نظمت ندوة ” إسهامات جديدة و تأملات حول قصر الحمراء”، بتعاون بين مركز دراسات الأندلس وحوار الحضارات والمؤسسة الأوروبية العربية، بمدينة غرناطة ما بين 27 و 29 مايو 2004، وعرفت مشاركة مجموعة من الباحثين المتخصصين من عرب وأجانب. وفيما يلي ورقة تعريفية بالندوة، بقلم الدكتور عثمان الرواف، الأمين العام المساعد وأمين صندوق مركز دراسات الأندلس وحوار الحضارات.

“قصر الحمراء لؤلؤة الحضارة العمرانية الإسلامية في الأندلس”،  “قصر الحمراء: متحف في مدينة ومدينة في متحف”، “حدائق قصر الحمراء فردوس من الشرق والغرب”.

هذه بعض العبارات التي قيلت في حفل افتتاح ندوة قصر الحمراء التي نظمها مركز دراسات الأندلس وحوار الحضارات والمؤسسة الأوروبية-  العربية، وانعقدت في غرناطة ما بين  27—29  مايو 2004. وقد صدر سنة 2008  كتاب يجمع  بحوث الندوة.

ولقد جاءت أهمية ندوة قصر الحمراء، من موضوع البحوث المقدمة فيها، والأساتذة المشاركين، ومكان انعقادها . فقصر الحمراء هو قصر السياسة والفتوة والفن المعماري الفريد. ولقد غطت بحوث الندوة مواضيع عديدة عن الحمراء في أوج عظمتها وفي انهيارها وحتى الوقت الحاضر. فحمراء الفن المعماري والزخارف، وحدائق الحمراء الجميلة، وحمراء الحضارة، وحمراء السياسة، والحمراء في الوجدان العربي وفي ذاكرة الأدب العربي والعالمي، وتأثير الحمراء على الفن المعماري خارج الأندلس، والدمار والخراب الذي لحق بالحمراء لفترة من الزمن، وأخيرا إدارة وتنظيم الحمراء في الوقت الراهن . كل هذه الموضوعات تناولتها الندوة.

وفيما يخص الأساتذة المشاركين فيها، فإنهم يمثلون قمة المتخصصين العرب والغربيين في دراسة الحضارة الإسلامية في الأندلس، ويمثلون أعرق الجامعات والمؤسسات العلمية في الدول العربية وفي الغرب. وأما مكان انعقاد الندوة في غرناطة وافتتاحها في قاعة الاجتماعات داخل قصر الحمراء، والإقامة في “فندق قصر الحمراء” التاريخي، الذي يجاور حدائق الحمراء، كل هذا جعل المشاركين في الندوة يعيشون أجواء الحمراء وهم يناقشون فنها المعماري ومعالمها الحضارية والأثرية وحياتها السياسية والاجتماعية. وتجد غرناطة من خلال قصرها الأحمر استمراراً متواصلاً  لما سبقها من الحضارة الإسلامية الأندلسية في قرطبة وأشبيلية  وغيرها من مدن وأقاليم الأندلس.

لقد تم تقسيم الندوة إلى خمسة محاور تشمل : ۱- السياق التاريخي والسياسي لقصر الحمراء، -٢ قصر الحمراء وروعة الهندسة المعمارية، ۳- تأثير الفن المعماري لقصر الحمراء في العالم،    ٤-الحمراء في الأدب العربي والعالمي، ٥- قصر الحمراء منذ سقوط غرناطة وحتى الوقت الراهن.

وقد اشتمل المحور الأول (السياق التاريخي  والسياسي لقصر الحمراء) على أربع مداخلات ناقش في أولها الدكتور عبد الواحد أكمير موقع غرناطة في الدولة الإسلامية بالأندلس، وقدم في ثانيها الدكتور خوسي راميريث  أستاذ الدراسات العربية بجامعة قرطبة، نبذة عن الحياة الاجتماعية والاقتصادية والدينية  في غرناطة ، وقدم في ثالثها كاتب هذا التقديم (الدكتور عثمان الرواف)،  نظرة تحليلية عن الظروف السياسية في دولة بني الحمر، وأخيرا ناقش  الدكتور فرانسيسكو فيدال قصر الحمراء كفضاء للعنف السياسي خلال عصر بني الأحمر، حيث ميز بين مرحلتين من المسار السياسي للقصر، مرحلة الاستقرار والتي تولى فيها الحكم سلاطين أقوياء، ومرحلة الاضطراب والأزمات، وهذه كانت سبباً في نشوب صراعات بين الأمراء والمتطلعين إلى الحكم، أدت في  بعض الأحيان إلى اغتيال السلاطين، أونفيهم، أو عزلهم.

