم تستبعد الباحثة أن يكون الشخص، الذي كتب فصول حكايات ألف ليلة وليلة التي تتحدث عن هذه القاعات، قد زار قصر الحمراء أو وصلته أخبار عنه، خصوصاً وأن فصول ألف ليلة وليلة التي وردت فيها هذه القصور، لاحقة من حيث تاريخ كتابتها عن تشييد قصر الحمراء، حسب استنتاجات “ماريا خيسوس روبيرا”[8].

لقد تحول قصر الحمراء في الثقافة الغربية إلى مكان أصبحت فيه الحقيقة التاريخية والعمرانية تقريباً متجاوزة، بعد أن خلقت حوله أساطير أعطته حياة ثانية لم يتخيلها أبداً من قام بتشييده حسب “خوان كلاترابا”. إن رحيل المسلمين عن القصر يمثل بالنسبة للرواد الرومانسيين الفرنسيين والإنجليز من أمثال “سوينبورن” و”شاتوبريان”: تلك المرارة التي تحرك الخيال، لتولد الحزن والألم والتفكر والتأمل حول عبثية الأقدار ونهاية الإمبراطوريات”[9]؛ أما بالنسبة للإسباني “سيغو دي لوثينا” Sigo de Lucena، أكبر مدافع عن الجذور الإسلامية لقصر الحمراء في بداية القرن العشرين، فرحيل المسلمين عن القصر: يحرك عواطف تنتمي إلى تراجيديا التاريخ”.

بالنسبة للعرب تجدد الاتصال بالأندلس كذلك من خلال “الرحلة إلى إسبانيا”، وإن كانت أهدافها تختلف عن أهداف تلك الرحلات التي اشتهر بها الرومانسيون الإنجليز والفرنسيون، ذلك لأن رحلات العرب كان يقوم بها رجال الدولة، عادة للتفاوض من أجل افتكاك أسرى المسلمين أو من أجل توقيع اتفاقيات تجارية. وقد قدم لنا هؤلاء انطباعاتهم عن الأندلس الإسلامية كما وجدوها، مثل الغساني الذي قام برحلته في نهاية القرن السابع عشر[10]، والغزال والمكناسي اللذان قاما برحلتيهما في النصف الثاني من القرن الثامن عشر[11]. وتسمح مقارنة هذه الانطباعات بتلك التي تركها الرحالة الأوروبيون، بخلاصات على درجة كبيرة من الأهمية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالحديث عن نفس المعلمة العمرانية أو عن نفس الظاهرة الحضارية. وهكذا لا يستطيع هؤلاء الرحالة المسلمون أن ينظروا بغير الاعتزاز لما وصلته الحضارة الأندلسية، عندما يزورون معالمها العمرانية الكبرى مثل مسجد قرطبة أو قصر الحمراء، ولكن في نفس الوقت لا يستطيعون أن ينظروا بغير الحسرة على أفول هذه الحضارة وزوالها. وقد سمى أحدهم وهو الأديب  التونسي علي بن سالم الورداني، الذي زار الأندلس في ثمانينيات القرن التاسع عشر، تلك البلاد  بالجنة المفقودة، وكان أول من استعمل العبارة، قبل أن يستعمل أحمد زكي باشا الذي زار الأندلس سنة 1892 عبارة “الفردوس المفقود”، التي أصبحت لها حمولة حضارية ووجدانية في الثقافة العربية المعاصرة. وكان الحديث عن “الفردوس المفقود” يجر بالضرورة للحديث عن قصر الحمراء[12]! أوليس هو أكبر تعبير عن المستوى الذي وصلته هذه الحضارة؟ وقد تزامن بداية تداول مصطلح “الفردوس المفقود” وشيوعه مع مرحلة الاستعمار في البلدان الإسلامية، لذا استُعمل كوسيلة لإذكاء الحس الوطني والقومي، ولأخذ العبرة من التاريخ ومقاومة المستعمر حتى لا يتكرر ما وقع في الأندلس. وعلى هذا الأساس ألف الزعيم المصري مصطفى كامل في بداية القرن العشرين  مسرحية “طارق بن زياد”، وألف عزيز أباظة في منتصف نفس القرن مسرحيته الشعرية “غروب الأندلس”[13]، التي تدور بعض أحداثها داخل قصر الحمراء، وترجم أحد رواد القومية العربية، وهو الأمير شكيب أرسلان إلى اللغة العربية رواية “مغامرات آخر أفراد أسرة بني سراج”، التي تدور أحداثها كذلك داخل نفس القصر. وكان شكيب أرسلان في اتصال مستمر منذ عشرينيات القرن العشرين بزعيم القومية الأندلسية “بلاس إنفانتي”Blas Infante ، الذي اعتبر الحضارة العربية الإسلامية، حجر الأساس في القومية الأندلسية المعاصرة، وهو ما عبر عنه في مؤلفاته[14]، وكذا في خطبه الملتهبة، مثل تلك التي ألقيت باسمه في مؤتمر “شعوب بدون وطن” الذي انعقد في نيودلهي سنة 1930[15]. ويذكر إنفانتي أنه اكتشف عظمة الميراث الحضاري الأندلسي عند زيارته للمعالم العمرانية بغرناطة وعلى رأسها قصر الحمراء.

