احتظنت جامعة إشبيلية في 17 و 18 أبريل 2008، ندوة ندولية في موضوع: حقوق الإنسان في الأندلس، نظمها مركز دراسات الأندلس وحوار الحضارات بتعاون مع جامعة إشبيلية، شارك فيها مجموعة من الباحثين العرب والإسبان. وفيما يلي برنامج الندوة، ومداخلة حول حقوق أهل الذمة في الأندلس، بقلم الدكتور أحمد شحلان.

البرنامج

الخميس 17 أبريل 2008

صباحا

9.30-10.00 حفل الافتتاح

– كلمة اللجنة المنظمة

10.30-11.00 المحاضرة التمهيدية

– د. سعيد بنسعيد العلوي، مركز دراسات الأندلس وحوار الحضارات، الرباط. ” حقوق الله، حقوق الآدميين، حقوق الإنسان”.

11.00-11.30 مناقشة

11.30-12.30 الجلسة الأولى

– رئيس الجلسة الدكتور عثمان الرواف، الأمين العام المنتدب لمركز دراسات الأندلس وحوار الحضارات

– د. رضوان السيد، الجامعة اللبنانية، بيروت. ” التجربة الأندلسية، بين التاريخ والوعي بالواقع”.

– د. محمد مصطفى القباج، أكاديمية المملكة المغربية، ” محاولة في تجديد النظر لمفهوم حقوق الإنسان انطلاقاً من آراء فلاسفة الأندلس”.

– دة. بيلار غاريدو، جامعة مرسية، “حق التأويل في الإسلام حسب ابن مسرة”.

12.30-13.00 مناقشة.

مساء

15.00-16.00 الجلسة الثانية

– رئيس الجلسة الدكتور إميليو مولينا، جامعة غرناطة

– دة. فاطمة رولدان، جامعة إشبيلية، “حقوق المستهلك في الأندلس”.

– د. يوسف النكادي، جامعة محمد الأول، وجدة ” أضواء حول حق الملكية في الأندلس”.

– د. ماريا أركاس كامبوي، جامعة لالاغونا، ” الكائن البشري والتشريع الإسلامي : النموذج الأندلسي”.

16.00-16.30 مناقشة.

16.30-17.00 استراحة.

17.00-18.30 الجلسة الثالثة

– رئيس الجلسة الدكتور تاج الدين الحسيني، مركز دراسات الأندلس وحوار الحضارات

– د. خوان أنطونيو باشيكو، جامعة إشبيلية، ” حقوق الإنسان : المرأة والمجتمع الإسلامي”.

– د. محمد المغراوي، جامعة محمد الخامس، الرباط ” المرأة في الأدب الأندلسي، وظائف وحقوق”.

– د. ألفونسو كارمونة غونثالث، جامعة مرسية، ” الفقه في الأندلس، والحرية الاقتصادية للمرأة”.

– د. فرانسيسكو بيدال، جامعة جيان، “حقوق الطفل في النظام القضائي بالأندلس”.

18.30-19.00 مناقشة.

الجمعة 18 أبريل 2008

صباحا

9.30-11 الجلسة الرابعة

– رئيس الجلسة الدكتور بابلو بنايتو (جامعة إشبيلية)

– د. رودولفو خيل بني أمية (مستعرب إسباني)، “حقوق وامتيازات الصقالبة في الأندلس”.

– د. أحمد شحلان، جامعة محمد الخامس، الرباط. ” الأندلس : حق المعرفة والوجود لأهل الذمة في الأندلس”.

– د. خوسي راميريس ديل ريو، جامعة قرطبة، ” أهل الذمة وحماية غير المسلمين في الأندلس”.

– د. خابيير لوفين، جامعة بروكسيل الحرة، ” حقوق الأقليات الدينية في الإسلام :

– مقارنة بين حالتي الأندلس والامبراطورية العثمانية”.

11.00-11.30 مناقشة.