واشتمل المحور الثاني ( قصر الحمراء وروعة الهندسة المعمارية) على خمس مداخلات،  سلط الضوء في الأولى  الدكتور أسامة الجوهري على أهم المراجع الغربية التي تناولت موضوع قصر الحمراء في عقدي السبعينات والثمانينات من القرن العشرين. كما توقف عند أهم التقنيات المستعملة من طرف المهندسين المعماريين ومؤرخي الفن الغربيين خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، في دراستهم  لهذا القصر الأسطوري. في المداخلة الثانية، اعتبر الدكتور “خوان كالترابا” أن من أهم خصوصيات قصر الحمراء، والتي قد لا تتكرر في غيره من المعالم العمرانية الأخرى، هي أن الحقيقة التاريخية أصبحت تقريباً متجاوزة، أمام الأساطير التي نسجت حوله، والتي أعطته حياة ثانية، لم يكن ليتخيلها أولئك الذين قاموا بتشييده. وبخصوص المداخلة الثالثة، يقدم الدكتور “جان مارك كاستيلا” دراسة علمية دقيقة لزخارف قصر الحمراء وامتدادها من حيث الطول والعرض. وفيها يخلص إلى أن واضعي هذه الزخارف كانوا على دراية عميقة بعلمي الجبر والرياضيات.

واشتمل المحور الثالث ( تأثير الفن المعماري لقصر الحمراء في العالم) على أربع مداخلات تحكي في مجملها نقل المظاهر العمرانية لقصر الحمراء إلى مناطق أخرى في العالم، وهكذا تقدم مداخلة الدكتور “رودريغو غوتييريس فينويلاس”، جرداً مفصلاً للقصور التي شيدت على منوال قصر الحمراء منذ منتصف القرن التاسع عشر وإلى اليوم، في أوروبا والولايات المتحدة  وأمريكا الجنوبية وأمريكا الوسطى وجزر بحر الكاريبي. وتقدم مداخلة الدكتور محمد المطالسي، صورة واضحة عن الكيفية التي أثرت بها الهندسة المعمارية لقصر الحمراء في فن العمارة بالمغرب، وهو تأثير يرجعه المؤلف لتداخل العلاقات السياسية والاجتماعية والثقافية بين المغرب والأندلس على امتداد القرون الوسطى. في حين تضع مداخلة المهندس فيصل الشرادي، مقارنة بين حدائق قصر الحمراء، وبين صنف خاص من الحدائق في مراكش، هو “الرياضات”، التي ظهرت بداية في الأندلس، قبل أن تنتقل إلى مراكش في عهد المرابطين. أما مداخلة الدكتور “ليلي ليتفاك”، فتضع هي الأخرى مقارنة بين حدائق قصر الحمراء وحديقة “ماريا لويسا” في إشبيلية، وفيها يبين المؤلف أنه وبعد أن انتشرت حدائق على شاكلة حدائق قصر الحمراء في إنجلترا، ظهرت رغبة ملحة في إسبانيا لتشييد حدائق على منوالها، من أبرزها حديقة إشبيلية التي شيدت سنة 1912، والتي تم فيها تقليد حدائق قصر الحمراء في أنواع النباتات المغروسة، وفي طريقة تصريف المياه، وفي أشكال زخارف السيراميك.

بالنسبة للجلسة الرابعة من الندوة (قصر الحمراء في الأدب العربي والعالمي)، والتي اشتملت على ست مداخلات،  فتحدث  فيها الدكتور “جان ميشيل كورنو” عن الكيفية التي ظهر بها قصر الحمراء في أعمال  ثلاثة من أبرز أدباء هذا التيار في أوروبا، هم الإنجليزي “سوينبورن” الذي ألف في القرن الثامن عشر كتاب “سفر إلى إسبانيا”، والفرنسيان “شاتوبريان” الذي ألف في القرن التاسع عشر روايته المشهورة “مغامرات آخر أفراد أسرة بني سراج”، ومواطنه “غوتيي”، الذي ألف في نفس القرن كتابه “سفر إلى إسبانيا”. وتخلص المداخلة إلى أن النقطة الرئيسية المشتركة بين الثلاثة، هي اختيارهم لقصر الحمراء من أجل التعريف بنظريتهم الداعية “للفن من أجل الفن”، ضد التقاليد الكلاسيكية البالية. في نفس الجلسة تحدث الدكتور محمد الجمل عن أشعار ابن زمرك التي نقشت على جدران قصر الحمراء. في حين تحدث الدكتور جمعة شيخة عن نماذج إبداعية مختارة حول قصر الحمراء، أهمت بالنسبة للعرب نصوص شعرية ونثرية قديمة وحديثة، وأهمت بالنسبة للغربيين بعض الأعمال الأدبية الفرنسية والإنجليزية. بينما تناول الدكتور “خوسي ميغيل بويرتا” ، موضوع ناسك أندلسي رحل إلى الشرق من أجل أداء مناسك الحج وطلب العلم، وقد عاد إلى مسقط رأسه غرناطة وهو شعلة في العلم والورع والزهد، ولما دخل قصر الحمراء، التقى بصديق طفولته، وقد أصبح مهندساً مكلفاً بعمارة القصر، والتقى بصديقه الثاني، (الشاعر بن الجياب)، وقد أصبح شاعراً للبلاط نقشت أشعاره على جدران القصر. وفي نفس الجلسة الرابعة، حاولت الدكتورة “ماريا خسوس روبيرا ماتا”، التنقيب عن صورة قصر الحمراء في التراث الأدبي العربي الإسلامي، وأخذت كنموذج حكايات ألف ليلة ولية، حيث توقفت عند التشابه الموجود بين هندسة القصور التي تتحدث عنها بعض هذه الحكايات وقصر الحمراء، ولا تستبعد أن يكون من ألف تلك الحكايات، التي أضيفت في وقت متأخر ل “ألف ليلة وليلة”،  قد زار قصر الحمراء، أو سمع عنه.