تزايد خلال النصف الأول من القرن العشرين الاهتمام بدراسة تاريخ وحضارة الأندلس في العالم الإسلامي، وكان ما تلقته الأجيال العربية من معارف في المعاهد  والجامعات يمر هو الآخر عبر قصر الحمراء، سواء كان ذلك في مجال الشعر والأدب، أو في مجال التاريخ والسياسة، أو في مجال العمارة. إن قصر الحمراء هو ديوان شعري بامتياز، كيف لا، والأشعار المنقوشة على جدرانه تخلد لثلاثة من أكبر شعراء الأندلس؛ هم ابن الجياب وابن الخطيب وابن زمرك[16]، بل إنه أكبر ديوان شعري منقوش على الجدران في العالم[17].

وقصر الحمراء، هو مسرح للتاريخ السياسي كذلك، لأنه يؤرخ لواحدة من أكثر السلالات إثارة لاهتمام المؤرخين، وهي دولة بني الأحمر التي لا يمكن أن يفهم تاريخها دون التوقف عند قصر الحمراء، لسبب بسيط هو أن هذا القصر لم يكن إقامة ملكية فحسب، بل كان مقر الحكومة، وفيه اتخذت القرارات السياسية والعسكرية الحاسمة. وقد اعتبر الملكان الكاثوليكيان أنهما فقط أنهيا وجود الإسلام في الأندلس، بعدما دخلا قصر الحمراء الذي اتخذاه مقراً لإقامتهما، ولم يكن انبهارهما به وتقديرهما له أقل من تقدير أصحابه الأصليين. وحسب الملك فرناندو الكاثوليكي، إن قصر الحمراء هو:”أعظم ما يوجد في الكون”. أما الملكة إزابيل الكاثوليكية، فقد أوصت أن تدفن بقصر الحمراء، وهو ما تحقق بالفعل، لكن رفاتها نقلت بعد ذلك إلى كاتدرائية غرناطة، لتكون بجانب رفاة زوجها.

ويتذكر عميد الإعلاميين المغاربة، الأستاذ محمد العربي المساري، كيف كان يتردد على زيارة القصر عندما كان طالباً بغرناطة في منتصف القرن الماضي، وكانت تلك الزيارات تثير في نفسه حزناً وأسى، لأنه يحس أن الأمر يتعلق بشيء مِلكه أُخذ منه عنوة، وكان عزاؤه هو ترديد نونية أبي البقاء الرندي بمسراتها وأحزانها[18].

ورغم كل ما قد يثيره قصر الحمراء من أحاسيس متضاربة فرضتها تقلبات التاريخ، فإن الذي يلتقي فيه المسلمون والغربيون، هو أنه مصدر إبداع بامتياز. ومنذ وضع المهندس المعماري الإنجليزي “أوين جونز” مجسم قصر الحمراء ضمن معرض المجسمات العمرانية التي ترمز إلى أهم الحضارات الإنسانية، والذي نظم في لندن سنة 1851، بدأت مرحلة جديدة في تاريخ العمارة بالغرب، اصطلح على تسميتها ب “الفن الموريسكي الجديد”، استوحت تصاميمها من قصر الحمراء. واعتبر “جونز”، وهو آنذاك سلطة علمية كبيرة تدرس نظرياته في علم الجمال داخل الجامعات، أن قصر الحمراء هو المختبر الذي يجب أن تقاس فيه كل معلمة عمرانية إسلامية تسعى للحصول على مصداقية كونية، حينئذ بدأت البنايات على منواله تنتشر في أوروبا والولايات المتحدة وأمريكا اللاتينية؛ وقد أحصى “غوتيريث فينويلاس”، عشرات البنايات شيدت بهذه المناطق على منوال قصر الحمراء. ويذكر ذات المصدر أن البنايات التي أحصاها لا تمثل إلا عدداً محدوداً مما هو موجود في الواقع، لأنه لو أحصى كل البنايات لما اتسع المجال المخصص لدراسته التي توجد ضمن هذا الكتاب لمنطقة واحدة من المناطق التي تناولها بالبحث؛ بحيث يوجد  في  مدينة “أوباـ لوكا” Opa-Locka الواقعة شمال مدينة ميامي بولاية فلوريدا الأمريكية وحدها أكثر من مائة بناية شيدت على الطراز الموريسكي.

ومن البنايات التي شيدت خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر على طراز  قصر الحمراء، نجد فيما يتعلق بأوروبا الفناء العربي ب “لايتون هاوس” Leighton House بلندن، وسينما “أسطوريا”Astoria  بنفس المدينة، والصالون العربي في قصر “كارديف” Cardiff ببلاد الغال، وكنيس بمدينة كولونيا الألمانية، و”قاعة الطاوس” ببلدة “ميزانو” Mezzano الإيطالية، ناهيك عن البنايات الموجودة بإسبانيا والتي نذكر من بينها: “مسرح قصر الحمراء” بمدريد، و”قصر مدينة  أرانخويث”    Aranjuez،  و”مقهى إسبانيا” ببلنسية، و”كازينو مدينة مرسية”.

