منذ الستينات من القرن المنصرم انكبت كوكبة من الباحثين والباحثات على دراسة أحوال المرأة من الناحية التاريخية والاجتماعية، وأجمعوا من خلال دراستهم وأبحاثهم أنه من الضروري إماطة اللثام عن موضوع لم ينل من اهتمام الباحثين سوى النزر اليسير. وهكذا برزت في الساحة الأدبية والتاريخية جملة من الدارسين هموا بتقصي أخبار المرأة، متقفين أخبارها عبر العصور والأزمنة. وحال المرأة الأندلسية يمكن إدراجه ضمن اهتمام هذا التيار الصاعد الذي هم بإزاحة الستار عن وضعية العنصر النسوي وماكان له من دور فعال في رقي المجتمع وتقدمه.

وقبل الخوض في موضوع المرأة الأندلسية بكل حيثياته، تجدر الإشارة إلى أن العالم الغربي افتتن منذ القدم بحال المرأة في المجتمعات العربية والإسلامية، وساوره فضول معرفي نتج عنه بناء مجموعة من التصورات التي تحمل في طياتها العديد من المغالطات. فكل ما قدمه الغرب عن المرأة العربية المسلمة لا يخرج عن قصور حبلى بحريم يحيط بهن الخصيان والغلمان من كل جانب، ناهيك عن الجواري والقيان اللواتي يشاركن بشكل فعال في السمر الليلي وتنسيم مجالس اللهو والأنس بعبق الطرب والشراب والرقص.

أما الرحالة الغربيون الذين شدوا الرحال إلى الأراضي العربية، فكانت مساهمتهم لا تقل عن النظرة العامة التي روج لها الغرب، ولا ننسى القرن التاسع عشر بكل روافده الأدبية التجديدية، وإبداعاته الفنية التي تجسدت في ظهور العديد من اللوحات التي صورت المرأة العربية كعنصر يسخر بامتياز لإشباع الغرائز الجنسية للرجل.

وظل الحال على ماهو عليه إلى أن ظهرت في العالم العربي الإسلامي أصوات نسوية نادت برد الاعتبار إلى المرأة باعتبارها جزءا لا يتجزأ من المجتمع. وعلى إثر هذه الصحوة طرأ تغيير طفيف في المواقف الغربية. وتوالت المحاضرات والندوات والموائد المستديرة حول موضوع المرأة العربية، ولم يغب عن الساحة الفكرية موضوع نساء الأندلس الذي حظي باهتمام كبير.

ظهرت أولى بوادر هذا الاهتمام في الندوة الإسبانية- المغربية التي عقدت في يوليوز سنة 1984 بمدينة الرباط تحت عنوان “المجتمع الأندلسي من خلال الوثائق التاريخية والعدلية والأدبية”. وشارك في أعمال هذه الندوة محمد ازنيبر بمداخلة مهمة حول المرأة في المجتمع الأندلسي والدكتور عبدالسلام الهراس بموضوع حمل عنوان “شخصية نسوية من خلال الرسائل”.

أما في إسبانيا، فبداية الاهتمام بموضوع المرأة الأندلسية يعود إلى أواخر القرن التاسع عشر مع زمرة من المستعربين الأوائل الذين انتبهوا إلى وجود منجم لم تستغل خيراته بعد. ومن بين الأسماء التي لمعت في سماء هذا المضمار نذكر على سبيل المثال فرانسيسكو سيمونيط (Francisco Simonet)، خوليان ريبير (Julian Ribera)، لويس غونثالفو (Luis Gonzalvo)، وثلة من الباحثين الآخرين.

وفي سنة 1891 نشرت أعمال سيمونيط التي شارك بها في مؤتمر المستعربين الذي عقدت أعماله في لندن، وأثبت من خلال مداخلاته تفوق المرأة الأندلسية على نظيرتها المشرقية. وأوضح أن هذا التفوق جاء كنتيجة حتمية للتمازج مع العنصر الإسباني الأصلي ولتزاوج المسلمين الفاتحين مع نساء إسبانيا المحليات.

وتجدر الإشارةعمال أع

إلى أن آراء سيمونيط عرفت رواجاً كبيراً داخل إسبانيا، وظهر من الدارسين من ساند هذه الأفكار كخوليان ريبيرا الذي خصص جزءا من بحثه للحديث عن المرأة الأندلسية وارتباطها بعالم المعرفة، فكان بذلك خير خلف لخير سلف، إذ لم يفند آراء فرانثيسكو سيمونيط بل دعمها مؤكداً أن تأثير العنصر المحلي كان حاسماً.

