كان للاستقرار النسبي للوضعين العسكري والسياسي بين المسلمين في الأندلس والكارولنجيين الفرنجة في غالة، أثر كبير في قيام نوع من العلاقات السياسية غير الواضحة بين القوى في العالمين الإسلامي والنصراني، وكان “ببين” Pepin ملك الفرنجة، أول من سلك هذا المسلك حين شعر بقوة الدولة الأموية في الأندلس والنفور الذي قام بينها وبين الخلافة العباسية في المشرق، فأرسل سفارة إلى بغداد من أجل هذه الغاية. وقد رحب الخليفة أبو جعفر المنصور بهذه الخطوة السياسية، وبادله السفارة ليعقد معه تحالفاً غير واضح المعالم ضد الإمارة الأموية في الأندلس.في الوقت نفسه تطلعت الإمارة الأموية للتعاون مع بيزنطة التي تعادي كل من دولة الفرنجة والخلافة العباسية… وأضحت المصالح توجه العلاقات السياسية بين القوى آنفة الذكر، لكن بدون أن تتطور إلى تبادل التمثيل السياسي الذي لم يكن معتمداً في ذلك الوقت من القرون الوسطى، وكان الوضع مقتصراً على نشاط السفراء الذين تنتهي مهمتهم بانتهاء رسالتهم.

لم تقف الدولتان الأموية والبيزنطية موقف المتفرج إزاء هذه الاتصالات السياسية بين العباسيين والفرنجة، فعمدت كل منهما إلى انتهاز الفرص المواتية لخلق نوع من التفاهم والتحالف بينهما، وحدث في عام 223هـ/ 838م أن تعرض الامبراطور البيزنطي “تيوفل” Teofil  لضغط عسكري من جانب الخليفة العباسي المعتصم الذي غزا عمورية في عمق آسيا الصغرى، وظل يخشى انتقامه، بالإضافة إلى ما جرى من توغل الأغالبة في جزيرة صقلية، وما أنزله المسلمون الأندلسيون الربضيون في جزيرة كريت بالامبراطورية من هزائم عند سواحل آسيا الصغرى حيث اقترب خطرهم من العاصمة القسطنطينية…فقرر أن يلتمس المساعدة من الخارج، فأرسل في عام 225هـ/840م سفارة إلى العاصمة الأندلسية برئاسة قرطيوس، وهو من أصل يوناني يجيد اللغة العربية، وحمله هدايا إلى الأمير الأموي ورسالة تتضمن البنود التالية:

– طلب منه عقد معاهدة صداقة وتحالف؛

– حرضه على استعادة ميراث أجداده في المشرق الذي اغتصبه العباسيون؛

– تمنى عليه انتزاع جزيرة كريت من الأندلسيين الربضيين وإعادتها إلى بيزنطة؛

– ألقى باللوم على عدوانية العباسيين واتباعهم الأغالبة الذين هم أعداء طبيعيون لكل من البيزنطيين والأمويين.

استقبل عبد الرحمن الثاني السفارة البيزنطية بحفاوة بالغة وأثنى على الهدايا التي بعث بها تيوفيل، كما عبر عن شعوره بالفخر حيث ينظر إليه على أنه عاهل قوي ويحظى بالاحترام، ويراعى جانبه في اتخاذ القرارات الحاسمة، ثم رد على رسالته برسالة حملها السفير يحيى الغزال، عبر فيها عن :

– حنقه على العباسيين، وتمنى أن تهيئ العناية الإلهية للأسرة الأموية في الأندلس الانتقام لنفسها منهم؛

– حرصه على التعاون، وأنه سوف يرسل إليه أسطولاً حين تهدأ الأمور في بلاده، ولكن بدون أن يرتبط معه في محالفة عسكرية؛

– عدم استطاعته طرد الأندلسيين الربضيين من جزيرة كريت لأنه لا ولاية له عليهم؛

وتجنب الرد على طلبه فيما يتعلق بالأغالبة، لأنه من الصعب عليه أن يستنكر علانية قيام مناوئيه بحملات موجهة ضد غير المسلمين لإعلاء كلمة الدين.

والحقيقة أن هذه المهام السياسية غير المسبوقة في تاريخ المسلمين في الأندلس، كانت البداية لتقليد بدأ بين قرطبة والقسطنطينية بحيث سوف يتكرر خلال المراحل اللاحقة.

نقلاً عن ” تاريخ المسلمين في الأندلس (بتصرف)

محمد سهيل طقوس

دار النفائس، بيروت، 2008