11.30-12.00 استراحة.

12.00-13.00- تقديم كتاب ” قصر الحمراء مكان للذاكرة والحوار”.

– دة. ماريا ديل المارفيافرانكا (قصر الحمراء)

– د. عبد الواحد أكمير (مركز دراسات الأندلس وحوار الحضارات).

– د. خوسي أنطونيو الكانتود (جامعة غرناطة).

مساء

16.00-15.00 الجلسة الخامسة

– رئيس الجلسة الدكتور عبد الله المعطاني، مدير هيئة حقوق الإنسان بمنطقة مكة

– د. صلاح فضل، جامعة القاهرة، ” الحريات في الأدب الأندلسي”.

– دة. مارابياس أغيلار، جامعة لالاغونا، “كونية الثقافة، رحلة مخطوط أندلسي بين القاهرة وفلنسية ونابولي وباريس”.

– دة. مرسيديس ديلغادو بيريس، جامعة إشبيلية، “التمثيل المجازي في الإسلام :

– القبول بإعادة بناء الصورة الجمالية”

16.00-16.30 مناقشة

16.30-17.00 استراحة

17.00-18.00 الجلسة السادسة

– رئيس الجلسة : رودولفو خيل بني أمية (مستعرب إسباني)

– د. خيراردو بينيا روساليس، أكاديمية أمريكا الشمالية للغة الإسبانية، نيويورك”، حقوق وواجبات الإنسان في “وصف إفريقيا” لليون الإفريقي”.

– دة. مريم السبتي، المركز الوطني للبحث العلمي، باريس، ” وضعية الفرد وحرية الرعية في “حي بن يقضان” لابن الطفيل”.

– د. بابلو بنايتو، جامعة إشبيلية، ” الحق في اختلاف المعتقد حسب ابن عربي”.

18.00-18.30 مناقشة

18.30-19.00 المحاضرة الختامية

– د. إميليو مولينا لوبيث، جامعة غرناطة، ” في حدود حقوق الإنسان : الأحكام الفقهية وقضايا القانون الجنائي”.

19.00-19.30 الجلسة الختامية.

الأنــــــــدلس

أهل الذمة وحق الوجود والمعرفة

بعد أن دخل المسلمون الأندلس، وبعد أن استقروا زمناً، أصبح هذا المجتمع يتكون من عناصر عدة هي:

1- العرب

وهم قبائل عدة، استقرت  بصفة عامة في مدن السهول الخصبة، خصوصا في منحدر الوادي الكبير وقرب منحدرات أنهار التجه وشنيل وإبره قرب مُرسيا، وحول طليطلة ومنطقة أريولة ومنطقة إشبيليا وبلنسيه وقرطبة وبطليوس وإشبيليا وألبيره ومرسيا وكورة ألبيره وكورة باجة وكورة تدمير[1]. وعدَّهم مؤلفُ ” أعيان فاس في القديم”، في الجنس الأول والثاني من ساكنة الأندلس حيث قـال: “الجنس الأول دخل إليها من بني هاشم الجم الغفير، من الحجاز واليمن والعراق والشام ومصر وجراثيمهم ومواليهم الجم الغفير، من سائر البلاد التي ذكرنا”[2]

2- الأمازيغ

قدمت دفوع الأمازيغ الأولى مع ورود القادمين الأول، ثم تتابعت على عهد المرابطين والموحدين، وأقام الكثير منهم في الثغور ومدن مثل بلنسيا ومرسيا وألمرية وبرشلونة وباجة [3]. وعدَّهم صاحب أعيان فاس، من الجنس الثالث ممن دخل الأندلس حيث قال: “الجنس الثالث دخل إليها من برابرة المغرب وإفريقيا. ومن كان منهم من أهل الحاضرة استقر في القرى”[4]. ومن بيوتاتهم التي ذكرها ابن حزم في جمهرة الأنساب : وزداجة وملزوزة وامغيلة ومكناسة وازناتة ومديونة وهوارة ومصمودة وأوربة وزواوة وصنهاجة[5] .