وعند مطلع القرن العشرين، وبالتحديد في سنة 1904 ظهرت دراسة لويس غونثالفو في شكل أطروحة جامعية تناولت موضوع شواعر الأندلس بشكل مستفيض وبكثير من الإيحاءات التي صورت المرأة الأندلسية وكأنها قنديل وهاج في درب التاريخ النسوي عامة.

وظلت هذه الآراء تنفث عبقها ويستنشقها الباحثون، وتبلورت في ظهور المزيد من الإصدارات حول الموضوع، وأبلغ مثال على ذلك، دراسة الفرنسي هنري بيرث (Henri Pérès) الذي اعتمد في دراسته على الموروث الشعري الأندلسي للقرن الحادي عشر لاستنباط معلومات تخص المرأة الأندلسية، وخرج بعصارة مفادها أن المرأة الأندلسية على خلاف المشرقية تمتعت بحرية لا تتطابق مع أخلاقيات المجتمع العربي الكلاسيكي، وعزز نظريته بإدراج أمثلة استقاها من الواقع الأندلسي، كأن يتحدث عن نساء يتجولن بطلاقة في أسواق قرطبة، أو في مرج الفضة بإشبيلية، ويشير كذلك-وبكثير من الفخر- إلى الصالونات الأدبية التي شكلت سابقة من نوعها في الأندلس، والتي كانت تديرها نساء بارعات في الشعر كولادة بنت المستكفي. ولا يتوانى هنري بيرث في التأكيد على أن هذا التفوق النسوي يرجع بالأساس لتأثير البيئة الأندلسية وسكانها الأصليين من النصارى الإسبان.

وهكذا ظلت الدراسات في القرن العشرين ضئيلة على المستوى الغربي. أما في العالم العربي فكانت هناك محاولات محتشمة لم تخلف صدى كبيرا. بيد أن المستعربين ساروا على الدرب ودأبوا على البحث في هذا الميدان وخرجوا بدراسات قيمة للغاية، كتلك التي ساقها المستعرب الكبير بيير غيتشارد (Pierre Guichard) بعنوان “الأندلس: البنية الأنتروبولوجية لمجتمع إسلامي في الغرب”، وتضمنت دراسته فصولا مهمة حول المرأة الأندلسية.

وبحلول عقد الثمانينات ومستهل التسعينات للقرن المنصرم، نشطت في إسبانيا حركة التأليف حول المرأة في العصر الوسيط، واحتضنت العديد من الجامعات ندوات كرست أشغالها لتدارس أحوال المرأة في العصور الماضية خاصة في حقبة الأندلس. وكانت الجامعة المستقلة بمدريد السباقة في هذا الميدان، إذ خرجت من رحمها مؤلفات قيمة، وندرج فيما يلي بعض العناوين المهمة :

  • النساء في المدن في القرون الوسطى ؛
  • نساء القرون الوسطى وميدان العمل؛
  • المرأة في الأندلس : انعكاسات تاريخية لأنشطتها وللطبقات الاجتماعية.

ويعتبر هذا الكتاب الأخير من أهم ما ألف في الموضوع، وجاء ثمرة لمجهود العديد من الباحثين الذين انضووا تحت لواء المستعربة المعروفة ماريا خيسوس فيغيرا، (Maria Jesus Viguera) وأسسوا جميعا لنظريات علمية هادفة تعتمد كأرضية صلبة، وكانطلاقة ضرورية أثناء القيام بأي بحث تاريخي بعيد عن الذاتية والعاطفة الجارفة.

خلاصة القول إن البحث والتنقيب في موضوع المرأة الأندلسية يطرح بعض المشاكل خصوصا في ظل غياب الأرشيفات، التي من شأنها تسليط الضوء على العديد من مناطق الظلال في الموضوع، علاوة على بخل المصادر الأندلسية الأولية في الجود بمعلومات تفصيلية حول المرأة الأندلسية. لكن الباحث اليوم، وفي ظل هذه الإكراهات لازال يشق طريق البحث مكتفيا بما وصل إلى يديه من معلومات، وهكذا ثابر في اقتفاء آثار المرأة الأندلسية التي طبعت تاريخ بلادها بمزيج من العبقرية والنبوغ. وقد ساهم ذلك بالحصول على معلومات تفيد أن الأسرة الأندلسية أولت اهتماما بالغاً للفتاة منذ نعومة أظفارها؛ ومن مظاهر الاهتمام مثلا العناية حتى بالأسماء والألقاب، وهكذا كان الأندلسيون يطلقون على البنات أسماء مستمدة من أسماء الزهور؛ فقد كان للمنصور بن أبي عامر مثلا ثلاث بنات سماهن : بهاراً ونرجساً وبنفسجاً، كما كانوا يحرصون على تنشئتهن على الصلاح ومكارم الأخلاق.

