ذات يوم، من سنة 1364م، تقدم ديبلوماسي شاب أمام بلاط بيدرو ملك قشتالة. كان الشاب الذي يحمل اسم ابن خلدون قد وصل من غرناطة ليلتقي بيدرو في إشببلية، الحاضرة الملكية التي يفضلها الملك على كل الحواضر الأخرى، حيث كان يومئذ يضع اللمسات الأخيرة على قصره الجديد. كان القشتاليون بالفعل قد استقوا من الكلمة العربية القديمة » قصر «  تسميتهم لإقاماتهم الملكية الجديدة Alcazar. وكانت نقوش الجبس التي تغطي كل سنتمتر تقريبا من الجدران الداخلية للقصر لا تزال ندية. جال مبعوث غرناطة المسلم الغرف التي ذكرته  كل جزئية فيها بالقصور المشيدة منذ زمن قريب في الحاضرة الإسلامية التي وصل للتو منها. كان بيدرو، وهو أحد أبناء ألفونسو الحادي عشر، وريثَ جده الثالث ألفونسو العاشر، الملقب بالحكيم، والمتوفى في هذه المدينة نفسها، يمكنه شرعيا أن يتباهى في معرض الأبهة والذوق والرقة التي تجسدها هذه المعْلمة الإشبيلية على النمط الهندسي الإسباني الجديد. ولم يكن ليفوت ابن خلدون ملاحظة أن بلاطات بيدرو الجديدة بأقواسها المتعددة الفصوص، وبرهافة الدانتيلا، وبأرابيسكاتها ذات البياض الناصع مزينة كل فضاء فارغ، كانت تحتفي بذكرى بني نصر الذين كان هو ممثلهم. في هذه البرية المشمسة، بجانب الجامع الموحدي الهائل والقديم في إشبيلية، الجامع الذي أعيد اعتماده قبل أكثر من قرن ليصبح كاتدرائية العاصمة المسيحية، كان يسود ميل فخور إلى القصور ـ الحصون التي كانت تشرف من قمة الجبل الصخري في الماضي على غرناطة، آخر معقل للدولة الإسلامية في شبه الجزيرة الأيبيرية-.لم يكن ابن خلدون أندلسياً، إلا أنه كان من نسب أندلسي قديم جدا… كان من عائلة ميسورة وذات شأن، فرت من منطقة إشبيلية خلال السنوات الهائجة لنهاية الحكم الموحدي، واستقرت في تونس. كان ابن خلدون شخصية صاعدة، وزار غرناطة عندما بعث سفيرا إلى إشبيلية. ويمكن أن نتخيل أثر هذه السفريات على الشاب المؤرخ المرتقب الذي كان يعرف الأندلس من مقروءاته ومن المرويات العائلية. وصل إلى أرض أسلافه بعد قرن من استكمال الدول المسيحية، بزعامة القشتاليين، انتصارها على الموحدين وعلى كل حواضر الأندلس القديمة، باستثناء غرناطة، المدينة الهادئة المحصنة حيث كان ابن الأحمر، المتحالف مع فرناندو الثالث بعد أن ساعده على أخد قرطبة من الموحدين، ملكا منَصَّباً. ولعل ابن خلدون لم يكن يتوقع ما شهده في إشبيلية، مما لم تكن له أي صلة بما وُصف له حين كان يعيش في تونس…

لقد ألهمت أنقاض الإمبراطوريات الكبيرة دائما أصحاب الرؤى  -من أمثال ابن خلدون-، ووضعت البشر أمام السؤال عن ماهية التاريخ. ويستعيد “إدوارد جيبون” لحظة إشراقته الخاصة بهذه العبارات الشاعرية: » كان ذلك في روما يوم 15 أكتوبر من سنة 1764. كنت جالسا بين أنقاض الكابيتول مستغرقا في تأملاتي، وكان الرهبان حفاةً ينشدون صلاة الستار عصراً في هيكل جوبتير؛ لحظتها جائتني لأول مرة فكرة كتابي عن سقوط هذه المدينة « . ما الذي حدث في دهن ووجدان ذلك المؤرخ الآخر الذي كانت عائلته قد أنِسَتْ بالأندلس زمن ارتقائها؟ ما الذي تبيّنه في أطلال الأندلس، في ذلك المنتصف من القرن الرابع عشر، حيث كان الرهبان ينشدون صلوات الستار في الجوامع؛ وحيث كانت للأنقاض فصاحة المشَاهد المحيطة بجيبون لتذكره بـ »بيرانيز «  وتلهمه كتابه “انحطاط وسقوط الإمبراطورية الرومانية”.