اشتملت الجلسة الخامسة والأخيرة (قصر الحمراء منذ سقوط غرناطة وحتى الوقت الراهن) على خمس مداخلات،  تستعرض المشاكل والإضافات وأعمال الترميم التي لحقت بقصر الحمراء، كما استعرضت وضعه الإداري والقانوني الحالي. وقد تحدث الدكتور “أنطونيو مالبيكا” في مداخلته عن البنايات التي أضافها الملكان الكاثوليكيان بعد أن خضع لهما القصر، ومن بينها مجموعة من الكنائس. هذه التغييرات امتدت، حسب المؤلف، لتشمل مدينة غرناطة برمتها، والتي عرفت هدم العديد من منازل المسلمين وتشييد دور سكنية مكانها، خاصة بالمسيحيين الذين توافدوا على المدينة من مختلف جهات إسبانيا. في المداخلة الثانية تطرق الدكتور “خوسي أنطونيو غونثالث ألكانتود” لموضوع “الكارثة والإشاعة: حريقا القيسارية (1843) وقصر الحمراء (1890)”، وفيه قدم جرداً تاريخياً للكوارث من صواعق وحرائق وغيرها، التي تعرض لها قصر الحمراء بعد أن آل أمره للنصارى، وتوقف عند حرائق سنوات: 1524 و1590، و1890. في نفس الوقت وضع مقارنة بين الأضرار التي لحقت بالقصر من جراء هذا الحريق الأخير، والأضرار التي لحقت بمعلمة إسلامية أخرى بغرناطة هي القيسارية التي نشبت بها النيران سنة 1843 . في المداخلة الثالثة تحدث الدكتور “أنطونيو أوريخويلا”، عن أعمال الترميم التي شهدها قصر الحمراء في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، بعد الأضرار البليغة التي تعرض لها من جراء الغزو الفرنسي في بداية نفس القرن. هذه الترميمات وعلى أهميتها لم تحترم بنية القصر الأصلية، وذلك بسبب صعوبة الحصول على المواد التي استعملت في البناء الأصلي بعد مرور قرون على تشييده، وكذا بسبب تواضع الميزانية المرصودة لذلك. ويعود الدكتور “الكانتود” في محور آخر من مداخلته، للتطرق لما اسماه ب “البعد الفردوسي لقصر الحمراء” ، وفيه يضع علاقة بين قصر الحمراء كمعلمة عمرانية فريدة، وبين قصر الحمراء كصورة فردوسية في المخيال الغربي. ويصل إلى خلاصة هي أن السائح الغربي المعاصر، لما يزور قصر الحمراء يدرك أن هذا القصر  في الواقع المحسوس أجمل وأسمى مما هو في الخيال وفي الأدب، ذلك لأن الأمر يتعلق بمكان يفيض روحانية، وهي روحانية ليس ذات بعد ديني وإنما ذات بعد جمالي. في المداخلة الرابعة يتحدث الدكتور “خوان مانويل باريوس”، عن الوضعية الإدارية التي عرفها قصر الحمراء خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر، والتي تميزت بالكثير من التجاوزات، والاختلالات المالية، والفساد الإداري، وكلها عناصر ساهمت في تعميق حالتي الإهمال والخراب اللتين  كان يعيشهما القصر. أما في المداخلة الخامسة والأخيرة، فتتطرق الدكتورة ماريا ديل المار فيافرانكا، للوضعية الإدارية والقانونية لقصر الحمراء في الوقت الراهن.

أود في النهاية أن أكرر شكري الخالص إلى صاحب السمو الملكي الأمير عبدالعزيز بن فهد بن عبدالعزيز، الرئيس الشرفي لمركز دراسات الأندلس وحوار الحضارات، وإلى  الدكتور خالدالعنقري رئيس المجلس التنفيذي للمركز وإلى مستشار الثقافة بمدينة غرناطة اللذين افتتحا أعمال الندوة، وإلى مديرة قصر الحمراء الدكتورة ماريا ديل مار فيا فرانكا، وإلى الدكتور خسوس غونثالث رئيس المؤسسة الأوروبية العربية بغرناطة، وإلى الدكتور خوسي أنطونيو غونثالث ألكانتود، الأمين العام للمؤسسة، والشكر موصول إلى الدكتور تاج الدين الحسيني نائب رئيس مركز دراسات الأندلس وحوار الحضارات، والدكتور سعيد بنسعيد العلوي الأمين العام المنتدب للمركز، والدكتور عبدالواحد أكمير مدير المركز، وإلى الأستاذة اسماء القرطاوي، الباحثة بمركز دراسات الأندلس وحوار الحضارات.

بقلم الدكتور عثمان الرواف