نظم مركز دراسات الأندلس وحوار الحضارات، ومعهد العالم العربي ندوة دولية بباريس في 17 و 18 أكتوبر 2007، حول موضوع: “الإسلام والمسلمون في أوروبا اليوم”، بمشاركة مجموعة من الباحثين المتخصصين من أوروبا والعالم العربي، وفيما يلي برنامج الندوة، ومداخلة في الموضوع بقلم الدكتور عبدالعزيز التويجري، المدير العام للمنظمة الإسلامية للتربية والثقافة والعلوم (إيسيسكو).

البرنامج

الوجود الإسلامي في أوروبا

ومسؤولية العالم الإسلامي

حضرات السادة والسيدات،

يسعدني أن أتحدّث إليكم في هذه الندوة الدولية، حول موضوعٍ أراه من الأهمية بمكان، باعتباره من موضوعات الساعة التي كثر اللغط حولها، والتي يتعيّن علينا أن نتطرق إليها ونبحثها بكلّ موضوعية، ونتبادل الرأي والنقاش بشأنها في إطارها الصحيح.

لقد اخترت أن أتحدّث إليكم حول : (الوجود الإسلامي في أوروبا ومسؤولية العالم الإسلامي).

ولعلّ أول ما يجدر بي أن أبدأ به، هو رفعُ اللبس عن مفهوم (الوجود الإسلامي). إنّ القصد من ذلك هو وجود الإسلام، أي وجود أشخاص يعتنقون الدين الإسلامي، سواء أكانوا من المهاجرين الوافدين من البلدان الإسلامية، على تعدّد أجيالهم، أم من السكّان الأصليين من الأوروبيين على تنوّع أجناسهم. فليس لهذا التعبير إذن، أي دلالة يمكن أن تثير حساسية لدى مَن ينظر إلى الأمر نظرة حضارية بعيداً عن المؤثرات العرقية والدينية.

إن الوجود الإسلامي في أوروبا، كما هو في القارات الأخرى، أمر واقع، وحقيقة من حقائق الحياة في المجتمعات الأوروبية.

لقد دخل الإسلام إلى هذه القارة، كما تعلمون، في مطلع القرن الثامن الميلادي (92هـ-711م) عندما فتح المسلمون شبه القارة الإيبيرية، ودام وجودهم فيها بشكل مستمر ثمانية قرون حتى عام 1492 عندما سقطت غرناطة آخر معاقلهم، وبدأت عمليات التنصير والتهجير بكل الأساليب الدموية وغير الإنسانية. وفي منتصف القرن الخامس عشر، مع ظهور الدولة العثمانية على خريطة العالم في العصر الوسيط؛ وصل الإسلام إلى النصف الشرقي من أوروبا مع الحملات العثمانية، وما لبث أن استقرّ وترسخ وجوده ودام تحت مظلة هذه الدولة، زهاء خمسة قرون، ديناً تعتنقه شعوب أوروبية عن إيمان واقتناع، وتتوارثه جيلاً بعد جيل. وحتى بعد أن انحسر نفوذ الدولة العثمانية، مما أدى إلى سقوطها وخروجها من مسرح السياسة الدولية -لأسباب يعرفها دارسو التاريخ معرفة جيدة، ليس هذا مجال الخوض فيها- بقيت شعوب أوروبية تحتفظ بهويتها الدينية وخصوصياتها الثقافية والحضارية. وبذلك استمر الوجود الإسلامي في هذه القارة.