ونجد فيما يتعلق بالولايات المتحدة برج “حديقة ساحة ماديسون” Madison Square بنيويورك، و”قصر الذرة” بمدينة “ميتشيل” Mitchell   (ولاية داكوتا الجنوبية South Dakota )، وفندقين في سان أغوستين (ولاية فلوريدا)، وإقامة بنفس المدينة، وفندق “تامبا باي” Tampa Bay، بمدينة تامبا.

ونجد فيما يتعلق بأمريكا اللاتينية، بالإضافة إلى “إقامة قصر الحمراء” بسانتاياغو عاصمة الشيلي، والتي يعود تاريخ بنائها إلى سنة 1862، بنايات في جل بلدان القارة، شيدت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، من بينها بالنسبة للمكسيك مجموعة من الكنائس، وثلاث إقامات في العاصمة مكسيكو، وثلاث أخرى في بويبلا Puebla، وإقامة في “أغواسكاليينتيس” Aguascalientes، ومسرح ب “غواناخواتو” Guanajuato؛ وفي البيرو ملعب للفروسية بضواحي العاصمة ليما؛ وفي الإكوادور بناية “برج الساعة” في “غواياكيل” Guayaquil؛ وفي بوليفيا، قصر “لاغلوريتا”  La Glorieta في ضواحي مدينة “سوكري” Sucre؛ وفي الأوروغواي ثلاث ضيعات بالعاصمة مونتيفيديوMontevideo ؛ وفي بورتوريكو إقامة في  مدينة “بونثي” Ponce، وأخرى في مدينة “ماياغويث” Mayagüez.

وبطبيعة الحال، ما قيل عن الغرب يقال عن البلدان الإسلامية الوارثة الطبيعية للهندسة الموريسكية التي يعتبر قصر الحمراء أبرز تجلياتها، حيث إن ما شيد منذ القرن السادس عشر الميلادي وإلى اليوم من قصور ومدارس، وفنادق، ومؤسسات عمومية، على طراز الحمراء يشهد بالامتداد ليس العمراني فقط وإنما كذلك الروحي للقصر[19].

وكما ألهمت زيارة القصر المهندسين المعماريين الذين وضعوا على منواله تصاميم لقصور وبنايات في مختلف جهات المعمور، ألهمت الشعراء، والرسامين والموسيقيين، الذين استوحوا من الحمراء قصائد شعرية، ولوحات فنية، ومعزوفات موسيقية. ويكفي أن نذكر بعض النماذج، لأن المقام لا يسمح بأكثر من ذلك.

ففي مجال الرسم، نذكر تجربة بعض الرسامين الحداثيين في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين مثل “سانتياغو رويسنيول”Santiago Rusiñol ، الذي حمله حدسه ذات ليلة إلى حدائق قصر الحمراء، وقد ألهمته تلك الرحلة الغريبة بليلها الحالم، وقمرها الساطع، وهدوئها الممتع، ليس أقل من خمس وعشرين لوحة. وتجربة “خوسي لاروشا” José Larrocha، الذي خلد قصر الحمراء بحدائقه ومياهه وزخارفه في لوحته المعروفة “بهو الريحان”. وتجربة “خواكين سورويا” Joaquín Sorolla ، الذي خلد حدائق قصر الحمراء في خمس لوحات هي:  “جنة العريف”، و”تِينُ جنة العريف”، و”برج دار عائشة”، و”بهو قمارش”، و”بهو الحمراء”. وتجربة “فرنسيسكو خافيير بارثيريسه” Francisco Javier Parcerisa   الذي خلد بهو الأسود في لوحة آية في الإبداع. ومن خارج إسبانيا، نكتفي بتجربة كل من الرسام  السويدي “أندريس زورن”Andrés Zorn ، الذي عند وصوله إلى غرناطة سنة 1887 رفقة زوجته، بقي منبهراً  بجمال حدائق الحمراء، فخلّدها بألوان زاهية رائقة في لوحته الشهيرة “شلال قصر الحمراء” التي أهداها لزوجته في عيد ميلادها، والتي لا تزال إلى اليوم ترصع غرفة نوم منزلهما الذي تحول إلى متحف. وتجربة الرسام الفرنسي “هنري رينيو” Henri Regnault، الذي كتب في إحدى رسائله أنه عندما حل بغرناطة وكانت وجهته المغرب، قرر أن يوقف سفره ويمكث بغرناطة بسبب ما أثاره فيه قصر الحمراء من أحاسيس، و“كان يصرخ بانبهار وهو  في قصر الحمراء، ولم  يستطع  أن يفعل أي شيء غير ذلك،  خلال  أيامه الأولى  بغرناطة”[20].

