في نهاية القرن العاشر الميلادي، بعث ملك إنجلترا جورج الثاني إلى الخليفة الأموي هشام الثالث، يستأذنه في قبول مجموعه مختارة من الطلاب الإنجليز ليلتحقوا بالمعاهد الإسلامية بقرطبة، وكان في هذا الوفد أميرة من أميرات بيت الملك هي ابنة شقيقه. ومماجاء في الرسالة الملكية: “لقد سمعنا بالرقي العظيم الذي تتمتع به معاهد العلم والصناعات في بلادكم العامرة ، فأردنا لأبنائنا اقتباس نماذج من هذه الفضائل لتكون بداية حسنة في اقتناء أثركم لنشر أنوار العلم في بلادنا التي يسودها الجهل من أربعة أركان”.في المقال التالي، تحصي الباحثة  السعودية إيمان العصيمي، أهم  العناصر التي ساهمت في انتقال الحضارة الاسلامية عامة والأندلسية خاصة إلى أوروبا  خلال القرون الوسطى:

1-المستعربون ” المعاهدون” : وهم نصارى الأسبان الذين عاشوا مع المسلمين في ديارهم ويتكلمون العربية مع الاحتفاظ بدينهم، فقد كان المستعربون يستعملون اللغة العربية في مخاطباتهم ومعاملاتهم  ويتعلمون آدابها وعلومها ويأخذون بأساليب الحياة الإسلامية حتى أنهم صاروا مولعين في قراءة أشعار العرب و قصصهم. و قد تولوا مناصب مهمة في الدولة الإسلامية يمارسون أشغالا علميه وعمليه مختلفة ربما سمحت للبعض منهم أن يصبح من ذوي النفوذ في الدولة الإسلامية ولم تمنعهم نصرانيتهم من ذلك، لذا نرى إنه بحكم معرفتهم للغتين اللاتينية والعربية كانوا أداة اتصال بين شطري إسبانيا، وهم منذ الفتح الإسلامي للبلد لم ينقطعوا من الهجرة إلى الأراضي المسيحية، وكان من شأن هذه الهجرات انتشار الثقافة العربية و الإسلامية بين أهل الشمال المسيحيين.

2-المدجنون : يُطلق على المسلمين الذين بقوا تحت ظل الحكم الاسباني بانتقال مدنهم إلى  النصارى و كان من المدجنين بعض أصحاب الحرف و المثقفين الذين لعبوا دورا بارزاً في نقل العلوم والفلسفة الإسلامية إلى الأسبان في الشمال.

3-الموريسكيون: وهو الاصطلاح الذي استُخدم أول مره لتسمية مسلمي غرناطة بعد سقوطها عام 897ﮬ/1492م ، وقد أدى وجودهم في مناطق النصارى إلى خلق بنيه اقتصاديه و حضارة ماديه و علميه مشتركه بينهم وبين الأسبان ومنهم إلى أوروبا. و لعلنا نذكر من أهم ما خلفه المورسكيون في الأندلس بعد سقوط غرناطة، “العمارة” و”الخط العربي” الذي لم يستطيعوا الإبتعاد عنه لأنه يعبر عن هويتهم الإسلامية التي أخفوها عن المسيحيين.

3-الزواج المختلط بين المسلمين والنصارى :من المعروف أن المسلمين دخلوا إلى الأندلس بشكل جنود لا بشكل أسر، ولهذا كانوا مضطرين للارتباط الأسري بسكان شبه الجزيرة فتزوجوا من سكان البلاد وارتبطوا معهم بالمصاهرات. وكان الحكام يشجعون مثل هذا النوع من المصاهرات بل إن بعضهم تزوج من نساء اسبانيات و من أمثلة هذه الزواج كثيرة، غير أن ما يهمنا هو نتاج هذه المصاهرات وتأثيرها على العلاقات  التي قامت بين سكان الأندلس من مسلمين ونصارى و جيرانهم الأسبان مما كان له الأثر البارز في احتكاك الشعبين واختلاطهم وانتقال مظاهر الحضارة فيما بينهم.

4-جزائر البليار : و هي من جزائر البحر المتوسط و تعرف بإسم الجزائر الشرقية لوقوعها شرق الأندلس و أهم جزرها ميورقه و منورقه ويابسه، ولما كانت هذه الجزر تقع بالقرب من الساحل الشرقي للأندلس فقد ارتبط تاريخها بشبه الجزيرة الأيبيرية على مر العصور خاصة بعد دخولها تحت الحكم الإسلامي عام 290ھ/903م. و قد لعبت دوراً كبيراً في حماية شواطئ الأندلس الشرقية ، ولذلك فإن مظاهر الحضارة الإسلامية التي كانت تمتع بها الأندلس في كافة المجالات شهدته هذه الجزائر كونهما وجهان لعملة واحده ، ولاشك في أنها تركت بصماتها في الحضارة الأوروبية بعد سقوطها .

