يتضمن العدد الثالث من سلسلة كراسات أندلسية، ثلاث مقالات بالعربية، الأولى للدكتور مصطفى القباج وتحمل عنوان: ابن حزم من التأريخ للملل غير الإسلامية إلى نقدها، والثانية للدكتور عبدالإله بلمليح، وتحمل عنوان : حضور الموالي في المشهد الثقافي الأندلسي، والثالثة للأستاذ محمد العربي المساري، وهي عبارة عن قراءة في أعمال ندوة سرفانتس والإسلام. يتضمن العدد كذلك ثلاثة مقالات بالإسبانية، الأولى للراحل رودولفو خيل بين أمية، وتتناول موضوع الأندلس وتداخل الحضارات، والثانية للدكتورة ماربياس أغيلار والدكتور خوصي أنطونيو عونثاليث مارينو، وهي في موضوع انتقال علوم العرب إلى أروبا في القرن الخامس عشر، والثالثة في موضوع أملاك الموريسكيين في إسبانيا من خلال الوثائق القانونية، وهي للدكتورة ماريا اركاس كامبوي. وقد قدم للعدد، الذي يقع في 160 صفحة من الحجم المتوسط، الأستاذ محمد العربي المساري. ومما ورد في التقديم:يطالع القراء في مفتتح هذا الكراس نص محاضرة ألقيت ضمن النشاط الدوري للمركز للتعقيب علي المحاضرة الشهيرة لبابا الكاثوليك في جامعة راتيسبون ( 2006 ) التي أثارت و ما زالت انتقادات لا نهاية لها. وركز صاحب النص زميلنا د. مصطفى القباج علي نقطة بعينها وهي أن رئيس الفاتيكان، أورد استشهادا لعالم مسلم ” بناء علي ما أوضحه له عارفون” ، وبذلك تكلم ” فيما لا يعلم علما مباشرا لسانا ومضمونا “. والعالم المسلم المقصود هنا هو إبن حزم. وبهذا يكون أندلسي من القرن الحادي عشر، حاضرا معنا بفكره في القرن الحادي والعشرين.

وعاب القباج علي البابا أنه لم يلتزم بالدقة العلمية، ووقع في فخ حينما انساق مع الرغبة في تصفية حساب قديم مع المفكر القرطبي، على حساب المنهجية العلمية. وكان إبن حزم قد تصدى بكفاءة وبمنهجية عقلانية لمناقشة معاصريه من علماء اللاهوت المسيحي. ومعروف أن عمله المتعمق لدراسة الملل والنحل منذ عشرة قرون، كان قد شق الطريق لعلم الأديان المقارن، وكان لابن حزم تأثير على الفكر المسيحي، في عصره.

ولكي يضع النسق الحزمي في سياقه أتى د. القباج بفذلكة عن الحوارات التي دخل فيها إبن حزم مع اللاهوت المسيحي، وأوضح عيار الانتقادات التي وجهها له، لكي يبرر ما قاله بشأن حرص البابا بكيفية سطحية على تصفية حساب قديم معلق.

وفي هذا الكراس أيضا، في القسم الإسباني مادة مكثفة للدكتور روضولفو خيل عن مفهوم الأندلس وتطوره في التاريخ، ومعناه وأهميته في الفكر المعاصر، وهو بذلك يبرر لماذا هي ملحة إعادة قراءة ذلك التراث، ولماذا هي حاضرة حتى الآن فكرة الأندلس. وهو مما نهدف إليه في مركز دراسات الأندلس.

وأرى أن النص الجديد للدكتور خيل جدير بأن يعرب في حلقة قادمة من هذه الكراسات، لأنه يدقق في عدد من الجوانب الشديدة الأهمية في التراث الأندلسي، ومن شأن ذلك التدقيق أن يثير نقاشا مفيدا. وهو ينطلق من أنه حينما تم تعريب جزء من شبه الجزيرة الإيبرية وأسلمتها، حدث ذلك ثقافيا ودينيا ولكن ليس عرقيا، لأن النسيج الديموغرافي الذي تألفت منه الأندلس كان يتكون من سكان أصليين ووافدين من عرب قليلين وأمازيغ وصقالبة. ومعلوم أن المولدين كونوا ظاهرة سياسية وثقافية متميزة، إذ منذ وقت مبكر اتخذ الأمويون الذين استقلوا بشأنهم في الأندلس أساليب إدارية وعسكرية عرف بها الأوربيون، ونشأت وطنية أندلسية هي من صنع فئة المستعربين الذين آلت إليهم مناصب إدارية وعسكرية.

ومن جراء الشعور الوطني الأندلسي وقعت احتكاكات مع الغير، ممن اعتبروا أجانب. وفاضت الظاهرة الأندلسية علي الغرب الإسلامي ونشرت تأثيرها بعد الموحدين والمرينيين والوطاسيين المغاربة، وثبتت كحالة متميزة استمرت تتبلور في شتى الصور. وظهرت في الممالك المسيحية علي غرار الأندلس المسلمة ظاهرة متميزة هي القبول بالتعدد، فاختارت قشتالة في فترة أن تكون مسيحية وأن تكون لغتها هي العربية، وأن تسمح بوجود عرب ومسلمين في حظيرتها، كما كان الشأن في المنطقة الإسلامية، وهنا ظهرت فئة الموثارابيس أي المستعربين.

