في سنة 940م، توصل الخليفة عبد الرحمان الثالث بنسخة نادرة من كتاب في الطب عنوانه «De Materia Medica » للطبيب اليوناني “ديوسكورديس”، عن طريق مبعوثي البلاط البيزنطي بالقسطنطينية. وقد قام حسداي ابن شبروت، الطبيب اليهودي للخليفة (910-975 م)، بترجمة هذا الكتاب إلى العربية بتعاون مع الراهب المسيحي نيكولاس. و ابتهاجا بمبادرة حسداي، عهد الخليفة عبدالرحمان لطبيب قصره هذا بمنصب رفيع في البلاط.

ومنذ القرن العاشر الميلادي لم يعد التحدي الذي يواجه الأطباء في الأندلس هو الترجمة، ذلك أن مجموع كتابات جالينوس وأبقراط ترجمت إلى العربية، بل وأصبحت العربية لغة كتابة أعمال وأبحاث اليهود والمسلمين والنصارى في مجال الطب

وكان الأطباء يتمتعون بامتيازات كبيرة ببلاط الخليفة، خصوصا إذا كانوا بارعين، ولم يكن الخليفة يهتم بالديانة التي ينتمي إليها هؤلاء، لأن المقياس الوحيد كان هو الخبرة والكفاءة. والحقيقة أن قصور إشبيلية وقرطبة كانت توفر الأرضية الخصبة للإنتاجات العلمية. وقد كتب أبو القاسم الزهراوي، طبيب الحكم الثاني، كتاباً في علم الجراحة عنوانه “التصريف” يحتوي على رسوم توضيحية لأكثر من مائتي أداة لجراحة الجسم وجراحة الأسنان، بينما أصبح ابن زهر، وكان طبيب البلاط كذلك، صيدلانيا بارعا بإشبيلية وكتب ستة مؤلفات.

في هذا الجو ظهر تعاون وثيق بين الأطباء اليهود، والمسيحيين والمسلمين. وقد عمل الخليفة عبد الرحمان الناصر (912-961م) وخلفه الحكم الثاني (961-976م) على رعاية ودعم المعرفة خلال فترة حكميهما، كما كان رسلهما يتجولون في العالم الإسلامي بحثا عن الكتب ويرجعون إلى قرطبة بالنصوص القديمة وأيضا بآخر الاكتشافات الطبية. كما سَهَّلَ التنقلُ والتبادلُ بين الأندلس والمشرق التواصل الثقافي والفكري، وأتاحا للأطباء فرصة تبادل المعلومات وتنمية اتصالاتهم المهنية.

لقد تطور الطب في الأندلس وتفرع وأصبح المجال الصيدلاني، بالخصوص، مجالا صناعيا مزدهراً، كما غدا لزاما على الأطباء أن يدققوا جيدا في نتائج اكتشافاتهم العلمية. ففي خضم مراجعة ونشر المراجع الأساسية للمعرفة الطبية، انشغل العديد منهم بالمحافظة على المعايير الأخلاقية والعلمية للمهنة، وتحولت البيداغوجيا ومناهج تدريس الطب في أوساط الأطباء إلى موضوعات للمناقشة الجادة وطرحت عدة تساؤلات حول الطريقة المثلى لتكوين الأطباء وحول كيفية حماية المجتمع لنفسه من انعدام الكفاءة ومن الغش وغيرهما من مشاكل مراقبة أنشطة الصيدلانيين والعطارين. وبعبارة أخرى فإن الطب والصيدلة في الأندلس وجد نفسهما في القرن العاشر الميلادي في مواجهة التأثيرات المتوقعة والناجمة عن التقدم.

وقد رفعت الصناعة الصيدلانية المزدهرة التحدي لتنظيم معايير ممارستها. خصوصاً وأن العطارين بدؤوا باقتناء كتب الطب من أجل اعتمادها لصناعة الأدوية، مثل كتاب الأدوية المفردة لأبي جعفر أحمد ابن محمد الغافقي (مات عام 1135م)، والترجمة العربية لكتاب “ديوسكورديس” سالف الذكر. وحسب ما تخبرنا به وثيقة تاريخية، كان أحد العطارين اليهود يتوفر على مائتي مجلد، بالإضافة إلى عدد كبير من الكتب التي تعرف بالأدوية المركبة مع وصف دقيق لفعاليتها وكيفية تحضيرها.

وكان المحتسب مطالباً بمراقبة نشاطات العطار الذي يبيع العطور والتوابل والمستحضرات الصيدلانية، والشرابي الذي يعد الجرعات وأنواع أخرى من الشراب، والصيدلاني الذي كان ملزماً بعدم استعمال مواد ضارة بالصحة في تحضير الأدوية، وتنظيف الأدوات الطبية باستمرار، وعدم فتح صيدليته في أمكان مجاوراة للافران والحمامات حتى لا تفسد الأدوية من جراء الحرارة. وكانت زيارات المحتسب لهذه الفئات الثلاث متكررة، تتم ليلاً أو نهاراً وبشكل مباغث.

كاثرين ميلر
جامعة ستانفورد