     إن السحر الذي مارسه قصر الحمراء وحدائقه على كل هؤلاء الرسامين له دلالة رمزية أكثر منها واقعية، بحيث لا يتعلق الأمر حسب “ليلي ليتفاك” بنسخ ما يوجد في الطبيعة، وإنما بمفهوم فلسفي للطبيعة؛ مفهوم يربط الجنينة الأرضية بجنة الفردوس التي ليست إلا إبداعاً  من نور رباني[21].

وفي مجال الموسيقى نذكر تجربة  “مانويل دي فايا” Manuel de Falla، أبرز موسيقار إسباني في النصف الأول من القرن العشرين، الذي استوحى بعض أعماله من قصر الحمراء، منها سنفونية “رقصة بعيدة”، التي يترجم فيها أحاسيس شخص ينظر إلى قصر الحمراء انطلاقاً من حي البيازين الأندلسي؛ ومنها “جنة العريف” التي يستعمل في إحدى مقاطعها آلة البيانو من أجل التعبير عن خرير المياه المنبعثة من هذه الحديقة.

وفي مجال المسرح نذكر تجربة “أنطونيو غالا” Antonio Gala، الذي ألف خمس مسرحيات عن الأندلس الإسلامية[22]، أشهرها مسرحية قصر الحمراء، وفيها يتوقف بلغة مسرحية رائقة عند الأحداث السياسية التي عرفها القصر خلال المرحلة الأخيرة من حكم المسلمين للأندلس. وكان النجاح الذي لقيته المسرحية،  وراء اعتماد  مضمونها في أشهر أعماله الأدبية وهي  رواية “المخطوط القرمزي” التي تتحدث عن مصير الملك أبي عبدالله بعد مغادرته قصر الحمراء[23].

وفي مجال الشعر نذكر تجربة أمير شعراء إسبانيا “فرانسيسكو فياسبيسا” Francisco Villaspesa، الذي ألهمه النسيم العليل الذي يلف الأشجار، وخرير المياه، وعطر الزهور داخل الحمراء، ثلاثة دواوين شعرية تحمل عناوين أماكن توجد بالقصر هي: “برج دار عائشة”، و”بهو الريحان” و”جنة العريف”. وقد جاء في إحدى قصائده التي يتغنى فيها بغرناطة وقصر الحمراء، والتي ترجمها الشاعر المهجري فوزي معلوف، مايلي[24]:

غرناطـة، أواه غرنــاطة لم يبق شــــيء لك مــن صـــولتِكْ
هل نهرُك الجاري سوى أدمع تجري على ما دال من دولتكْ
والنّسـمـــة الغـادية الرائحـــة هل هـــي إلاّ زفـــرة نائــــحة
ما عــُدت في النــهر كسلـــطانـة جبهَتُــها في مــائه ساطـعة
للقـــبة الحـــمراء في تــــاجـــها وهجٌ، وللمئذنــــة اللامـعــة
آه عــلى أمجــادك الضّــائعــة شيَّعتُـــها بالنـظــرة الـدامـــعة

وكما هو حال المبدعين الغربيين، كان قصر الحمراء مصدر إيحاء المبدعين والشعراء العرب، سواء الأندلسيين منهم أو المعاصرين. ونكتفي  بالنسبة للحالة الأولى بذكر ابن زمرك، الذي يضع علاقة بين القصر وبين النجوم، من خلال حوار طريف بينهما تشهد به إلى اليوم جدران قاعة الأختين. وقد جعل الشاعر قصر الحمراء تاجاً فوق رأس غرناطة، ونظم في ذلك قصيدة جاء فيها:

وللسبيكة[25] مفرق فوق مفرقها      تود در الدراري لو تحاكيها

فإن حمراءها  والله  يكلأهــــا       ياقوتة فوق ذاك التاج يعليها

بروجها لبروج الأفق مخجـلة       فشهبها في جمال لاتضاهيها

أما بالنسبة للحالة الثانية فنكتفي بذكر تجربة كل من أمير الشعراء أحمد شوقي الذي اختار الأندلس منفى له بعدما أجبره الإنجليز على مغادرة مصر سنة 1915. وقد تحركت قريحته وهو يزور قصر الحمراء، ونظم سينية في أكثر من مائة بيت جارى بها سينية البحتري، مما جاء فيها:

مـــــرمر تســـــبح الـــــنواظر فـــــيه      ويطــــــــــــــول المـدى عليها فترسي

صـنعة (الداخـل) المبــارك في الغـــر       ب وآل لــــــه ميامــــــــين شمــــــس
مـــــن الحمراء جـــــللت بغبــــــــــار       الدهر كالـــــجرح بـــــين بـرء ونكس

حصـــــن غرناطة ودار بني الأحــمــــــــــر مـــــــن غـــــافل ويقـــــظان نـــــدس
   لا ترى غـــــير وافدين عـــلى   التار     ريخ ساعـــــين فـــي خـــــشوع ونـــــكس

وكذا تجربة نزار قباني الذي أحس بشعور غريب وهو يزور القصر، وأنشد قصيدة جاء فيها:

في طيب جنات العريف ومائـها
في الفل، في الريحـان، في الكباد

الزخرفات أكاد أســـمع نبضـــها

والزركشات على السـقوف تنادي

قالت هنا الحــمراء زهو جــدودنا

فاقــــرأ على جــدرانها أمـــجادي

وقد رافق قصر الحمراء الذاكرة العربية إلى العالم الجديد، خصوصاً إلى  البرازيل، وجعلت “العصبة الأندلسية” التي أسسها أدباء المهجر هناك، من حضارة الأندلس وخصوصاً من قصر الحمراء مادة شعرية على درجة كبيرة من الإبداع. ويكفي في هذا السياق أن نتوقف عند تجربة فوزي معلوف  الذي اختطفه الموت في ريعان الشباب، وكان حلمه في أيامه الأخيرة، هو أن يتمكن من غرس وردة بحديقة جنة العريف داخل قصر الحمراء. ورغم أن الموت حال بينه وبين ذلك الحلم الغالي على قلبه، فإن فوزي معلوف، يعتبر اليوم الشاعر العربي المعاصر الوحيد الذي يخلد القصر اسمه، بحيث علقت يافطة بجنة العريف إكراماً  لذكراه، ولِما خلّده من إبداع أدبي رائع عن قصر الحمراء وغرناطة، يظهر في مسرحيته “ابن حامد أو سقوط غرناطة” التي تدور أحداثها داخل القصر، والتي تعبر عن جو التسامح الذي كان في هذه المدينة الأزلية على عصرها الإسلامي.

وغير بعيد عن المكان الذي علقت فيه اليافطة التي تكرم الشعر العربي المعاصر من خلال فوزي معلوف، توجد بقصر الحمراء يافطة تكرم الشعر الأمريكي اللاتيني المعاصر، من خلال بيت شعري أبدعته قريحة الشاعر المكسيكي “فرانسيسكو أسيس دي إيكاثة” Francisco Asis de Icaza، أثناء زيارته للقصر رفقة زوجته في نهاية القرن التاسع عشر؛  وكان قد  اقترب منهما متسول ضرير يطلب الصدقة، وبعد أن اعتذرت الزوجة عن تقديمها، خاطبها زوجها الشاعر قائلاً: “أعطيه صدقة يا امرأة، فليس في الحياة من هو أسوأ حالاً من ضرير في غرناطة”، معبراً بذلك  عن  معاناة شخص لا يستطيع مشاهدة روائع قصر الحمراء.

وكما هو حال أدباء المهجر في أمريكا اللاتينية، عبر بعض أدباء المهجر في أمريكا الشمالية عن ما يمثله قصر الحمراء بالنسبة لهم، ومن أبرز هؤلاء أمين الريحاني، الذي زار الأندلس سنة 1915، وكانت زيارته للقصر أجمل ما في تلك الذكرى، حيث اعتبر: “من حسنات الحياة زيارة الأندلس”[26]، ومن كفارات ذنوب إهمال الفن، زيارة قصر الحمراء. وبالفعل كان الريحاني من المحظوظين، فقد كانت شهرته كاسم كبير في سماء الأدب كافية لتفتح له أبواب القصر الذي أقام به أسبوعاً كاملاً، وكان من القلائل الذين حظوا بهذا التشريف، بعد الأمريكي “واشنطن إيرفينغ” الذي أثمرت إقامته في قصر الحمراء سنة 1829 لعدة شهور، تأليف أشهر كتاب نشر إلى اليوم عن قصر الحمراء، هو “حكايات قصر الحمراء”، الذي تُرجم لعدة لغات      ـ ليس من بينها اللغة العربية- وطبع عشرات الطبعات للكبار والأطفال، وفيه ينطلق المؤلف من أحداث وقعت داخل قصر الحمراء ليصوغها في قالب حكائي رائع يمزج فيه بين الحقيقة والخيال.

بعد عودة الديموقراطية إلى إسبانيا سنة 1975، وإنشاء أقسام اللغة العربية في عدد من  الجامعات الإسبانية، ظهر توجه جديد، يريد أن يبعد ما أمكن، التاريخ عن الإديولوجية، ويعتمد مناهج علمية متطورة في دراسة التاريخ الأندلسي. وقد ساعد هذا التوجه على اكتشاف أعداد كبيرة من الوثائق ومن القطع الأثرية، خلال الثلاثين سنة الأخيرة في مختلف جهات الأندلس، سمحت للاستريوغرافيا الأندلسية بقطع أشواط بعيدة، وبالتالي بتكوين جيل جديد من المستعربين، تخصصوا في مواضيع شتى، تهم قضايا لم يسبق تناولها من قبل، وهي قضايا تجعلنا نقترب من الحقيقة التاريخية للأندلس. ومن حسن حظ  قصر الحمراء، أن مجموعة من هؤلاء المستعربين تخصصوا في دراسة عمارة وتاريخ هذا القصر الأسطوري،  وحضَّروا  أطاريحهم في الموضوع.