3- السقالبة ( الصقالبة) أو الموالي

وهم الخدم المستجلبون من الشمال، وهم في الأصل أسارى الجيوش الجرمانية في حروبها مع السلافيين، ومستجلبي القراصنة الذين كانوا يطَّوَّفون في مياه الأبيض المتوسط، واليهود الذين جلبوا خاصة من كان يخدم الحريم، من فرنسا، خصوصا من Verdun[6].

4- المستعربون أو النصارى المعاهدون أو الأعاجم (Los Mozarabes )   وهم النصارى الذين بقوا بعد فتح الأندلس في المدن والبقاع المفتوحة، في ظل الدولة الإسلامية، وكانوا يكونون مجموعات كبيرة في القواعد الرئيسية مثل قرطبة و إشبيلية وطليطلة[7].

وكان من الطبيعي أن يكون عددهم كبيراً في كل أرجاء الأندلس. وكان هؤلاء النصارى أو الأعاجم، يكونون طبقتين داخل المجتمع الأندلسي: طبقة عليا جماعها كبار النصارى ووجوههم، وطبقة من العامة. وقد غير الفاتحون من الوضع الاجتماعي القديم لهؤلاء، ومكنوهم من خدمة الأرض مقابل جزء يسير من منتوجها يؤدونه للدولة، ويحتفظون هم بجله، وكانوا قبلا أقناناً مملوكين[8]. ولم تضع منهم حقوقهم الاجتماعية، إذ أُخذت جل أرض الأندلس صلحاً، وعليه فإن أصحابها كانوا يبيعون ويُباع منهم. وأبناء آخر ملوك القوط حافظوا على ثلاثة آلاف ضيعة سميت بعد ذلك صفايا الملوك[9].

5 – المولودون أو المسالمة من أهل الدين

وهم سكان الأندلس الأصليون الذين اعتنقوا الإسلام. وعدهم صاحب ” أعيان فاس “، هم والنصارى المعاهدة، في الجنس الرابع قال: “الجنس الرابع من أهلها الذين دخل عليهم المسلمون، منهم من أسلم واستقر بموضعه، ومنهم من سبي عند الفتح واستقر بها، وبها بقي عَقبه، ومنهم من أسلم بعد الفتح أو سبي بعد الفتح واستقر بها عقبهما. وهذا الصنف على أجناس، منهم الروم والجلالقة وقشتالة، وراغون البرمدي، والعريقيين والينير[10] والطوطيين من الأمم القديمة، ومنهم أهل البريس مدينة مستقر طاغية فرانسيس، ومنهم عجم رومية … ومنهم من كان من اليهود مستقرا بها قبل الفتح، وأسلم عند الفتح أو بعده، أو دخل إليها بعد الفتح و أسلم”[11] .

6- اليهود

لليهود وجود في الأندلس قديم، فقد ورد ذكرهم في مجمع Ilibrow ، مابين 309 و312 (ق. م)[12]. وقد كان الكثير من هؤلاء اليهود الذين استوطنوا الأندلس عوناً للقادمين من المسلمين. يقول المقري في شأن جواز طارق إلى ضفة الأندلس: “… ثم لحق ذلك الجيش بالجيش المتوجه إلى البيرة، فحاصروا مدينتها وفتحوها عنوة، وألْفَوْا بها يهوداً ضموهم إلى قصبة غرناطة، وصار ذلك سنة متبعة، متى وجدوا بمدينة فتحوها يهوداً، يضمونهم إلى قصبتها ويجعلون معهم طائفة من المسلمين يسدونها”[13] . وقد تحدث أسطور في كتابه “تاريخ اليهود في الأندلس الإسلامية”، بتفصيل عن وجود طوائف ذات أهمية كبرى في عديد من المدن، مثل قرطبة وإشبيلية ولسيانة وغرناطة وطليطلة وقلعة حماد وسرقسطة، وكذا في مدن الشمال، مثل برشلونة وطرﮔونة وطرطوشة[14].