ومهد ذلك لأن يكون مقبولا فيما بعد وجود فئة المدجنين، من المسلمين الذين قبلتهم الممالك المسيحية في حظيرتها. ثم فيما بعد ظهرت فئة الموريسكيين الذين ظلوا متمسكين بهويتهم، ولما وقع طردهم انتقلوا إلي العدوة المغربية مكونين أندلسا مهاجرة في سلا وتطوان والشاون وتلمسان وجيوب في تونس.

وهذا الاستعراض المكثف للظاهرة الأندلسية يبين كيف أنه لم يقل بعد كل شيء عن الأندلس كتجربة تاريخية، وخصوصا كمفهوم، وبالتالي كم هو ثقيل العبء الذي يقع على مركز مثل مركزنا وشعب الدراسات الأندلسية، في المغرب علي الخصوص، وفي كل كليات الآداب في العالم العربي، لتحمل مهمة إعادة قراءة ذلك التراث.

وفي هذا العدد تعود مارافياس أغيار، للحديث عن الآلة الفلكية ” الربع المجيب ” الذي سبق أن تحدثت عنه في كراسة سابقة. وهذه المرة قامت بالاشتراك مع خوصي أنطونيو عونثاليث مارينو بتقديم نبذة عن النسخة المحفوظة في المكتبة الوطنية بباريس، عن المخطوط الذي يتحدث عن تلك الآلة، كمثال عن نشر العلم العربي في أوربا أثناء القرن الخامس عشر الميلادي.

وفي القسم الإسباني أيضا يجد القراء نبذة عن ثلاث وثائق عدلية عن ممتلكات لموريسكيين من مملكة غرناطة أثناء القرن السادس عشر، مع شرح لمصطلحات وردت في تلك الوثائق. و ينقلنا البحث إلى العصر، وهو الفترة التالية مباشرة لاستسلام غرناطة، واضطرار المعنيين وهم سكان المنطقة المسلمون إلي تغيير دينهم، علي الأقل ظاهرا، من أجل ضمان البقاء في أرضهم. والبحث المتعلق بهذه الوثائق الثلاث من تأليف مارية أركاس كامبوي التي يعرفها قراء هذه ” الكراسات ” من خلال بحث سابق عن نص فقهي هو منتخب الأحكام، لابن أبي الزمانين.

وهذه النصوص، مثل ذلك الذي خصنا به ذ. عبد الإلاه بنمليح عن الحضور الثقافي للموالي في المشهد الأندلسي، في القرنين 11 و12، تبين كيف أنه لم يقل بعد كل شيء عن الحضارة الأندلسية. ففي بحث ذ. بنمليح يتناول موضوعا غاب استقصاؤه عن الباحثين، وهو وضع الرقيق في الأندلس الوسيطية.

ونبه الباحث إلي أنه رغم ندرة المصادر فإن كتب التراجم والطبقات تتضمن معلومات عن المجالس الأدبية والعلمية التي ظهر فيها موالي نبغوا في العلوم الدينية والطبيعية والآداب والفنون، وتفوقوا في المجتمع الأندلسي، الذي أعطاهم فرصة الظهور والتميز.

وسجل الباحث كيف أن السادة كانوا يعلمون رقيقهم، بل إن النخاسين كانوا يسعون لذلك طلبا لرفع سعر الرقيق. ونبغ من هؤلاء أعلام احتفظت كتب التاريخ بسيرهم، من ذلك مولى المامون بن ذي النون صاحب بلنسية الذي تفوق علي سيده، واعترف المجتمع بذلك التفوق. وكان لتلك الظاهرة تأثير في إسبانيا المسيحية وفي جنوب أوربا. وكان التفوق حليف رقيق سود وبيض من الصقالبة ومن المسيحيين واليهود، شقوا لأنفسهم طريقا فيما بين السادة، وتولوا مهن السيف والقلم.

وهكذا فإن هذا العدد من ” كراسات أندلسية ” يبرر المجهود الذي يبذل لتجلية جوانب جديدة من التراث الأندلسي، الذي هو أبعد شيء عن أن يكون بابا معرفيا طويت صفحته وأصبح من الماضي. إن حوار الحضارات وهو الشق الثاني من تسمية مركزنا، أصبح اليوم بندا في أجندة الأمم المتحدة. ولم يعد الموضوع انشغالا فكريا مجردا عبرنا عنه حينما تأسس هذا المركز. وقد التفت الإرادات الدافعة لإنشاء هذا المركز حول موضوع حيوي يمس التراث ، نعم، ولكنه يمس مشروعا مصيريا.

إن الأندلس كظاهرة تاريخية، قد مضت بما لها وما عليها، أما أندلس ما بعد الأندلس فهي فكرة حية.

بقلم الأستاذ محمد العربي المساري

كراسات أندلسية (1)

منشورات مركز دراسات الأندلس وحوار الحضارات،

مطبعة النجاح الجديدة، 2006