ومع ذلك فهذا الجيل من الباحثين لازال يصطدم في اسبانيا إلى اليوم بتيار يمثل الاتجاه المعاكس، يقول بحتمية الصراع بين الإسلام والغرب، وهو التيار الذي يتغذى من بعض الأحداث الطارئة أو المرحلية، مثل تفجيرات مدريد الإرهابية سنة 2004، أو مثل الهجرة غير الشرعية للمسلمين من المغرب العربي وإفريقيا جنوب الصحراء إلى إسبانيا، لتكريس حتمية هذا الصراع، وكل ذلك يتم استغلاله من طرف اليمين المتطرف. ولنا في ذكرى سقوط غرناطة وقصر الحمراء خير مثال؛ ففي 2 يناير (تاريخ تسليم مفاتيح غرناطة من طرف الملك أبي عبدالله للملكين الكاثوليكيين) تنظم احتفالات ترفع فيها مجموعات من اليمين المتطرف صور الملكين الكاثوليكيين وتتغنى بالانتصار على الإسلام، مع أن ذلك يجرح مشاعر بعض الإسبان المسلمين قبل العرب المقيمين في إسبانيا. ويَعتبر المسلمون الإسبان والذين يعدّون اليوم بالآلاف، الحضارة الأندلسية مرجعيتهم الثقافية، وهم لا يرون أي تعارض بين أن يكونوا مسلمين وفي نفس الوقت مواطنين إسباناً. وهذه خصوصية الإسلام الإسباني الذي لا يرتبط في جذوره بالمهاجرين كما هو الحال في فرنسا أو إنجلترا أو ألمانيا، وإنما بالإسبان أنفسهم الذين اعتنقوا الإسلام. وقد سلّمت بذلك  الدولة الإسبانية، وأقرته أكبر السلطات السياسية في البلاد، وعلى رأسها الملك خوان كارلوس الذي وقع على الاتفاقية التي أبرمتها الدولة الإسبانية مع اللجنة الإسلامية لإسبانيا  سنة 1992، والتي تعتبر أن الإسلام يشكل جزءاً من الهوية الثقافية الإسبانية.

ولمواجهة محاولة تزييف تاريخ المدينة من طرف التيارات المعادية لماضيها الأندلسي الإسلامي، قام مجموعة من الأكاديميين والفاعلين الجمعويين المنتمين لمدينة غرناطة، بإصدار ما سمي ب “بيان 2 يناير”  الذي وقع عليه كبار المثقفين والمبدعين والفنانين[27]، وتبنته منظمة اليونسكو. وطالب البيان بإلغاء الاحتفال بسقوط غرناطة، وجاء في البيان أنه: “إذا أرادت غرناطة أن تتحول إلى رمز للتعايش والتسامح، لا يمكنها أن تحافظ على احتفال مغلوط تاريخياً يحرض على الحقد والعنصرية بين المسيحيين المنتصرين والمسلمين المنهزمين”. وقد حقق الموقعون عليه تقدماً  في مساعيهم، عندما نجحوا في إقامة تظاهرة ثقافية في 2 يناير من كل سنة، سميت “عيد الثقافات” يتم خلالها تنظيم منبر ثقافي وفني، يخلد للتعايش والتسامح الذي عرفته غرناطة.

لقد أصبحت الحاجة ملحة إذاً لإعادة قراءة التاريخ المشترك، وإبعاده عن الإديولوجية وعن الأحكام المسبقة المترسخة في الذاكرة الجماعية وعن ما تروجه بعض وسائل الإعلام وعن بعض الأخطاء التي وقع فيها الكتاب المدرسي. أما أقرب السبل لتحقيق ذلك، فهو الاستناد على المصادر التاريخية وعلى المصداقية العلمية، مع استعداد مسبق للاستماع إلى الرأي المخالف. وكل هذا كان حافزاً لمركز دراسات الأندلس وحوار الحضارات، والمؤسسة الأوروبية ـ العربية، لتنظيم ندوة دولية بمدينة غرناطة عن قصر الحمراء سنة  2004. ومن الذكريات التي أحتفظ بها شخصياً عن الندوة، أنه أثناء الإعداد لها، وكان ذلك في مارس 2004، بعد أسبوع واحد من التفجيرات الإرهابية التي استهدفت أربع قطارات بمدريد، زرت قصر الحمراء رفقة الدكتور “خوسي أنطونيو الكانتود”، الكاتب العام للمؤسسة الأوروبية ـ العربية، وكانت لنا جلسة عمل مع المسؤولين عن القصر. وقد لفت انتباهي عدد أطفال المدارس الذين يزورونه رفقة مؤطريهم، وفي الباب الخارجي سألت أحدهم عن انطباعه، فرد: “كانت زيارة مملة”، وعندما أردت أن أعرف السبب، أجاب زميله: “لأننا لم نجد فيه موروس” (يقصد المسلمين)، ولما أجبته أن في إسبانيا يوجد أكثر من نصف مليون منهم، قال: “إننا نقصد موروس بالعمامة والجلباب يمتطون الخيول، ويحملون السيوف، وليس موروس يضعون متفجرات في القطارات، كما نشاهد في التلفزيون”.

الدكتور عبدالواحد أكمير، مدير مركز دراسات الأندلس وحوار الحضارات.