*          *          *

وقد عرف الوجود الإسلامي التاريخي، في مناطق من أوروبا، تطوّراً في القرن العشرين، بقدوم مهاجرين مسلمين من الأقطار العربية الإسلامية إلى دول أوروبية، لأسباب كثيرة، منها على سبيل المثال، طلب العلم، والبحث عن فرص العمل والعيش الكريم، ومنها اعتناق أعداد كبيرة من الأوروبيين للدين الإسلامي. ومنها أيضاً، الانخراط في الجيوش الأوروبية التي خاضت الحربين العالميتين الأولى والثانية. ذلك أن أعداداً كبيرة من المسلمين الذين خدموا في الجيوش الأوروبية، اختاروا الإقامة في الدول التي دافعوا تحت رايتها عن حريتها وسيادتها واستقلالها، ثم الهجرة الأولى للمسلمين إلى أوروبا من البلدان التي كانت خاضعة للاحتلال الأوروبي، خصوصاً هجرة اليمنيين إلى إنجلترا، وهجرة المغاربة والأفارقة إلى فرنسا ابتداء من القرن التاسع عشر، وهجرة الأتراك إلى ألمانيا. وقد تعاقبت ثلاثة أجيال من هؤلاء حتى الآن، يشكلون اليوم جزءاً من الوجود الإسلامي الأوروبي، خصوصاً في فرنسا وإنجلترا وألمانيا، وإسبانيا إلى حدّ ما، إذ نعلم أن المسلمين المغاربة شاركوا بكثافة في الحرب الأهلية الإسبانية، وأن مجموعة كبيرة منهم استقرت في إسبانيا، فاندمجت في الحياة الإسبانية محافظة على هويتها الدينية.

هذه الشريحة من المسلمين المقيمين في أوروبا، وقسم كبير منها اندمج في المجتمع الأوروبي، تمثل القسمَ الثاني من الوجود الإسلامي في أوروبا، أما القسم الثالث، فيمثله الجيل الذي وفد بعد الحرب العالمية الثانية للعلم أو للعمل، وقد استقرت أعداد من المسلمين من هذا الجيل في الدول التي هاجروا إليها، فاكتسبوا الجنسية واندمجوا في المحيط الاجتماعي المحلي. ويأتي القسم الرابع، وهو الجيل الذي ولد في أوروبا من آباء ينتمون إلى القسم الثالث. وهؤلاء يشكلون نسبة مرتفعة من بين المسلمين الأوروبيين في الوقت الحاضر، وجلهم في مرحلة الشباب. أما القسم الخامس، فيتمثل في المسلمين الوافدين على أوروبا خلال العقود الثلاثة الأخيرة، ابتداء من منتصف السبعينيات من القرن العشرين وإلى اليوم.

ولا تكتمل عناصر الصورة أمامنا، إلاّ إذا أدخلنا في الحسبان، الأوروبيين الذين دخلوا في الإسلام، خلال العقود الستة الأخيرة، وهم فئة تتكاثر باطراد، وجلهم من ذوي المؤهلات العليا، وهم مواطنون أوروبيون أصليون، أي ينتمون إلى الأصول الأوروبية الخالصة. وهم، وفقاً لهذا التقسيم، يمثلون القسم السادس من أقسام الوجود الإسلامي في أوروبا.

وليس بين أيدينا اليوم إحصائيات مدققة للمسلمين في أوروبا. ولكن يقدر تعدادهم الإجمالي بما يتراوح بين عشرين وخمسة وعشرين مليون مسلم. ومما يلاحظ أن هذه النسبة تتزايد بصورة مطردة، بحيث تتوقع بعض التقارير الدولية أن تتضاعف في حدود سنة 2025. وكثير من المحللين السياسيين يربطون بين هذه التوقعات التي تقلق بعض الأطراف، وبين السياسات غير السوية التي تمارس ضد فئات من المسلمين في أوروبا.

*          *          *

إن مما نخرج به من هذا العرض، أن الوجود الإسلامي في أوروبا ليس كتلة واحدة، فالمسلمون وإن كان يجمعهم الإيمان بالدين الواحد، ويؤدون شعائر واحدة، ويتوجهون في صلاتهم إلى قبلة واحدة، غير أنهم ينتمون إلى أجناس وأعراق وإلى مشارب ثقافية وفكرية ومذاهب فقهية متعددة. صحيح أن المسلمين أمة واحدة، ولكن ذلك لا يمنع من أن يكونوا جماعات متعددة الأصول. وإن كان هذا التعدّد لا ينال من الأخوة الإسلامية التي توحد بين المسلمين جميعاً. نقول هذا لتتوضح أمامنا معالم الصورة، ولنعلم أن المجموعات البشرية المتعددة الأعراق والمذاهب التي تشكل الوجودَ الإسلامي في أوروبا، لا يمكن عقلاً وواقعاً، أن نحكم على تصرفاتها وحركاتها وممارساتها حكماً جماعياً.