استقلالية أهل الذمة

يظهر من مكونات المجتمع الأندلسي تمازج فريد لا بد أن يكون له أثره في سنن حياتهم، وعلى كل حال فإنه تمازج بني على استقلالية تستند وثيقة ترجع إلى أيام عمر بن الخطاب، وهي الوثيقة التي بعث بها القائد عبد الرحمن بن غانم إلى عمر بن الخطاب، حين صالح القائد المذكور نصارى الشام[15]. ووقعت وثيقة الاستقلال هذه بيــــن عبـــد العزيز بن نصــير وThéodémir (تدمير)، وظل مفعولها سارياً حتى عهد المرابطين والموحدين. ولم يفرض الفاتحون الإسلام على أهل الأندلس فرضا، وظلوا يعاملون السكان الأصليين، نصارى ويهوداً، معاملة خاصة مكنتهم من حرية الدين والمعتقد.

وظل المسيحيون يتمتعون في القواعد الرئيسية مثل قرطـبة وإشبيلية وطليطلة باستقلال ذاتي، ويطبقون شرائعهم القوطية القديمة على يد قضائهم وتحت مسؤولية قواميسهم[16] الذين كانوا يتمتعون باحترام كبير، وكانوا من مستشاري الخلفاء في قضاياهم الخاصة، وفي قضايا النصارى وأحوالهم. وهكذا فقد كان أهل الذمة في مختلف مدن البلاد وكُورِها، يسيرون أمورهم برئاسة شيوخ من أهل دينهم ذوي حنكة ودهاء ومداراة ومعرفة بالجباية. وعليه فإن قضايا الطائفة خلال القرن العاشر، كانت تدبر بواسطة موظفين تختارهم الطائفة باتفاق مع السلطة الإسلامية العليا. وكان مرجعهم التشريعي قوطي. أما الخلافات التي كانت تقع بينهم وبين المسلمين، فإنها تعرض على القضاء الإسلامي، مع احترام  كبير لشؤون تعبدهم.

وتتجلى حرية التعبد في كثرة الكنائس التي كانت منتشرة في كل الأندلس، ما بين القرن الثامن والثاني عشر الميلاديين، سواء في المدن الكبرى أو الصغرى. ومن أشهر هذه الكنائس أيام الخلافة، الكنيسة العظمى بقرطبة Saint- Aciscle ، ومن أشهر الأديرة الواقعة في أطراف المدينة دير أرملاط (Guadimellato) [17].

ويذكر الإدريسي “أنه كان بالأندلس كنيسة من الكنائس تستقبل الناس وتستضيفهم عادة متبعة ورثها الخلف عن السلف، وكانت دائما عامرة بالقسس والرهبان، وبها أموال مدخرة وأحوال واسعة، وأكثر هذه الأموال محبسة عليها في أقطار الغرب وبلاده، وينفق منها على الكنيسة وخدامها”[18] .

ونظرا لهذه الأهمية التي كانت تحظى بها الكنيسة، فإنها لم تكن ملجأ النصارى وحدهم، بل كانت ملجأ المسلمين وكل الغرباء، وتعددت فيها الفتاوى التي وردت في كثير من المصـــــــــادر كـ” المعيار” للونشريسي، و”أحكام قضايا أهل الذمة”[19] وهي فتاوى غطت جل الحكم الإسلامي بالأندلس، مما يبين أهمية الكنيسة ودورها الكبير. ونضرب مثالا لذلك بالفتوى التي وجهت إلى القاضي أبي الفضل عياض، عن أحباس حبسها نصارى معاهدة، على كنيسة لهم، حيث قال: “وكان القسيسون يستغلونها وينفقونها [أموال التحبيس] في مصالح كنيستهم وما فضل منها يأخذونه لأنفسهم”[20]. والفتوى الثامنة من فتاوى ابن أصبغ حيث تقول: “وعلى غرار ما يكون الحكم فيما يتعلق بالأحباس التي تحبس على الكنائس والأديرة، قربى إلى الله تعإلى، فلا يجوز للأسقف إخراجها عما حبست عليه من أجل بيعها … إذ يبطل كل تصرف من هذا القبيل … كما هو الحال بالنسبة لأحباس المسلمين على حد سواء”[21].