- – – – – -

[1]ـ حول أطروحة وجود الشرق في الغرب، انظر:

Terrasse, Henri. Islam d’Espagne, l’Orient en Occident, Ed. Plon, Paris, 1958.

[2]ـ لمزيد من المعلومات، انظر مقالة “جان ميشيل  كورني”، ضمن دراسات هذا الكتاب.

[3]ـ رغم وجود دارسين في إسبانيا اهتموا بقصر الحمراء منذ القرن السادس عشر، مثل الموريسكي “ألونسو ديل كاستييو” Alonso del Castillo  المترجم الخاص للملك فيليب الثاني، والمؤرخ “بيرموديث دي بيدراثا” Bermudez de Pedraza ، فإن اهتمام الإسبان بهذا القصر لم يبدأ بشكل واضح إلا في القرن التاسع عشر.

[4]ـ أثار تعلقهم باللغة العربية امتعاض رجال الكنيسة، كما تؤكد شهادة الراهب “ألبارو القرطبي” Alvaro de Cordoba، الذي كتب في القرن التاسع الميلادي ما يلي: ” كثيرون من أبناء ملتي يقرأون أشعار وقصص العرب، ويدرسون كتب علماء الدين والفلاسفة المسلمين ليس لدحضها وإنما ليتعلموا منها كيفية التعبير بالعربية بطريقة سليمة وأنيقة. أين يمكن العثور على عالم قادر على مناقشة النصوص المقدسة باللاتينية؟ من ذا الذي يقدر على قراءة الأناجيل، وماتركه الرسل والأحبار؟ وا أسفاه! كل الشبان المسيحين الذين أثبتوا نبوغهم لا يعرفون إلا اللغة والأدب العربيين، يقرأون ويدرسون بحماس كتب العرب، وينفقون الأموال الطائلة من أجل تكوين خزانات كتب بالعربية، وحيثما حلُّوا يعلنون بأعلى صوتهم، أن أدب العرب جدير بما يكنونه له من إعجاب…”. وقد أصبح بعض هؤلاء الشبان المسيحيين من شعراء بلاطات الأندلس، كما هو حال ابن المرعزي الإشبيلي شاعر بلاط ومداح المعتمد بن عباد.

[5] ـ من بين هؤلاء “إيميليو لا فوينتي ألكنترة” Emilio Lafuente Alcantara الذي صدر له سنة 1859 مؤلف تحت عنوان: “الكتابة العربية المنقوشة بغرناطة”، و “أنطونيو الماغرو” Antonio Almagro الذي صدر له سنة 1879 مؤلف آخر تحت عنوان: “دراسات حول الكتابة العربية المنقوشة بغرناطة”، وقد تناول كلاهما موضوع الأشعار التي نقشت على جدران قصر الحمراء. انظر:

– Lafuente Alcantara, Emilio. Inscripciones árabes de Granada, Ed. Universidad de Granada, Granada, 2000.

– Almagro Cárdenas, Antonio. Estudio sobre las inscripciones árabes de Granada, Granada, 1870.

[6]ـ هذا هو الاسم الذي يطلق على القاعة إلى اليوم، وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى أن الإسبان بعدما دخلوا قصر الحمراء، غيروا أسماء الكثير من مرافقه، التي حمل بعضها أسماء شخصيات روائية أو أسطورية، كما أن بعض القاعات حملت أكثر من اسم،  مثل قاعة قمارش التي يطلق عليها كذلك أسماء قاعة السفراء وقاعة العرش وقصر الريحان. انظر:

ـ الجمل، محمد. قصور الحمراء، منشورات مكتبة الإسكندرية، الإسكندرية، 2004.

[7]ـ لمزيد من المعلومات، انظر دراسة جان ميشيل كورني، مرجع سابق.

[8]- يزكي ما ذهبت إليه “ماريا خيسوس روبيرا”، أن هذه القاعات ورد ذكرها ضمن “حكاية مدينة النحاس”، وحسب المصادر العربية السابقة لحكايات ألف ليلة وليلة، كانت مدينة النحاس توجد في بلاد المغرب أو الأندلس، ومن بين الذين ذكروا ذلك، أبو حامد الغرناطي، وابن الفقيه، وياقوت الحموي، والمسعودي. وقد اقترنت أسطورة مدينة النحاس بموسى بن نصير في جل هذه المصادر، حيث تقول إنه خرج على رأس جيشه في اتجاه الغرب، وهناك وجد مدينة النحاس، التي يقدم ياقوت وابن الفقيه أوصافاً عن قصر مَلِكَتها المسيحية. ونعثر في حكاية أخرى من حكايات ألف ليلة وليلة هي ” الصياد مع العفريت” التي أوردتها كذلك “روبيرا” بسبب التشابه بين قصر الحمراء وقصر ألف ليلة وليلة، على أن الملك كان اسمه موسى، مما يجعل إمكانية اقتباس شخصية موسى بن نصير واردة جداً، خصوصاً وأن هذه الحكاية تروي قصة الحوت الملون العجيب، الذي تقول المصادر العربية إن مكانه هو بحار الأندلس.

[9]ـ جان ميشيل كورني، مرجع سابق.