5- التبادل التجاري: لعب التجار دورا ملحوظاً في النقل الحضاري و كانت التجارة تتم في غالب الأحوال في أوقات السلم والصلح التي تسود بين الطرفين ، وعلى الرغم من الموقف الفقهي الذي لايجيز المتاجره ببعض السلع لأهل الحرب كالسلاح وغيره ، إلا أن المسلمين كانوا مضطرين لذلك، لغرض الحصول على سلع أخرى ضروريه ، وتتطلب هذه الحاله بضرورة وجود زخم تجاري بين الجانبين الأمر الذي ساعد على انتقال المؤثرات الحضاريه بواسطة هؤلاء التجار الذين لعبوا دور الوسيط بين الحضارتين الإسلامية والنصرانية.

6- الترجمة: كان مسار الترجمة في الأندلس مختلفاَ عن غيرها خاصة من القرن 4ﮬ/10م ومروراً بالقرن 5ﮬ/11م، ثم الوقوف عند النشاط الكبير الذي شهدته حركة الترجمة خلال القرنين 6 و 7 هـ / 12 و13م، والدور الكبير الذي قامت به مدينة طليطلة في هذا المجال كونها أقرب المراكز الحضارية للأوربيين، و كان لها دور في تعريف واطلاع الغرب على تراث المسلمين ومعارفهم، والجهود العظيمة التي بذلها “ألفونسو العاشر الحكيم” و جماعته لنقل التراث العلمي إلى اللغتين القشتالية  -الإسبانية القديمة- واللاتينية، ومن هذه الجهود ما قام به “جيرارد الكريموني” في الترجمة؛ إذ قام ترجم أكثر من مائة كتاب من الكتب الإسلامية إلى اللاتينية. وكان للأسقف “رايموند” دور بارز في ترجمة الكتب العربية إلى اللاتينية، بحيث كان يتولى رئاسة طائفة من المترجمين عُرفت بمدرسة المترجمين الطليطيين. وقد ساعده على تحقيق أهدافه في الترجمة من العربية إلى اللاتينية وجود جماعة من اليهود تعرف العربية، والمستعربين من النصارى إضافة إلى توفر مكتبة عربية في طليطلة.

7-   العلاقات الدبلوماسية (السفارات والهدايا):  كانت الأندلس محط أنظار الأوربيين باعتبارها مصدراً للحضارة بعد أن كانت متلقية لها من أثينا و روما، فغدت بفضل الحضارة الإسلامية مقصداً لطلاب العلم من أوروبا، لهذا السبب توافدت على جامعاتها البعثات الأوروبية لتلقي العلم والفنون والصناعات و كل ما له صله بنظام الحكم والدولة وآداب السلوك و لعلنا نذكر من أمثلة هذه البعثات بعثة ملك بلغاريا إلى هشام الثاني لدراسة نظم الحكم ومنهاج التعليم و أساليب الإدارة، وبعثة جورج الثاني ملك انجلترا إلى الخليفة الأموي هشام الثالث التي سلف ذكرها في مقدمة هذا  المقال. وقد فتحت هذه البعثات للكثيرين من الغرب لينهلوا من المعاهد الإسلامية فتوافدوا على قرطبة و أشبيلية والبعض منهم طاب لهم المقام فيها فاستقر في بلاد الأندلس.

8-  التسامح الديني: تعتبر بلاد الأندلس الطريق الرئيسي الذي انتقلت منه العلوم العربية والإسلامية إلى أوروبا لا بالوسائل السابقة التي ذكرناها فحسب، بل و نضيف إليها وسيلة أخيرة وهي حرية الرأي التي كفلها الإسلام لأصحاب الديانات الأخرى، و التعايش مع المسلمين؛ و قد يسر للحضارة الإسلامية الانتقال بكل سهوله إلى أوروبا ، فمن مميزات الإسلام بصفةٍ عامة التسامح الديني مع من خالفه في الدين، وهذا ماتميزت به أيضاً الأندلس الإسلامية الذي تعددت طوائفها و مشاهدها الفكرية منذ بداية الفتح الإسلامي ، وهو ما أتاح فرص الاندماج الحضاري من خلال سياسة التسامح و العدل التي انتهجها الولاة والأمراء و الخلفاء والملوك المسلمون. حيث تمكّنت كل طائفةٍ في الأندلس من أن تنهج نهجها في التعليم الأساسي و العلوم التي تصدر عن كتبها الدينية أو عاداتها و أعرافها أو ما يمت بصلة إلى تواريخها و ما تختص به.

  1. جبال البرانس: ساعدت هذه الجبال التي تفصل إسبانيا عن بقية اوروبا، على انتقال الحضارة الإسلامية؛ حيث سمح عبور المسلمين لها، باستقرارهم في أوروبا الغربية واتصالهم المباشر مع سكانها، وتأثيرهم فيهم.

الأستاذة إيمان العصيمي،

باحثة متخصص في التاريخ والحضارة الأندلسية،

جامعة أم القرى، مكة المكرمة.