وإذا ورد منع لبناء الكنائس فذلك بحيثيات وشروط، يفهم منها أن الجواز هو الأعم.  إذ ورد في منع بنيان الكنائس أقوال كثيرة أوجزها ابن سهل في الفتوى 11، “في منع أهل الذمة من إحداث الكنائس”. فبعد أن عرض هذه الأقوال وتحدث عن أرض الصلح وأرض العنوة،  نقل عن ابن القاسم قال: “قال ابن القاسم: لا يمنعوا من ذلك في قراهم التي صالحوا عليها، لأنها بلادهم يبيعون إن شاءوا أرضهم ودورهم إلا أن تكون بلاد عنوة فليس لهم أن يحدثوا فيها شيئاً لأنهم ليس لهم أن يبيعوا ولا يورثوها، وهي في فَيْءِ  المسلمين وإن أسلموا انتزعت منهم. وقال غيره: لا يمنعوا من كنائسهم التي في قراهم التي أقروا فيها بعد فتحها عنوة. ولا من أن يتخذوا فيها كنائس لأنهم أقروا فيها على دينهم، وعلى ما يجوز لهم فعله، وليس  عليهم فيها خراج، إنما الخراج على الأرض”[22].

ويستفاد من فتاوى ابن سهل أيضاً عدم الإكراه على الإسلام. فقد كتب قاض إلى الفقيه عبيد الله بن يحي الليثي (توفي 297/910)، “رئيس فقهاء المالكية في الأندلس، وشيخ المفتين في قرطبة” يسأله عن غلام نصراني أسلم ووثق هو ذلك، ثم رجع الفتى بعد أيام مرتداً عن أسلامه، فأجابه الفقيه: “…إن أصر حبسته أياماً لعله يراجع أمر الله، فإن أصر خليته…”[23].  والغريب أن الفقيه  محمد بن عمر بن لبابة القرطبي (توفي 314/962)، كان قد أنكر على الفقيه الليثي فتواه هذه، ثم أفتى هو بمثلها، إذ قال في صبي أسلم وأراد الرجوع إلى دينه ما نصه: “أتاني -رحمكم الله- صبي لم يبلغ فأسلم، وصار عند رجل ضمه، ابتغاء ثواب الله -عز وجل- فيه، فتردد عليه فيه أبواه يريدان رده إلى دينهما، والغلام يأبى، فلما كان البارحة، أتاني والده فأعلمني أن ولده يريد الرجوع إلى والديه ودينهما، فاكتبوا إلي بما يجب في ذلك”

“قال ابن لبابة: فهمنا ما ذكره القاضي. فإن كان الغلام قد عقل مثل أن يكون ابن عشر سنين أو ما زاد، فليتشدد عليه، ويهدد ويوعد عليه، فإن لج في الرجوع إلى دينه يرد به إلى أبويه ولم يبلغ به القتل. ولا يكون هذا معجلاً حتى يبلغ، ثم يكون الفتى على ما مضى في الجواب، وأسأل الله التوفيق”[24].

