في إطار سلسلة “كراسات أندلسية”، التي تضم بين دفتيها نصوص المحاضرات الشهرية التي تنظم بمقر مركز دراسات الأندلس وحوار الحضارات، صدر عن المركز العدد الأول من السلسلة المذكورة، ويقع في 246 صفحة من الحجم المتوسط. وقد وضع تقديمه الأمين العام للمركز الدكتور عباس الجراري. ومما جاء في هذا التقديم:

إن كل متتبع لما تزخر به المكتبة الأندلسية لا يلبث أن يلاحظ وفرة ما حقق فيها من مخطوطات نادرة غميسة، وغنى ما أنجز حولها من دراسات جادة رصينة، سواء منها ما قام به باحثون عرب أو إسبان، أو غيرهم من المهتمين بتراث الأندلس الخالد الخصيب ؛ أفاد ويفيد منها جميع الولوعين بهذا التراث، وسائر الذين شغفهم حباً ورغبة في المزيد من الاطلاع عليه.

إلا أن موضوع الأندلس – لبالغ أهميته وغزارة مادته وتعدد المعتنين به – غدا يفتح اليوم آفاقاً بكراً تواكب ما جد من مؤسسات جامعية وشعب فيها متخصصة، وما اكتشف من نصوص هامة ووثائق متنوعة لم تكن معروفة من قبل، وما وقع من عناية بها على مستوى الرسائل والأطاريح، مما أنتج جيلاً جديداً من الدارسين المؤهلين لمواصلة ما بدأه أولئك الباحثون الرواد.

وقد تسنى لبعض المراكز العلمية والأندية الثقافية الموازية، أن تنهض بدور كبير في إرفاد مختلف المجالات الأندلسية وتنشيطها وتقويتها، عبْر رؤى تراعي ما تثيره الظرفية العالمية الراهنة، وما يفرضه الواقع العربي الإسلامي في نزاعه مع الذات والآخر، من مسيس الحاجة إلى استحضار الأندلس، بما تبرزه – تاريخياً وحضارياً وثقافياً – من مظاهر نموذجية للتعايش والتساكن والتسامح، ما أحوج الإنسانية اليوم إلى التذكير بها واحتذائها، وهي تعاني تناقضات حادة وصراعات خطيرة.

وذلكم ما يحاول أن ينهض به “مركز دراسات الأندلس وحوار الحضارات”، مما تكشفه البرامج المتعددة التي خطط لها، والتي يسهر على تنفيذها، من خلال ندوات ومحاضرات ومعارض ومنشورات، وما إليها مما يخدم الأهداف النبيلة التي يسعى إلى تحقيقها، على صعيد ثنائي ضيق – عربي إسباني – أو على نطاق دولي واسع.

في هذا السياق، يسعد المركز أن يضع بين أيدي المهتمين الأجلاء وسائر القراء الكرام، هذا السفر الجليل، يضم بين دفتيه مجموع المحاضرات التي ألقاها في الموسم الماضي أساتذة خبراء من المغرب ومصر وإسبانيا وفرنسا، والتي تعتبر باكورة هذا اللون من النشاط، إذ بها استهل المركز سلسلة مسامراته العامة.

وإن المتأمل في النصوص التي يشتمل عليها هذا المجموع الحافل، ليلاحظ مدى مسها لجوانب مختلفة من تراث الأندلس، تاريخية وفكرية وأدبية وسياسية واجتماعية، وما كان لها من أثر حميد في نهضة أوربا اللاتينية، وكذا في تمتين الأواصر بين الأندلس والمشرق ؛ مع العناية بما تحتفظ به بعض الخزائن من مخطوطات.

وإذا كانت هذه المحاضرات تتسم بالتنوع المتناسق والمتكامل، فهي كذلك تتميز بالقراءة الموضوعية المتأنية والتحليل النزيه الرزين، إذ وقف ملقوها عندما كان يعتبر من قبيل المسلمات المفروغ منها، أو من الفرضيات المشكوك فيها، فنظروا في كل ذلك برؤى تحث على طرح التساؤلات، والحفر في الخلفيات.

وهو ما ينم عن وعي عميق بالإشكالات الجديدة التي يثيرها البحث العلمي على وجه العموم، وما يتصل منه بالأندلس على وجه الخصوص، والتي زادت في بلورتها مناقشات جادة كانت تعقب تلك المحاضرات، فتلقي مزيداً من الضوء على القضايا المعروضة، وتكشف النقاب عن كثير من خباياها وما تخفي من تداعيات.

وذلكم كان من الدلائل القاطعة على المستوى الرفيع الذي ظهرت به الموضوعات المثارة، وما يسرت من مقاربات تتسم بالشمولية والتكامل، وما أتاحت من مناسبات متفردة للالتقاء بعلماء باحثين متخصصين، والدخول معهم في حوار علمي بناء، بأسلوب جديد يمتن روابط هذا الالتقاء، ويرسي دعائم عقلانية للتفاهم والتآلف، بدلاً من التنافر المتأثر بتناقضات الواقع والتاريخ ؛ وإن لم يتسن – للأسف – إخراج المناقشات التي أغنت هذا الحوار، ملحقة بالمسامرات المتعلقة بها.

وما أشد الحاجة إلى استعادة هذه الدعائم وتقويتها، واسترجاع الأواصر النابعة منها وتعزيزها، سعياً إلى إدراك الغايات البعيدة التي يتوخاها المركز ؛ وفي طليعتها استرجاع ناصع للذاكرة، واستلهام إبداعي يجددها ويبعثها حية نابضة، قادرة على استشراف المستقبل ومواصلة المسير.

لذا، فإن المركز يعرب عن عظيم ابتهاجه بتنظيم هذه المحاضرات، وكذا بنشر نصوصها في هذا المجموع الذي لا شك أن بحوثه تعتبر إضافة غنية للمكتبة الأندلسية ؛ وأنها تشكل بالتالي مرجعاً للباحثين، منبئاً بظهور مدرسة أندلسية جديدة، إذا ما ضمت هذه البحوث إلى أعمال الندوة الدولية التي سبق إصدارها، وإلى سائر ما ينشره أعضاء المركز وجميع أساتذة الدرس الأندلسي اليوم.

كما يعرب عن جزيل شكره وعميق تقديره للسيدات والسادة المحاضرين على مشاركتهم بها في مساندة نشاطه، ثقة منهم فيه، ودعماً لجهوده، وتقديراً لرسالته.

بقلم الدكتور عباس الجراري

كراسات أندلسية (3)

منشورات مركز دراسات الأندلس وحوار الحضارات،

مطبعة النجاح الجديدة، 2008