ويجمع غالبية الباحثين أن المرأة الأندلسية نالت حظاً وافراً من التعليم، فنبغ عدد كبير منهن في العلوم والآداب والفنون، وكان يعهد إليهن بتربية أبناء الأمراء والأغنياء وتأديبهم. ومن سوى ابن حزم الأندلسي وهو الذي ترعرع في كنف النساء ليؤكد لنا صحة ما ذكرناه، فقد جاء على لسانه في كتابه ” طوق الحمامة” “: “ولقد شاهدت النساء وعلمت من أسرارهن مالا يكاد يعلمه غيري، لأني تربيت في حجورهن ونشأت في أيديهن، ولم أعرف غيرهن ولا جالست الرجال إلا وأنا في حد الشباب وحين تبقل وجهي، وهن علمنني القرآن وروينني كثيرا من الأشعار ودربنني على الخط”. وهكذا أصبح لنساء الأندلس دور بارز في الازدهار الحضاري الذي عم الأندلس فبرز منهن حاذقات بمختلف العلوم والفنون، وقد لمعت أسماء نساء عديدات في كل مجالات العلم والأدب. فكان منهن حافظات للقرآن الكريم، وناسخات، وعالمات في علم الحديث النبوي الشريف وروايته. إذن فجميع المصادر التي لدينا تؤكد أن المرأة الأندلسية كان لها دور مميز في ازدهار الثقافة وتطور المجتمع ولا ريب في أن ظهور مواهب تلك النساء من شاعرات ومدرسات وطبيبات وفلكيات يعود لسببين رئيسيين: أولهما البيئة الأندلسية المتطورة والسمحة التي وجدت فيها، وثانيهما الازدهار الثقافي والنهضة العلمية التي شملت حواضر الأندلس الكبيرة كقرطبة وإشبيلية وبلنسية وغرناطة ورندة. فكل هذه الظروف حفزت الناس على الأخذ بالعلم والاهتمام بنشره، والعناية الفائقة بالفنون على أنواعها وإنشاء المدارس والمكتبات العامة والخاصة واستقطاب العلماء والشعراء والفنانين من المشرق.

ومن تلك العالمات ذكرت لنا كتب التاريخ العربي الأندلسي (وهي كثيرة ومعروفة ومتوافرة “كنفح الطيب في غصن الأندلس الرطيب”، “والذخيرة في محاسن أهل الجزيرة”، وغيرها من المصادر) اسم عالمة مرموقة تعرف بـ عابدة المدنية وذكر بشأنها أنها كانت تروي عن أنس بن مالك عشرة آلاف حديث.

ومما يدل على عظيم المكانة التي تبوأتها المرأة الأندلسية، كثرة القصائد التي نظمها الشعراء الأندلسيون فيها مدحاً وتغزلاً ورثاءً. ومن علو مكانتها كذلك أن غدت رغباتها أوامر، كـ اعتماد الرميكية زوج المعتمد بن عباد في قصة يوم الطين. وقد أشار المعتمد إلى هذه الحادثة وهو في أسره بأغمات في قصيدته الرائية. يقول :

فيما مضى كنت بالأعياد مسروراً فساءك العيد في أغمات مأسوراً

ترى بناتك في الأطمار جـائعـة يغزلن للناس لا يملكن قطميـراً

يطأن في الطين والأقدام حـافية كأنها لم تطأ مسكـا وكافـوراً

ومن مظاهر حرية المرأة الأندلسية أنها كانت تلتقي الرجال في ساحات الدرس وفي السمر الأسري، كما كانت تخرج لزيارة المساجد والأسواق برفقة جواريها والتنزه في الحدائق العامة. ولم تكن النساء الأندلسيات سجينات بيوتهن، بل شاركن الرجال في عدة مجالات، وتبارين معهم شعراً ونثراً، وأسهمن في صياغة مجتمع أندلسي متميز.