وعلى غرار هذه الاستقلالية التي نعم بها المسيحيون، كان أمر اليهود في الأندلس، فقد ظلت سلطتهم ومقاليد أمورهم الدينية الخاصة بهم بين أيديهم، وجرت العادة على أن تعين السلطة رأس “الجالوت”، ويسمى أيضا “الناسي” (الأمير) أو شيخ اليهود، للقضاء في أمرهم وبتشريعهم، ويكون هذا الشيخ نفسه هو الواسطة بينهم وبين السلطة المدنية[25]. وقد تمتع اليهود، في ظل هذه الحرية، بالسماح لهم ببناء دور عبادتهم في أحيائهم الخاصة وكذلك بين السكان المسلمين[26]. والدليل على الزيادة في بناء المعابد والبِيَّع، هو كثرة الفتاوى المتعلقة بها، وقد جاءت هذه في “نوازل” ابن سهل وفتاوى الونشريسي وغيرها[27] . كما كثرت الفتاوى أيضا حول التوراة والكتب اليهودية[28]. وقد أفاد ابن حزم كثيرا من هذه الكتب في مؤلفه “الفصل”، وأخبر أن كثيراً من فرقهم كانت معروفة في الأندلس، ففي حديثه عن فرق اليهود تحدث عن الفرقة العنانية، وقال: “وهذه الفرقة بالعراق ومصر والشام، وهم بالأندلس بطليطلة وطلبيرة”[29]. كما قال عن مذهب العيساوية “ولقد لقيت من نحو هذا المذهب من خواص اليهود كثيـراً”[30].

وتبعاً لهذه الاستقلالية، أو من نتائجها، أن يتميز أهل الذمة في الأندلس بوضع لا تحكم فيه إلا المقدرات العقلية، على خلاف ما كان سائداً في أوربا العصر الوسيط المسيحية، التي شرَّعت تشريعات كانت دوماً مجحفة في حق اليهود. فما هي وضعية أهل الذمة بوجه عام؟

الوظائف والوضع الاجتماعي

تربعت النخبة العربية على سدة الحكم، وتقلدت مراتب الوزارة والكتابة والقضاء والشرط والحسبة والخطط والمظالم والمواريث والمباني وبيت المال وضرب السكة[31]، وشاركهم في هذه المناصب في ما بعد، عديد من البربر الذين ارتبطوا بهم دماً، وكذا بعض المولدين الذين سوَّاهم بهم الإسلام وتضلعهم في لغة القرآن وآداب حضارته الإسلامية. وكتبُ التراجم والرجال الأندلسية تزخر بأسماء هؤلاء في العلم والقضاء[32]. وقد استطاع هؤلاء المولدون أن يشغلوا مناصب كبرى كانت وقفاً على الأرستقراطية العربية. وشاركت البقية منهم في الحرف والصنائع.

واستغنى الصقالبة فجمعوا الأموال وملكوا الأراضي والعبيد، وتولوا وظائف عليا سامية في الدولة والجيش[33]، وتعاظم أمرهم واستُخدِموا أحيانا في قمع الثوارت وإخماد النعرات، بل كانوا هم أنفسهم وقوداً لهذه الثورات، كما جاء في “أخبار فائق النظامي وجؤدر”، أيام الحكم الثاني. وظهرت لهم عصبية عبر عنها حبيب الصقلبي أيام هشام الثاني في كتاب أسماه “كتاب الاستظهار والمقابلة على من أنكر فضائل الصقالبة”[34].

واحتل المعاهدة النصارى مناصب كبيرة في الدولة والجيش[35]. واسترشد أصحاب الحل والعقد في الأندلس بكبارهم في كثير من الأحيان[36]. ولعب هؤلاء المعاهدة دوراً كبيراً في ثورة ابن حفصون حيث حاولوا التدخل بالصلح أو التخلي عن هذا الأخير[37].