ومما يجدر التوقف عنده في هذا السياق، أن الفئة من المسلمين في أوروبا التي يدور حولها الكلام في هذه المرحلة، ويوجّه إليها الاتهام في الغالب، وتثير الانتباه ببعض سلوكياتها، وتتسبّب في بعض الأحيان، في مشاكل يختلف حجمها من بيئة إلى أخرى، لا يمكن أن نوافق عليها ـ هذه الفئة هي تلك التي تدخل ضمن القسمين الرابع والخامس. فكل الكلام الذي يدور الآن حول الوجود الإسلامي في أوروبا، يُقصد به هؤلاء تحديداً، وليس غيرهم من الأقسام الثلاثة الأولى. وهذا ليس من الصواب ولا هو من العدل.

وليس بخافٍ أن الظروف التي يعيشها جلّ هؤلاء المسلمين من النواحي كافة، وخاصة من ناحية الأوضاع المعيشية والمهنية والتعليمية والثقافية، تشكل إحدى المشاكل التي تستدعي الحلّ الذي ينفذ إلى عمق المشاكل، ويقضي على العوامل والمسببات والدوافع التي تؤدي إلى استفحال الأزمة. ولا يخفى أن من أصعب المشاكل التي يعاني منها هؤلاء الوافدون الجدد على أوروبا، ما يلاقونه من صعوبة في الاندماج في المحيط الذي يعيشون فيه.

*          *          *

ومما هو مؤكّد، أن الوجود الإسلامي في أوروبا هو جزء لا يتجزّأ من العالم الإسلامي، بالمفهوم الإيماني والروحي، وهو مفهوم الأمة الإسلامية. فكما أن المسلمين في كل أقطار الأرض، هم أمة واحدة، فكذلك العالم الإسلامي، فإنه يشمل الوجودَ الإسلامي في مختلف مناطق العالم؛ لأن العالم الإسلامي ليس هو مجموع الدول الأعضاء في منظمة المؤتمر الإسلامي والأقليات الإسلامية في الهند والصين وروسيا الاتحادية والفلبين وجنوب إفريقيا وفي غيرها من الدول، وإنما هو وجود ذو امتداد أرحب، لأننا لا يمكن أن نُخرج الأقليات والجاليات الإسلامية في أوروبا والأمريكتين واليابان وأستراليا، من دائرة العالم الإسلامي.

وهذا المفهوم الجديد للعالم الإسلامي، لا يتعارض مع مفهوم سيادة الدول، فلكل دولة سيادتها بدون استثناء. وينطبق هذا أيضاً على الدول الأعضاء في منظمة المؤتمر الإسلامي السبع والخمسين. لأن ثمة فرقاً بين المفهوم الجغرافي والدستوري، وبين المفهوم الروحي والحضاري. فعندما نقول إن المسلمين جميعاً هم جزء روحي وحضاري من العالم الإسلامي، لا يعني ذلك بأي حال من الأحوال، التدخلَ في شؤون الدول التي تعيش فيها الأقليات والجاليات الإسلامية، ولا الانتقاص من مواطنتهم وانتمائهم إلى البلدان التي يوجدون فيها.

نخلص من هذا التحديد للمفاهيم، إلى مسألة مهمة للغاية، وهي أن المسلمين في أوروبا ليسوا جميعهم جاليات إسلامية، ولكنهم جاليات وأقليات إسلامية. وإن كنا لا نفضل عبارة (الأقليات)، لما لها من حمولة ثقافية وسياسية ليست مما يحمد. لأنّ بعض المسلمين الذي يشكلون أقلية من بين المواطنين في الدول الأوروبية، هم مواطنون في الدولة التي يعيشون فيها، سواء أكانوا من أصول محلية، أم من أصول وافدة. فهؤلاء من نسيج المجتمع الأوروبي الذي ينتمون إليه، والذي لا يعتمد مفهوم الأقلية والأغلبية بمقياس الانتماء الديني.

*          *          *

إلى هنا نصل إلى مسؤولية العالم الإسلامي إزاء الوجود الإسلامي في أوروبا. وهي مسؤولية دينية وثقافية، أو لنقل بالعبارة القانونية، إنها مسؤولية أدبية، لا يترتب عليها أي التزامات مادية أو قانونية بأي شكل من الأشكال، ولكن تترتب عليها واجبات شرعية وفقاً لمقتضيات التضامن الإسلامي، إعمالاً لمنطوق الآية الكريمة : }إنما المؤمنون إخوة{.

