يجمع أغلبية الباحثين على اعتبار القرن السادس الهجري أزهى فترات تطور العلوم في المغرب والأندلس، بما فيها العلوم الطبية.  و خلال هده المرحلة عدد ابن البيطار مصادر مفرداته فتجاوز عدد الأطباء الذين ذكرهم المائة و السبعين طبيبا، ليس بينهم إلا طبيبة واحدة . ونعلم بـان عائلة ابن زهر، هي إحدى العائلات المخضرمة التي ظهرت مند القرن الخامس الهجري، و التي خدمت الدولتين المرابطية و الموحدية، ولم تميز هذه العائلة بين ذكورها وإناثها، وتتلمذ أفراد هذه العائلة  إناثا وذكورا على يد الطبيب المشهور ابن زهر، الذي استفاد أيضا من تجاربه ثلة من الأطباء الآخرين. فلا يمكن فصل الطب خلال ثلاثة قرون عن هذه العائلة بذكورها وإناثها، كمـا لا يمكن فصل المغرب عن الأندلس.كان ابن زهر طبيب المعتمد بن عباد بأشبيلية ، وأضحى طبيبا خاصا ليوسف بن تاشفين عندما جاء مع  عائلته إلى المغرب  قادما من الأندلس بعد فتح المرابطين لها. ولا عجب أن تنقطع بنات ابن زهر وحفيداته لخدمة البيت المالك . فالمنصور أبو يوسف يعقوب بن يوسف بن عبد المومن الموحدي لم يكن يقبل لمداواة نسائه وأطفاله وإيمائه إلا أم العلاء بنت أبي مروان عبد الملك بن زهر أخت الحفيد التي تعلمت الطب على يد والدها وتميزت في الولادة وأمراض النساء. وربما كانت تستفتي لرجالهم. وعندما توفيت احتلت ابنتها مكانتها في القصر المالك. لقد كانت كوالدتها ماهرة في التوليد . وتعلمت الطب على يد  والدتها. وكان المنصور الموحدي لا يقبل أحدا إلا هي وأمها.  فهذه العائلة  هي مثال لعائلات أخرى ورثت المهنة لأفرادها كما جرى الأمر بمختلف ربوع البحر المتوسط   منذ عصور ما قبل الإسلام.                 يقال إنه لكل قاعدة استثناء،لأنه إذا كانت معظم النساء الطبيبات، ومنهن بنات ابن زهر، استفدن من أسرهم في تعلم الطب ، ومكنتهن مهارتهن من جهة ووسطهن الاجتماعي من جهة من الشهرة والنبوغ، فهناك أطباء مشهورون استفادوا من خبرة النساء، نذكر منهم على سبيل المثال غلام الحرة زوجة المنضري حاكم مدينة شفشاون المغربية الذي تعلم الطب على يد قابلة، لم يحفظ  اسمها، كانت عارفة كذلك بالحشائش والأدوية. وقد اعتمد الطبيب  المشهور أبو القاسم الزهراوي هو نفسه على النساء في معالجة مرضاه، إذ كان يقف خلف ستار خفيف ويعطي للقابلات إرشاداته التي تناسب الحالات العسرة. أما الطبيبة عائشة ابنة محمد ابن الجيار، محتسب مدينة سبتة خلال القرن 8هـ،  فقد تلقت الطب على يد صهرها الطبيب المشهورالشريشي الذي عاصر السلطان أبي عنان المريني، واحتل مكانة مميزة عند الخاصة والعامة. لقد كانت عارفة بالعقاقير، وكذلك بالمياه وعلاماتها . فهي نموذج المرأة التي ترسخ فكرة موسوعية الطبيب ونبوغه في معارف متعددة سواء كان ذكرا أم أنثى ، ولطالما أجازها الأمراء بالهدايا والتحف. هذا يعني بأن صيتها فاق مسقط رأسها ليبلغ دار الملك آنذاك الحاضرة فاس، ولما لا باقي حواضر المغرب المريني، لأن ملوك بني مرين، وخصوصا منهم أبا الحسن وأبا عنان كانا يتنافسان في العمران ودعم العلوم وأهلها، فانتشرت  في عهديهما البيمارستانات بكل ربوع مملكتهما، وازدهرت العلوم، ومنها العلوم الطبية. عمرت الطبيبة عائشة طويلا، إذ توفيت عن عمر ناهز السبعين سنة. ولا ريب، أنها استفادت من بيئتها، وأفادت معاصريها ذكورا وإناثا. فنقل العلوم من فرد إلى آخر ومن أمة إلى أخرى لا يتم إلا إذا كان هناك تقارب بين الأفراد والشعوب في مستوى الثقافة ونوعها.

بالفعل، كانت لأطباء سبتة دكاكينهم على غرار أطباء باقي حواضر المغرب، بل أطباء الحوض المتوسط. وهم بذلك حافظوا على إرث قديم ممثل في توفر جهابذة الطب منذ العصور السابقة للإسلام على دكاكين يستقبلون فيها مرضاهم ويعرضون فيها مفرداتهم الطبية. فضلا عن ذلك، كان أطباء سبتة ملمين بكتب الطب القديم، ككتب الأطباء الإغريق أبقراط وديسقوريدوس وجالينوس. استفادوا أيضا من كتب الأطباء المسلمين المتأخرين، ومنهم الرازي وابن سينا وابن طفيل  والزهراوي وغيرهم كثير.

كانت الخزانة الموجودة شرقي صحن الجامع العتيق بسبتة توفر هذا النوع من الكتب لقرائها. ولعل الأمر كان كذلك بالنسبة لباقي حواضر المغرب، ومنها بغداد المغرب فاس وحاضرة دار الحكمة مراكش. فمنذ العصر المرابطي  شكلت كتب جالينوس مرتكز الدراسات الطبية، وكان مؤلف الطبيب علي بن العباس المجوسي  “الملكي” أو ” كامل الصناعة” هو أول مؤلف يبدأ التلاميذ في معرفته، في حين لم يعتمد الطبيب  الوالد أبو العلاء ابن زهر،  المعاصر ليوسف بن تاشفين المرابطي، على كتاب القانون لابن سينا الذي كان أحد التجار قد استقدم نسخة منه منذ هذه المرحلة. ونرى بأن هذا المصدر أضحى معتمدا خلال عصر الطبيبة عائشة سالفة الذكر من لدن الأطباء المعاصرين لها، و كانت  هي نفسها عارفة بالعقاقير، فلا شك أنها استفادت من ذخائر الكتب الطبية، وعلى رأسها  كتب المفردات الطبية التي كانت تجارتها رائجة، إلا أننا لا نجد أدنى إشارة حول استمرار تداول أطباء المرحلة لمؤلف أبي حنيفة الدينوري الخاص بالنبات، إذ شكل أهم الكتب التي أتقنها أبو محمد عبد الله بن الحفيد أبي بكر بن زهر خلال القرن السادس الهجري (توفي 602 هـ)، كما لا نعرف مدى استفادت الطبيبة السبتاوية من كتب ابن البيطار وعلى رأسها كتاب الجامع لمفردات الأدوية والأغذية.  ولا شك أن كتب علماء النبات وسائر الأطباء كان رائجاً  عهد الطبيبة عائشة وبعد ذلك بالحواضر الكبرى المغربية، ومنها سبتة.

البضاويــة  بلكامل،

جامعة محمـد الخامـس– أكـدال،

كلية الآداب والعلوم الإنسانية، الربـاط