نظم مركز دراسات الأندلس وحوار الحضارات، بتعاون مع معهد العالم العربي بباريس ندوة دولية في موضوع:  الإسلام والغرب حوار من أجل التعايش والسلام، وذلك ما بين 7 و 9 يوليوز 2003، وفيما يلي  تقديم للندوة، بقلم الدكتور سعيد بنسعيد العلوي، الأمين العام المساعد لمركز دراسات الأندلس وحوار الحضارات.

الإسلام والغرب، حوار من أجل السلام؛ في النبرة الوثوقية التي يتضمنها القول  السابق  ما يحمل على الريبة والشك . ذلك أن الصراع الطويل المتصل الذي جعل الغرب والإسلام في حال مستمر من التعارض يبدو، في أعين العديد من المؤرخين والباحثين، كما لو كان شاهدا بعكس ذلك تماما. كذلك يتساءل البعض  ما إذا لم يكن من الجهل أو من السذاجة أن يحاول المرء، في حماس غريب ، إخفاء ما يكذبه التاريخ؟ أليس في اعتقاد البعض إمكان حوار ممكن بين الإسلام والغرب ما يشي بإسراف في التفاؤل يحكم الواقع العيني بتكذيبه؟ هل في الإمكان الحديث عن حوار ممكن في زمان يبدو كل ما فيه منذراً بالحرب؟

أما معهد العالم العربي ومركز دراسات الأندلس  وحوار الحضارات فيصدران عن الجهة التي تؤمن بإمكان الحوار بين الإسلام والغرب. لا بل إنهما لا يكتفيان بالقول فقط بجدوى تبادل الأفكار بين طرفين يقفان على طرفي نفيض  من حيث الظاهر، بل إنهما يعملان، كل على شاكلته، حتى تكون الشروط الضرورية للحوار بين الإسلام والغرب متوافرة. وإن الندوة الأولى التي نظمها الطرفان المذكوران وما عرفته من إقبال كثيف على أعمالها (والحال أن الأسبوع الأخير من شهر يوليوز أبعد ما يكون عن الوقت الملائم لتنظيم اللقاءات العلمية في باريس) كل هذا دحض وتكذيب للكراهية ودعاتها . وإذ نوفق اليوم إلى نشر كتاب يشمل الأعمال التي قدمت في الندوة المشار إليها، فإن ذلك يأتي ليكون دليلا على النجاح والتوفيق من جهة أولى، وليكون من جهة ثانية، نداء إلى المثقفين الصادقين من مختلف المشارب والأفاق  لكي يكون النصر والغلبة لحوار الحضارات وللتفاهم وسيادة العقل.

يجد حوار الثقافات أسسه في المثل الأخلاقية العليا التي تحضى بالقبول عالمياً  وكذا في المبادئ الفلسفية، تلك التي يجد فيها العقل ذاته. فلنكتفي، في تلك القواعد السامية، باستحضار ما كنا نرى أن حديثنا يستدعيها  أكثر من غيرها. أولها الاعتراف بحقيقة أولية كثيرا ما كانت بعض العقول التي يحكمها تعصب ينتمي إلى أزمنة غابرة وكانت مشربة بعقائد خاطئة، هي الحقيقة التي تريد تلك العقول حجبها والتي تقضي بأن ثقافة شعب معلوم في مكان معلوم لا تكون أدنى من  ثقافة شعب آخر أبدا مثلما أنها لا تكون أعلى منها . إن قبول المسلمات الوهمية بالنظرية التي تقول بالتفاوت بين الأعراق والثقافات يعني قبول الوقوع  في براثن وهم خطير طالما وجد ضالته في الجهل المتفشي ردحا من الزمان غير يسير مثلما ظل قائما بقوة العنف والإرهاب. وثاني تلك القواعد تقضي بالتسليم بأن الحضارة الإنسانية هي دائما وأبدا نتاج تمازج عجيب بين الأجناس والشعوب،  أيا كانت تجليات  تلك الحضارة، ومهما  يكن  من الاختلاف في الأشكال  التعبيرية التي تفرغ فيها ومن شأن العنصر أو العامل الذي يبدو أنه قد فعل فيها أكثر من غيرها . وإن الفكرة التي تقضي ، من جهة أولى بأن الحضارات الإنسانية منغلقة على ذاتها ومقفلة في وجه بعضها البعض، ومن جهة ثانية بأن هذه الحضارات تختزل في عدد صغير معلوم (هذه الفكرة تجد  للأسف، ملاذا عند جمهرة من الناس السذج الذين يصدقون كل ما يقال،  فهم مشدودون إلى إيديولوجيا ظلامية)، هي فكرة خاطئة كلية. ثالث تلك القواعد الأولية التي نستحضرها لمسيس الحاجة إليها، تلزمنا بأن ندرك في جلاء ووضوح أن الهدف المتوخى من الحوار بين الثقافات ليس العمل على جعل الثقافات، تذوب وتنصهر في بعضها البعض، (كما أن الحوار لا يعني في شيء البرهنة على تفوق البعض من الثقافات على البعض الآخر) ، ولا القيام بمحاكمة للتاريخ المشترك الذي ربط بين هذه الثقافات وتلك في حقب من الزمان قصيرة أو طويلة كان المهيمن عليها هو الكراهية وعدم الفهم. ومتى سلمنا بهذه الأمور كلها يصبح من اللازم علينا أن نقرر المقدمات الضرورية لكل حوار مثمر إذا شئنا أن نكون واعين تمام  الوعي بطبيعة المهمة الملقاة على عاتقنا ، والمقدمات الضرورية المطلوبة هي: الاحترام المتبادل للمعتقدات والقيم ، وإرادة الفهم و جعل من العقل الإنساني الهيأة العليا التي يرجع إليها.