ولم يستغن أمراء الأندلس عن كتابهم ومقتصديهم اليهود والنصارى خلال الحكم الأموي كله[38]. ولا شك أن هؤلاء كانوا إداريين يدبرون أمور الاقتصاد وتنظيم الدولة، وكانوا يختلفون عن كتاب الرسائل لتجربتهم في المال ولعلاقاتهم الداخلية والخارجية. وخصوصاً اليهود الذين أسهموا إسهاماً مهماً في دخول المسلمين الأندلس، وأعانوهم على استتباب أمر المدن المفتوحة، فنالوا كبير جزاء لهذا الفعل، وأعدوا نفوسهم ثقافة وعلماً، ليقوموا بالمهمات الجسام في جهاز الدولة. مثل حسداي الذي كان مترجماً  للناصر ومدبراً لإدارته العامة وجمارك المملكة، كما كان يذهب في سفارات خطرة، ويستقبل السفراء القادمين على قرطبة[39]. ومثل أبراهام بن يعقوب الإسرائيلي الطرطوسي الذي كلفه الحكم الثاني ببعثة وجهها إلى ملوك الشمال[40]. وقام صموئل بن النغريلة بمهام عظمى في دولة حبوس، فقد أخذ بزمام الدولة في يده، وترأس جل الحملات العسكرية التي كان سجالاً بين غرناطة وإشبيلية[41]. وسيكون لهؤلاء المكانة العليا في إحياء الآداب العبرية، بل المشاركة بنصيب في ديوان الشعر العربي الأندلسي. أمور ما كان لها أن تحدث لولا إشراكهم، بصفتهم مواطنين طبيعيين، في مسار الفكر وفي مدارسه ودوره ونواديه، باعتبار ذلك حقاً من حقوقهم الإنسانية.

اقرأ المزيد

[1]  لسان الدين بن الخطيب، الإحاطة في أخبار عرناطة، [ تحقيق محمد بن عبد عنان] مكتبة الخانجي، القاهرة، 1973، ج1،ص. 103-105. وأنظر أيضا : ابن حزم، جمهرة أنساب العرب، فهو يذكر فيها القبائل العربية ويذكر المنازل التي استقرت بها.

[2]  ذكر بعض مشاهير أعيان فاس في القديم، مؤلف مجهول، [تحقيق عبد القادر زمامة] مجلة البحث العلمي، العدد3،4، السنة الأولى، 1964، ص. 55(سنحيل عليه بـ”زمامة).

[3]  ابن عذاري المراكشي، البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب [ تحقيق كولان وليفي بروفنسال] [ج 4، تحقيق إحسان عباس]، دار الثقافة، بيروت، 1967، ج 4، ص.69.

[4]  زمامة، ص.55.

[5] أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي، جمهرة أنساب العرب، [تحقيق عبد السلام هارون] دار المعارف بمصر ص.498-502.

[6] )  E. Lévi- Provençal, l’Espagne musulmane, Paris, 1932, P.29 = Lévi ( Provençal 2).

[7] لسان الدين بن الخطيب ، الإحاطة في أخبار غرناطة ، ج 1 ، ص . 106- 107، 109 . البيان ج 4 ، ص 69.

[8] )  E . Lévi – provençal , L’Espagne musulmane au Xè siècle , P . 160 = Lévi – ( Proveçal )

[9] أحمد الطاهري، عامة قرطبة في عصر الخلافة ، منشورات عكاظ ، الرباط ، 1988 ، ص . 148 – 169 . أنظر التفصيل في ، Lévi- Provençal , Histoire de L’Espagne musulmane , Paris , 1950 , T. 3 PP 214-226 = (Lévi- Provençal 2)

[10] يدكر المحقق عبد القادر زمامة ، في حاشية 54 بأنه لم يتوصل إلى تقويم هذه الأسماء المحرفة عن أصولها .

[11] زمامة ، ص . 55 .

[12] Raymond , R . Thourent , ” Chrétiens et Juifs à Grenade au IV siècle avant J .C ” Hespéris , T. XXX 1943 ) , PP . 201 -202 .  )

[13] النفح  ، ج 1 ، ص . 10 ؛ البيان ، ج2 ، ص . 12 .