إنّ مدّ يد العون والدعم للمسلمين في أي مكان من العالم، ونصرتهم في قضاياهم العادلة، ومساندتهم والوقوف إلى جانبهم في حدود ما تسمح به القوانين المعمول بها في الدول التي ينتمون إليها أو الدول التي يعيشون فيها، مهما اختلفت ظروف إقامتهم ـ كلّ ذلك واجب وحق؛ هو واجب على المنظمات والهيئات والمؤسسات الإسلامية المتخصصة، وهو حق من حقوق المسلم حيث كان، على أخيه في الدين، فضلاً عن أن ذلك لا يعني إطلاقاً انتهاك القوانين المحلية أو التدخل في الشؤون الداخلية للدول.

إن مما لاشك فيه أن المسلمين في أوروبا، خصوصاً منهم القسمين الرابع والخامس، يحتاجون إلى الدعم في المجالات الرئيسَة الثلاثة التالية :

أولاً : مجال التوعية الدينية بالمنهج العلمي وبالأسلوب الحكيم.

ثانياً : مجال التربية والتعليم وفق الطرق التربوية الحديثة.

ثالثاً : مجال الدعم المالي لإقامة المساجد والمؤسسات التربوية والثقافية.

وللمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة –إيسيسكو- باعتبارها الجهاز الإسلامي الدولي المتخصص، نشاط وعمل وحضور في المجالين الأولين، فقد أعدّت المنظمة (استراتيجية العمل الثقافي الإسلامي في الغرب) التي اعتمدها مؤتمر القمة الإسلامي التاسع المنعقد في الدوحة سنة 2000م. وأنشأت في إطار هذه الاستراتيجية (المجلس الأعلى للتربية والثقافة في الغرب). وهذه الاستراتيجية هي الإطار العام الذي تتحرك فيه الإيسيسكو ممثلة للعالم الإسلامي، باعتبارها إحدى المنظمات العاملة في إطار منظمة المؤتمر الإسلامي.

وتنفيذاً لخطط العمل المتعاقبة التي يعتمدها المؤتمر العام، تعقد المنظمة سنوياً اجتماعات لرؤساء المراكز الثقافية والجمعيات الإسلامية في الغرب (أوروبا، الولايات المتحدة الأمريكية، أمريكا اللاتينية وبحر الكاريبي، جنوب شرقي آسيا ومنطقة الباسفيك). وفي هذا الإطار تم حتى الآن عقد تسعة اجتماعات في كل من فرنسا وإسبانيا وبلجيكا وكرواتيا وهولندا وألمانيا وإيطاليا والنمسا. وتستفيد من النتائج التي تسفر عنها هذه الاجتماعات، المجتمعات الإسلامية في جل الدول الأوروبية، على مستوى التوجيه الديني الرشيد الذي يعتمد المنهجية الوسطية والاعتدال، وعلى مستوى التكوين التربوي وفقاً للمنهج الذي تعتمده الإيسيسكو، والذي يقوم على تعزيز قيم التسامح ونبذ التعصب والتطرف والغلوّ، واحترام الآخر والاقتراب منه والتواصل معه، لفهمه على نحو يزيل أسباب النفور والشك والريبة.

وطبقاً لهذا المنهج الوسطي والمتفتح، تعقد الإيسيسكو دورات تدريبية لأئمة المساجد وللمدرسين العاملين في المدارس الخاصة بالجاليات والأقليات في الدول الأوروبية، كما تعقد دورات تدريبية وأوراش لتعليم اللغة العربية يشارك فيها المدرسون الذين يعملون في المدارس الخاصة بالمسلمين في العديد من الدول الأوروبية. وتزود الإيسيسكو المراكز الثقافية والجمعيات الإسلامية بالكتب، وتقدم المنح الدراسية للطلاب من أبناء الجاليات والأقليات الإسلامية لمواصلة الدراسات العليا في البلدان الإسلامية، وتشارك في المؤتمرات والندوات التي تنظمها الجاليات والأقليات الإسلامية في أوروبا والتي تبحث القضايا الخاصة بها.