في العقود الثلاثة الأخيرة، وبدءاً من حرب أكتوبر 1973 على وجه التحديد، كثرت الكتابة حول الإسلام. وجعل علماء السياسة وعلماء الاجتماع والصحافيين، وكذا من ينعتون أنفسهم بالخبراء، من الإسلام موضوعا لأحاديثهم ( يختلف باختلاف الزاوية التي يصدرون    عنها) . أما زمان العارفين بتاريخ الإسلام وحضارته وفكر الحقوقي وفلسفته وأدبه ومعماره وتصوره فإنه قد ولى.

يمكن القول اليوم إن الموسوعية والمعرفة الدقيقة للغة القرآن، دون الحديث عن العلوم المساعدة والضرورية في الفهم ، قد عوضتها معارف بالدين والحضارة سمتها العامة انعدام الدقة والأخذ بعموميات تفرغ المعارف من محتواها ، بل وإنها لتبلغ أحيانا عديدة الوقوع في أخطاء شنيعة يتألم لها ماسينيون في قبره ولاوست في لحده، لا بل إن الأمر يبلغ في بعض الأحيان درجة الوقاحة الممزوجة باحتقار يكاد يكون مطلقاً لكل القواعد المرعية في البحث العلمي . إن الإسلام يغدو غير قابل للمعرفة في أقلام هؤلاء المتعلمين الجدد الذين يجب التنبيه إلى أن كل ما في عملهم يفصلهم عن تلك الثلة من المتخصصين في الإسلام من جيل الباحثين الذين تدين لهم الثقافة العربية الإسلامية بالكثير وتضمر لهم ما يجب في حقهم من احترام وتقدير. متى قرأنا “خبراء الخوف الجدد” هؤلاء ( والعبارة نستعيرها من الكاتب فانسان كيسر) ومتى شاهدناهم، على الخصوص، في برامج تلفزيون تتكاثر يوما عن يوم،  تجدنا نجنح إلى القول بأن الإسلام قد غدا “متأسلما” على شاكلة الشرق الذي يصبح ” متأشرقا”  في الصورة التي ترتسم في أخيلة رجال الإيديولوجيا الإمبريالية، كما  يصور ذلك إدوارد سعيد في دراساته عن الاستشراق.

لا يحظى الغرب في أعين العديد من أهل الإسلام بمقام أفضل .إنه على نحو ما عليه الديانة المحمدية عند الغربيين، موضع تجاهل. لعل الخطأ الأكبر والأكثر ذيوعا في أوساط المسلمين هو ذاك الذي يكون النظر إلى الغرب بموجبه كما لو كان كتلة واحدة. إن الشأن كذلك ولاغرو، عند عموم المتشددين من الإسلاميين، ولكن الحق يقضي بالاعتراف بأن الصورة لا تختلف كثيرا عند المسلمين الآخرين، إذ نجد أن بلد جورج بوش يرمز إلى الشر ( المساندة اللامشروطة لإسرائيل في حربها المعلنة على الفلسطينيين، احتلال العراق، أصناف التعذيب الرهيب الذي يتعرض لها أسرى غوانتنامو، القصف الجوي لأفغانستان…) وبالجملة، فأمريكا ترمز، عند أهل الإسلام، إلى كل الشرور التي تصيب المسلمين في العالم.

لا شك أن الغرب يرمز لشرائح عريضة من المسلمين اليوم إلى التقدم المادي وإلى القوة العسكرية ولكن الغرب ، عند الكثير من تلك الشرائح، صنو للتفسخ والانحلال والاستسلام لهمجية الرغبات الجنسية في غياب كل حشمة وحياء وغياب كل آمر أخلاقي. أما صورة الغرب الذي يحترم حقوق الإنسان، والذي يجعل من تكافؤ الفرص مبدأ موجها له، والغرب المشبع بالقيم الإنسانية  الشمولية، فإن صورته تكاد تكون مختفية لتترك المجال لغرب ” متغرب”.

د. سعيد بنسعيد العلوي