على عكس جيبون، لم يخلف ابن خلدون أي محكي عن لحظة إشراقته، ولكننا لا نرتاب في أن الفيلسوف المؤرخ الأكثر تأثيراً في العربية سيطور حساسيته الرائعة إزاء الوقائع التاريخية على إثر زيارته للأندلس القديمة، بين 1364م و1365م. إن الرجل الذي سيوظف كل ملكاته لتحليل مهمة المؤرخ المتمثلة، بدل الاقتصار على وصف الأحداث، في فهم التكوين التاريخي والسياسي، رأى حوله يومئذ المشهد المعقد والتراجيدي للحروب المتصلة، المنتهية والوليدة. وعلى عكس روما في تحفة “جيبون”، لم تكن الأندلس التي شهدها ابن خلدون مذرورة بالمعابد المهجورة والآهلة، وبالرهبان الحفاة، ولكن أيضا بمعابد حديثة البناء تمجيدا لذكرى الحضارة القديمة المندحرة، وبمواقع غريبة، مثل القصور. فيما سيفكر إذن هذا الرجل المنشغل سابقا بمشكل الأدوار التاريخية؟ وما هي الملاحظات التي سيستقيها ابن خلدون الشاب من زيارته لوطنه المشهور في سالف الأيام، والمهجور اليوم؟ وما الذي خلّفه فيه مشهد غرناطة ذاك، ثم إشبيلية في منتصف القرن الرابع عشر؟

وجد ابن خلدون ملاذاً في غرناطة بعد أن ارتكب بعض الهفوات السياسية في موطنه بفاس، وأصبح غير مرغوب فيه. وفي غرناطة سيفشل بسبب سياسة بني نصر الدقيقة والخطيرة معا، إذ كان محمد الخامس الشاب، عاهل غرناطة، قد التقى المثقف المندفع، بضع سنوات من قبل ، في فاس، حين خلعه أخوه غير الشقيق عن عرشه، ونفاه عقب ذلك مباشرة إلى إفريقيا الشمالية. ومن بين الذين سيلتحقون بمحمد كان يوجد الوزير لسان الدين بن الخطيب، الذي كان يومئذ مثقفاً دائع الصيت في العالم المتحدث بالعربية. سيلتقي ابن الخطيب بابن خلدون الشاب، وتأخذه به شفقة وعطف. ألغى بيدرو الطاغية قرار النفي، وسُمح للغرناطيين بالعودة إلى ديارهم. هكذا تحالف الأميران، المسلم والمسيحي، أسوة بما فعل أسلافهما فرناندو وابن الأحمر، والتزما بالدفاع المشترك عن بعضهما البعض، حتى أن بيدرو نهض لنجدة محمد في هذا الظرف الحرج.

ولدى عودتهما إلى غرناطة سيتذكر محمد ووزيره ابن الخطيب، الشاب ابن خلدون، وسيمنحانه ملاذا بعد ذلك بسنوات، حين فر من الفوضى السياسية التي عمت فاس. وقد وجد ابن خلدون في ذلك الملاذ بغيته. صار العرش من جديد إلى العاهل الشرعي، بعد أن أنهى بيدرو أمر صهره الثائر، وأعطى ابن الخطيب، بفكره الكوني، لحياة البلاط الثقافية حيوية كبيرة. وقد لقي ابن خلدون حيثما حل نجاحاً باهراً، وبدا أنه يستعد للاستقرار نهائيا في موطن أسلافه القديم الأندلس. وفي سنة 1364م، سيبعث محمد الخامس بابن خلدون في زيارة لدى حليفه القديم بيدرو ملك قشتالة…