وتقيم الإيسيسكو شبكة من علاقات التعاون مع العديد من المنظمات الدولية والإقليمية، منها (مجلس أوروبا)، الذي تتعاون معه في تنفيذ الأنشطة التي يستفيد منها الشباب من الجاليات والأقليات الإسلامية في أوروبا. كما ترتبط الإيسيسكو باتفاقيات التعاون مع اليونيسكو، والمنظمة الدولية للهجرة، والمنظمة الدولية للفرانكفونية، وغيرها. ومن الأنشطة التي تنفذ في إطار هذه الاتفاقيات ما يستفيد منه المسلمون في غير الدول الأعضاء، ومنهم المسلمون في أوروبا.

إن هذه الجهود التي تقوم بها الإيسيسكو لتقديم الدعم للمسلمين في أوروبا، يدخل ضمن هدف رئيس نعمل دائماً من أجل تحقيقه، وهو حماية الهوية الدينية والخصائص الثقافية والحضارية للمسلمين في أوروبا، بما يعني السعي لإبعادهم عن كل ما من شأنه أن يؤدي إلى التطرف والغلوّ، اللذين هما، كما لا يخفى عليكم، المدخل إلى الانغلاق والسبيل إلى الانحراف وممارسة العنف.

وليست الإيسيسكو هي التي تعمل وحدها في هذا المجال لفائدة المسلمين في أوروبا، فهناك العديد من المنظمات والمؤسسات الإسلامية غير الحكومية تهتم بتقديم الدعم لهم، أذكر من بينها رابطة العالم الإسلامي، وجمعية الدعوة الإسلاميـة العالمية، والأزهـر الشريف، ومؤسسة زايد الخيـرية، ومؤسسة آل مكتوم الخيرية، ومؤسسة سلطان بن عبد العزيز آل سعود الخيرية، وغيرها. ويتنوّع الدعم الذي تقدّمه هذه المؤسسات والهيئات للمسلمين في أوروبا، من بناء المساجد وإنشاء المراكز الثقافية الإسلامية، إلى الإنفاق على المدارس والمعاهد وبعض الجامعات الإسلامية الأهلية التي أصبحت اليوم ظاهرة جديدة في أوروبا. ونحن جميعاً نلتقي في الهدف النبيل الذي نعمل له، وهو حماية أبناء المسلمين وبناتهم من التطرف، وتعليمهم اللغة العربية والثقافة والحضارة الإسلاميتين بمفاهيم متفتحة بعيداً عن التشدّد والتعصّب وتعزيز قيم الحوار والتعايش المشترك.

ويشارك المسؤولون عن المراكز الثقافية والجمعيات الإسلامية والقيادات الدينية والفكرية في أوروبا، في المؤتمرات والندوات التي تعقد في البلدان العربية الإسلامية، ومنها المؤتمرات التي تعقدها الإيسيسكو بين الحين والآخر. وبذلك يظلون على تواصل فكري وثقافي مع زملائهم في العالم الإسلامي.

*          *          *

إن مسؤولية العالم الإسلامي تجاه الحضور الإسلامي في أوروبا، تنبع من المسؤولية الجماعية التي يتحمّلها المسلمون في كل مكان إزاء أشقائهم في الدين، الذين يقيمون خارج البلدان الإسلامية، حيث  تتوفر ظروف التنشئة الإسلامية ووسائل الوقاية من المؤثرات السلبية التي تنال من الهوية والخصوصيات الدينية والثقافية والحضارية.

ولابد أن نذكر هنا أن هناك تقصيراً نلمسه وندركه، في الجهود التي تقوم بها الجهات الحكومية والأهلية في البلدان الإسلامية في مجال تقديم ما يجب تقديمه للجاليات والأقليات الإسلامية في أوروبا. والدعم المطلوب متعدّد الأوجه. ولذلك فإن الأعباء كبيرة، ومتطلبات حماية هوية الشخصية الإسلامية كثيرة. ولكننا في الإيسيسكو نحاول أن نقوم بما نستطيع في حدود إمكاناتنا، ودون أن نتجاوز اختصاصاتنا.