[10] ـ الغساني، محمد بن عبدالوهاب. رحلة الوزير في افتكاك الأسير، تحقيق وتقديم عبدالرحيم بنحادة، منشورات معهد الأبحاث في اللغات والثقافات، طوكيو، 2005.

[11]ـ الغزال، أحمد بن المهدي. نتيجة الاجتهاد في المهادنة والجهاد، تحقيق إسماعيل العري، بيروت 1980.

ـ المكناسي، محمد بن عثمان. الأكسير في افتكاك الأسير، تحقيق محمد الفاسي، الرباط، 1965.

[12]ـ ربط أحمد زكي الفردوس المفقود بقصر الحمراء عندما نظم البيتين التاليين:

فقلت ياحمرا، ألا فارجعي      قالت وهل يرجع ما فاتا

فلم أزل أبكي وأبكي             هيهات يغني الدمع هيهات

[13] – في تقديمه للمسرحية، سجل عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين أنها تعالج مأساة الأندلس، لكنها في نفس الوقت تعالج الوضع المزري الذي كانت تعرفه مصر وقت تأليفها، يقول: “وما أكثر ما نسأل أنفسنا، أيتحدث الشاعر عن خطوب تتابعت في مدينة من مدن الأندلس في أواخر القرن الخامس عشر، أم يتحدث عن خطوب تتابعت في منتصف القرن  العشرين بمدينة القاهرة”. نقلاً عن الحسيني عبدالمجيد. التراث الأندلسي في المسرحين الإسباني والمغربي. أطروحة دكتوراه، نوقشت بجامعة مولاي إسماعيل، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، مكناس، المغرب، 2009. غير منشورة.

[14] -Infante, Blas. Ideal Andaluz, (1° Ed. Sevilla, 1915), 2ª Ed. Túcar, 1976 Reed, Junta de Andalucía, 1982.

-Infante, Blas.  Fundamento de Andalucía, (1° Ed. Sevilla, 1929), Ed. Fundación Blas Infante, Publicado en 1984.

-Infante, Blas. La Verdad sobre el complot de tablada y el Estado Libre de Andalucia, (1° Ed. Sevilla, 1931), Ed. Aljibe, 2° Ed.  Granada, 1979.

[15]- ألقى هذا الخطاب نيابة عنه زميله الشاعر “أبيل غودرا” Abel Gudera ، بعد أن تعذر على إنفانتي مغادرة اسبانيا، بسبب المتابعة السياسية التي كان عرضة لها. وسوف يعدم هذا الزعيم التاريخي، سنة 1936 من طرف قوات الجنرال فرانكو، وكان آخر جملة تلفظ بها قبل إعدامه، هي: “عاشت الأندلس حرة”.

[16]ـ نُقشت على جدرانه كذلك بعض أشعار السلطان الشاعر يوسف الثالث، وكذا أشعار وزيره الشاعر ابن فركون. لمزيد من المعلومات، انظر مقالة محمد الجمل ضمن هذا الكتاب.

[17]ـ القصائد الشعرية المزخرفة هي أكثر ما لفت اهتمام الدارسين والرحالة الغربيين، حيث اعتبروها أهم مظهر فني في القصر، وقد منحته هوية أندلسية خالصة لا نعثر على مثلها بمسجد قرطبة الذي يضم كذلك تأثيرات رومانية.

[18]- محاضرة ألقاها محمد العربي المساري بمركز دراسات الأندلس وحوار الحضارات، في 19 ديسمبر 2002، تحت عنوان: “تاريخ إسبانيا بين قراءتي كاسترو وألبورنوث”.

[19] ـ لمزيد من المعلومات، انظر مقالة محمد المطالسي، ضمن دراسات هذا الكتاب.

[20]ـ لمزيد من المعلومات انظر مقالة خوسي أنطونيو ألكانتود، ضمن دراسات هذا الكتاب. “البعد الفردوسي لقصر الحمراء لدى السائح المعاصر”.

[21]ـ لمزيد من المعلومات، انظر مقالة “ليلي ليتفاك”، ضمن دراسات هذا الكتاب.

[22]- يتعلق الأمر بالمسرحيات التالية: ابن رشد، المنصور بن أبي عامر، قصر الزهراء، قصر إشبيلية، وقصر الحمراء.

[23] – Gala, Antonio. El Manuscrito Carmesí, Ed. Planeta, Barcelona, 1990.

[24] ـ www.saiban.info

[25] – السبيكة هو اسم التل الذي شُيد فوقه قصر الحمراء.

[26]  ـ الريحاني، أمين. الريحانيات، الجزء الثالث، نقلاً عن: www.saiban.info

[27]ـ صدر البيان سنة 1995، ومن بين الموقعين عليه: “فيدريكو مايور ثاراغوثا”، المدير العام السابق لليونسكو، و”خوسي سراماغو” الحاصل على جائزة نوبل في الآداب، والمفكر الإسلامي “روجير غارودي”، و”مانويل بيمنتيل” وزير الشغل الإسباني السابق، والموسيقار الراحل “كارلوس كانو”.