نال بن خلدون أيضا حظوة كبيرة في إشبيلية، وأحسن التكيف مع دقائق » الواقعية السياسية « ، وأحسن تجسيد التقارب الثقافي حتى أن بيدرو دعاه إلى الإقامة. ومنحه العاهل المسيحي إمكانية ترميم الأملاك القديمة لعائلته في ضواحي إشبيلية إن هو موافق أن يضع مواهبه كمستشار وديبلوماسي وفيلسوف في خدمة بلاط مملكته، ويصير وزيرا له. لكنه رد هذا العرض والتحق بمحمد الخامس في غرناطة. كان بن خلدون يرغب في الاضطلاع بكل تلك المهام، ولكن لحساب أمير بني نصر الشاب الذي لا يزال مطواعاً، وليس لحساب ملك قشتالة. لكن منصب الوزارة كان بحوزة ابن الخطيب، مستشار ومؤدب ومرشد أمير بني نصر منذ سنوات خلت، وسيظل اسمه بذلك منقوشا في تاريخ الآداب العربية كرجل موقر، وكاتب غزير الإنتاج، وملهم لأحد المصادر الرئيسة لتاريخ إسبانيا الإسلامية. ومع ذلك سيلعب ابن خلدون دوراً فعالا داخل البلاط، وظلت أمنية تقلّد الوزارة تؤرقه. ومع أن الوزير القوي كان هو من اقترح استقبال الشاب الطموح في غرناطة، فإن الأمور ستأخذ مجرى آخر بعد عودة ابن خلدون من إشبيلية.

وفي النهاية دُفع ابن خلدون إلى مغادرة غرناطة، والتخلي عن التطلعات التي طورها هناك، فرجع إلى إفريقيا الشمالية. ويمكن التساؤل إن كان طيلة السنوات العشر التالية قد استشعر يوما الندم على قراره، وما الذي كان سيحدث لو أنه أصبح مستشارا لدى عاهل قشتالة. وسنوات بعد ذلك في 1369، وعقب حملة كارثية سيتم اغتيال بيدرو على يد هنريكي أخيه غير الشقيق وغير الشرعي. وتمضي بضع سنوات أخرى، وفي سنة 1375 يتم نفي منافس ابن خلدون على منصب مستشار ملك بني نصر، ابن الخطيب، إلى إفريقيا الشمالية، حيث راح ضحية المؤامرات السياسية في بلاط بني نصر، وضحية الاستبداد المتنامي لمحمد الخامس. ولم يكن المغرب أرض حفاوة بالنسبة للأديب الأندلسي جليل القدر؛ فقد تم اتهامه بطريقة تراجيدية بالزندقة جزاء تسامحه إزاء الصوفية وعشقه للفلسفة. وسيموت في السجن مقتولاً فيما كان ينتظر قرار محاكمته.

لا شك أن بن خلدون استشعر أسفاً، وأنه بعد أن أصيب باليأس بسبب الدورة الجهنمية للعنف السياسي الذي أضطرم في إفريقيا الشمالية، حاول أن يلتحق بأرض أسلافه، حيث عرف الحظوة سنوات من قبل. ولكن الأوان كان قد فات. ففي أثناء ذلك توفي بيدرو، وتحولت إسبانيا المسيحية إلى أيدي ملك من طينة أخرى. ولم يعد محمد الخامس، ذلك الملك الشاب اللين الجانب الذي خبره من قبل، وإنما طاغية في سن الأربعين، صادق من قبل ـ وهو الأفدح ـ على اغتيال مؤدبه ومستشاره القديم. وسيرفض استقبال ابن خلدون في غرناطة، وكانت تلك آخر مرة عبر فيها المؤرخ المضيق، فغادر المغرب نهائيا ليستقر في المشرق حيث ألف كتابه الكبير “المقدمة”.

الأندلس العربية: إسلام الحضارة وثقافة التسامح  – بتصرف-،

ماريا رُوزَا  مينوكال،

ترجمة: عبد المجيد جحفة ومطفى جبّاري،

دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، 2006.