[14] ( أ . شتور ، تاريخ يهود إسبانيا المسلمة ، ج 1 … 1960 ). (بالعبرية).

[15] الونشريسي أبو العباس أحمد بن يحيى ، المعيار المعرب والجامع المغرب عن فتاوي أهل افريقية والأندلسي والمغرب ، إشراف محمد حجي، دار الغرب  الإسلامي ، بيروت ، ج 2 ، ص. 237 – 238 .

[16] الإحاطة ، ج 1 ، ص . 106 ( هامش 2 )

[17] Lévi- Provençal 1,pp. 72-74

[18] عن “عامة قرطبة في عصر الخلافة”، ص . 152 .

[19] المعيار  ، ج 7 ،ص . 73 – 74 ؛ ج 8 ، ص 59 ؛ القاضي أبوا الأصبغ عيسى بن سهل الأندلسي، وثائق في أحكام قضاء أهل الذمة في الأندلس [تحقيق محمد عبد الوهاب خلاف] المركز العربي للدول للإعلام، القاهرة، 1980. ص، الفتوى رقم 8 .

[20] المعيار ، ج 7 ،ص . 73 .

[21] أبو الأصبغ بن سهل ، ص . 69 .

[22] ابن سهل الأندلسي، وثائق في أحكام قضاء أهل الذمة في الأندلس، ص. 79-80.

[23] نفسه، ص. 43.

[24] نفسه، ص. 46-47.

[25] عبد الله بن بلقين، مذكرات …المسماة بكتاب التبيان [تحقيق ليفي بروفانسال] دار المعارف، بمصر، 1955 ، ص. 131.

[26] أبو الأصبغ بن سهيل ، ص. 60 وما بعد.

[27] المعيار ، ج 8 ، ص. 58 – 59 .

[28] ثلاث رسائل أندلسية في آداب الحسبة والمحتسب، [تحقيق ليفي بروفانسال] مطبعة المعهد العلمي الفرنسي، القاهرة، 1955، ص. 57 . قد تكون كتب الفلسفة أو علوم الأوائل، هي المقصودة هنا بالمنع.

[29] الفصل ، ج 1 ص . 78 .

[30] نفسه، ص.89.، ص. 227.

[31]  زمامة ، ص . 55

[32] ابن الفرضي أبو الوليد عبد الله بن محمد ، تاريخ علماء الأندلس ، الدار المصرية للتأليف والترجمة والنشر ؛ و أبو عبد الله محمد بن حارث الخشني ،  قضاة قرطبة ، الدار المصرية للتأليف والترجمة ، 1966 .

[33] البيان ، ج 2 ، ص . 165 و 164 و 183 و 191 و 203 و 214 و 223 . Lévi- Provençal,1 , P112 et Lévi- Provençal, 2 ,T. 1 pp. 232 – 234

[34] البيان ،  ج 2 ، ص . 259 – 262 ومابعدها ؛ وانظر : أخبار الناصر في النفح ، تحقيق إحسان عباس 1968 ، ج 1 ، ص 253 – 282

[35] Lévi- Provençal, 1 , p112 et Lévi- Provençal, 2 ,T. 1 pp. 232 – 234

[36] الإحاطة ، ج 1 ، ص. 103 – 104، مذكرات ، ص . 66 – 67 ، ابن حيان القرطبي ، المقتبس ، ( نشر ب : سالميتا ، المعهد الإسباني للثقافة، مدريد، كلية الآداب، الرباط 1979، ج 5، ص. 467.

[37] المقتبس، ج. 5، ص. 467.

[38] Provençal, 2 ,T. 1 p .290 .

[39] Lévi- Provençal, 1 , p112 . و البيان ، ج 2 ، ص. 221 . و المقتبس ، مدريد ، ص . 467 .

[40] أ. اشتور، ج 1، ص . 228 – 229 .

[41] مذكرات ، ص . 48 و 53 .