ولابد هنا من التذكير بأن الحملات العدائية التي تشنها أطراف أوروبية متطرفة ضد الإسلام والمسلمين عموماً، وانتشار موجة الرهاب من الإسلام (إسلاموفوبيا)، واتهام هذا الدين بالتطرف وبالإرهاب، لها انعكاسات سيئة وأحياناً مضاعفات خطيرة، وتُعدّ من أكبر المشكلات التي تستفز المسلمين في أوروبا والعالم أجمع. ولذلك فإننا ندعو العقلاء والحريصين على التعايش بين اتباع الحضارات، إلى توحيد الجهود وتكثيفها لمواجهة حملات التشويه والعنصرية والظلم الاجتماعي، ونشر ثقافة التسامح والاحترام المتبادل، فالناس جميعاً عيال الله وأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله.

وقد سجل عدد من الدارسين للعلاقات بين العالم الإسلامي والغرب بصورة عامة، تصاعداً في الخصوصية بالتبادل، بمعنى أن الأوروبيين، وبخاصة الفرنسيين والألمان والإسكندنافيين، قوي إحساسُهم بغربة المسلمين بينهم وغرابتهم. والأجيال الجديدة من المسلمين ازداد إحساسُها بضرورة تأكيد غربتها وغرابتها وخصوصيتها. ويذهب الدكتور رضوان السيد في بحث له عن (الأصوليات والخصوصيات والمشكلات الحقيقية مع أوروبا والعالم)، إلى القول بأنه لا يمكن نسبة هذا الواقع في أوروبا إلى حدث محدّد أو تاريخ معين. ويردّ الإحساس المتبادل بضرورات تأكيد الذات من جهة الأوروبيين إلى نموّ تيارات اليمين، ومن جهة مسلمي أوروبا إلى انتشار الصحوة الدينية فيما بينهم. ويقول الباحث اللبناني إن اليمين الأوروبي ـ بعكس اليمين الأمريكي ـ ليس دينياً بل هو قومي وثقافي، بينما هو لدى مسلمي أوروبا ليس قومياً أو إثنياً، بل فيه تشديد على شمولية الإسلام من جهة، وخصوصيته تجاه الغرب بشكل عام من جهة ثانية، مما يتولّد عنه إحساسُ العامة في أوروبا بالخوف من الإسلام، وإحساس النخب الأوروبية بالتقزز منه(1).

(1) د. رضوان السيد، الأصوليات والخصوصيات والمشكلات الحقيقية مع أوروبا والعالم، جريدة (الحياة) اللندنية، عدد 22 سبتمبر 2007م.

ومما لا خلاف عليه أن هناك عداء متصاعداً للإسلام لدى شرائح عديدة في المجتمعات الأوربية ولدى عدد من المثقفين والسياسيين، وبخاصة في فرنسا وألمانيا وهولندا والدول الاسكندنافية. ويساعد على استتباب هذه الأجواء المتوترة والاستمرار في تفاعلاتها السلبية، تحوّل الإسلام إلى مشكلة عالمية في نظر الإعلام الغربي بصورة عامة، ولدى المتطرّفين من الجانب الآخر. لأنه ليس من الأمانة والمنهجية في شيء أن نحصر التطرف في جانب واحد، هو الجانب الإسلامي. لأن الواقع يشهد أن التطرف يأتي أيضاً من الطرف الآخر الأوروبي. ولسنا هنا نبرر ما يرتكبه الطرف الإسلامي من أخطاء وخطايا وما يمارسه أحياناً من سلوكات غير سوية، وإنما نحن نصف الحال كما هي دون زيادة أو نقصان.

وفي الجملة، فإن الوجود الإسلامي في أوروبا، يتأثر إلى حد بعيد، بهذه الظواهر. ومما يلاحظ أن مدار الأمر هنا هم المسلمون من الجيلين الرابع والخامس. أما الأجيال السابقة عليهما، فهي خارج هذه الظواهر جميعاً.

وفي رأيي أن المسألة تحتاج إلى معالجة موضوعية متأنية، لأن المصالح المشتركة بين أوروبا والعالم الإسلامي تقتضي تسوية كل المشاكل بالحكمة والحوار البنّاء. ولن يتمّ ذلك إلا إذا أشعنا ثقافة الاحترام المتبادل، وانتهجنا سبيل التعايش الحضاري.

الدكتور عبدالعزيز التويجري

المدير العام للمنظمة الإسلامية للتربية والثقافة والعلوم (إيسيسكو).