ولعل أوضح الأمثلة على تحرر المرأة الأندلسية : بروز عدد كبير منهن في مجال الشعر. فكن شاعرات جريئات لا يكتفين بالتلميح دون التصريح ولا بالإشارة دون الإعلان عندما يتغزلن بالرجال، فمن هؤلاء الشاعرة ولادة بنت المستكفي التي جعلت من طراز ثوبها إعلانا عن الإباحة والانطلاق حينما كتبت بالذهب على الطراز الأيمن :

أنا والله أصلح للمعالي وأمشي مشيتي وأتيه تيها

وكتبت على الطراز الأيسر :

وأمكن عاشقي من صحن خدي وأعطي قبلتي من يشتهيها

ومن تأثير النساء الأندلسيات على أزواجهن من الأمراء والخلفاء، أنهم بنوا لهن القصور المنيفة، والمدن المسماة على أسمائهن، كـ الزهراء التي بناها عبد الرحمن الناصر على اسم حظيته وأنفق فيها أمولاً لا تحصى. ومن ملوك الطوائف من بلغ به التأثر بزوجه وشدة تعلقه بها، أن يشتق من لقبه اسمها، كالمعتمد بن عباد الذي سمى زوجته الرميكية ب “اعتماد” مشتقا من لقبه المعتمد، مثلما أشار عندما نظم أبياتا يبدأ كل بيت منها بحرف من اسمها. يقول :

أغائبة الشخص عن ناظـري وحـاضرة فـي صميم الفؤاد

عليك سلام بقـدر الشـجـو ن ودمع الشؤون وقدر السهاد

تملكت مني صعـب الـمـرا م وصادفت ودي سهـل القياد

مرادي لقياك في كـل حـين فيا ليت أني أعطـىأأ غائبة الشخص عن ناظري وحاضرة في صميم الفؤاد مـرادي

أقيمي على العهـد مـا بيننا ولا تستحيلي لطـول البعـاد

دسست اسمك الحلو في طيه وألفت فيه حروف اعتـمـاد

وإذا كانت سلطة النساء الأندلسيات ونفوذهن في الملوك والأمراء والقادة قد بلغت هذا الحد، فما بالك بنساء عامة القوم من أبناء المجتمع الأندلسي ؟

وحول هذا الموضوع تطالعنا العديد من المصادر الأندلسية القديمة بأنباء عن جدارة نساء العامة في مواجهة قسوة الحياة وشظف العيش، فمنهن من كانت عطارة أو حارسة بستان أو عاملة في دور الخراج وكن يسمين بالخراجيات، ومنهن من باعت اللبن لتعيل أبناءها، وشاعت مهنة الغزل عندهن واتخذ المغزل هواية فقد قيل: “نعم اللهو للمرأة المغزل”.

ولا بد لنا ونحن في مجال الحديث عن النساء أن نتحدث عن الجواري منهن، إذ كانت من بينهن الراقصة المبدعة والموسيقية العازفة. وبرعت القيان في هذا الجانب براعة منقطعة النظير.

ولا يفوتنا أن نشير في هذا البحث ولو بشكل مختصر إلى أناقة نساء الأندلس، فقد بدت المرأة الأندلسية أنيقة ولبست من الحلي والحلل وعرفت الرداءة والملاءة والشفوف المنسوجة بالذهب الخالص، ومثلما لبست الشفوف لبست القرطف وهو نوع من الملابس القصيرة. ولبست العصائب المرصعة بالجواهر والمنسوجة من الذهب والمكللة بالمرجان كناية عن الزينة الأندلسية الأنثوية. كما نقشت الأندلسية خدها بنقوش لتظهر أكثر فتنة، وتفننت في الوشم والخضاب ولبست الدملج، وفي كل هذا إشارة واضحة إلى بلوغ الأندلسيات مبلغا رفيعا من الحضارة وتمتعهن بذوق متميز، فضلاً عن أنهن كن شديدات الولع بالزينة التي دفعتهن إلى التأنق في سائر أحوال معيشتهن.

وخاتمة القول إن المرأة الأندلسية تبوأت من تاريخ الأندلس مكاناً سامياً، حفظته ذاكرة الأيام، ووعته سجلات الزمن وغدا موضوعها مع مدار السنين مثار اهتمام الباحثين العرب منهم والعجم، ونأمل بهذا الجهد المتواضع أن نكون قد وفقنا في تقديم مقاربة نوعية لصورة المرأة الأندلسية في حقبة لم تحظ كثيرا باهتمام المتخصصين والباحثين. وذلك من خلال كتابنا الذي يحمل عنوان “المرأة في الأندلس”، والذي صدر لنا عن مركز دراسات الأندلس وحوار الحضارات سنة 2009

بقلم الدكتورة سناء الشعيري

المرأة في الأندلس

منشورات مركز دراسات الأندلس وحوار الحضارات،

مطبعة الأمنية، 2009