بعد أحداث 11 سبتمبر بقليل زار مركز دراسات الأندلس وحوار الحضارات فريق من إحدى القنوات التلفزيونية الأمريكية، وطلب منا تسهيل الاتصال مع عائلات مغربية من أصول موريسكية طردت من الأندلس، لازالت تحتفظ بمفاتيح بيوتها هناك، وقد بينا لهم أن تلك حكايات موجودة في الذاكرة الجماعية لبعض المدن المغربية، لكن المفاتيح حتى لو وجدت، فلا شيء يؤكد أنها بالفعل لتك المنازل التي كان أصحابها يحلمون بالعودة إليها يوماً ما. فردوا علينا أنهم يعون ذلك، لكنهم يريدون رؤية تلك المفاتيح والتحدث لأهلها، لسبب بسيط هو تبرير ما حصلوا عليه من تمويل للفيلم الوثائقي الذي جاءوا لإنجازه.إن قضية الأندلس في المخيال العربي، وكما هو الحال في المخيال الإسباني، تعبر عن أحاسيس متضاربة، فالأندلس تعني الاحساس بالانتماء إلى حضارة عريقة عند المواطن العربي بشكل عام، لكن في نفس الوقت تعني نوعاً من نهاية التاريخ عند العرب، بحيث تجعلهم  يحسون أن حضارتهم لا يمكن أن تتجاوز ما وصلت إليه في الأندلس، وهذا يحول الحضارة العربية في الوقت الراهن إلى حضارة شبه ميتة. هذا الإحساس المتضارب يجعل قضية الأندلس منتهية في الزمن لكنها حية في الذاكرة، وقد لفت انتباه المستعرب الإسباني “بيدرو مارتينث مونتافث” أحد أهم العارفين بالمخيال العربي، كيف تثير القضية تناقضاً للمشاعر لدى العرب، وكيف يمارس مصطلح الأندلس سحراً عليهم، وكان أكثر ما يثير انتباهه وهو يمر بشوارع المدن العربية، أن يجد يافطات باسم الأندلس معلقة على أماكن لا يربط بينها رابط، فهو يطلق على مسجد كما يطلق على كاباريه أو على فرقة موسيقية، وهو يطلق على دار بيع الكتب، كما يطلق على مطعم أوعلى دكان ميكانيكي[1].

لقد ساهم في بلورة هذا الإحساس إلى حد بعيد الطريقة الرومانسية التي ندرس بها تاريخ الأندلس في تعليمنا الابتدائي والثانوي بل والجامعي، وسأعطي مثالاً من تجربتي الشخصية، حيث أتولى تدريس تاريخ وحضارة الأندلس بكلية الآداب بالرباط، شعبة الإسبانية دون انقطاع منذ سنة 1990.  فقد  جرت العادة في الحصة الأولى أن أطلب من الطلبة أن يكتبوا في ثلاثة أو أربعة أسطر، وفي مدة لا تتجاوز عشر دقائق، ما يعرفونه عن الأندلس. وعدت إلى أوراق بعض السنوات التي احتفظت بها، وقارنتها ببعضها البعض، فتبين لي بشكل عام، تكرار المعلومات التي تتضمنها، وهو ما يعني أن الرصيد المعرفي الذي يمتلكه الطلبة عن المادة متشابه.

وكنموذج للتحليل توقفت عند أوراق إحدى السنوات، وهي في مجموعها ثماني وثلاثين ورقة، لفت انتباهي تكرار بعض الأفكار أو المصطلحات في بعضها؛ فقد تكررت  كلمة حضارة الأندلس في ثلاثة أوراق، وكلمة طارق بن زياد في ورقتين، وكلمة عبدالرحمن (دون أي تعريف آخر) مرتين كذلك، وكلمات عبدالرحمن الثالث، وابن رشد، وعبارة الفردوس المفقود مرة واحدة، كما عثرت في نفس الأوراق على جمل لفتت انتباهي من قبيل: “الأندلس حضارة عظيمة”، و”عبدالرحمن أعظم ملوك الأندلس”، و”طارق بن زياد أحرق السفن واحتل الأندلس”، و”المغاربة هاجروا إلى الأندلس لأنه بلد غني”. كما لفت انتباهي وجود ورقة مختلفة عن البقية فيما تتضمنه من معلومات، حيث نقرأ فيها أن أفكار ابن رشد انتشرت في أوروبا، وأنه عانى في الأندلس من نقمة الفقهاء الذين تآمروا ضده، وكانوا وراء إحراق كتبه، ووراء غضب الخليفة عليه. وهذه المعلومات على بساطتها، تبين معرفة غير معهودة عند طلبة المستوى الذي نتحدث عنه، خصوصاً وأنها تهم تاريخ الفكر الأندلسي وليس التاريخ السياسي. وأذكر أنني استفسرت الطالب عن مصدر معلوماته، وهي بشكل عام صحيحة، فرد بأنه فيلم سينمائي مصري.

يسمح لنا إذا تحليل الأوراق سواء على مستوى المضمون أو الأفكار، بالتعرف على مستوى الطلبة في المادة، وكذا بالتعرف على المصادر التي استعملوها؛ فجمل من قبيل “الأندلس حضارة عظيمة” و”عبدالرحمن أعظم ملوك الأندلس” ، تدل على أن المعلومات التي لدى الطلبة عامة وغامضة ومصدرها السينما والتلفزيون، أو في أحسن الحالات النصوص الأدبية التي درسوها في التعليم الثانوي، وليس المصادر التاريخية، كما أنها معلومات فيها إسقاط الحاضر على الماضي، مثل جملة “المغاربة هاجروا إلى الأندلس لأنه بلد غني”.

إن الطريقة التي تتلقى بها الأجيال العربية مبادئها عن تاريخ الأندلس، في التعليم الإبتدائي والثانوي، لا تخلو من رومانسية كما قلنا، فكل شيء رائع وحالم ومثالي، مع أنه لم يكن كذلك، فالتسامح كان موجوداً لكن التعصب والاقصاء كذلك. إن معلوماتنا الأولية عن الأندلس الأموية والموحدية تجعلنا نحس بالافتخار والاعتزاز بهاتين السلالتين، والطريقة التي قدمت لنا بها كتبنا المدرسية تاريخ ملوك الطوائف، وعلى رأسهم أولئك المنتمون لأسر بني عباد وبني زيري وبني الأحمر تجعلنا نحس بنوع من الأسى قد يصل إلى حد معاتبة التاريخ على “قسوته”. وكل هذا كان وراء تبلور أسطورة الفردوس المفقود في المخيال العربي، وهي أسطورة يتزامن ظهورها مع مرحلة فرض الاستعمار الأروبي في البلاد الإسلامية، لذا كانت في الكثير من الحالات، ردة فعل على هذا الاستعمار، وعنصراً لتحريك الحماس القومي الوطني في مواجهته، حيث أصبح تمجيد حضارة الأندلس وسيلة لرفع الهمم. وهكذا  ألف رائد القومية المصرية المعاصرة مصطفى كامل مسرحية طارق بن زياد سنة 1908 لإذكاء الحماس في مواجهة الاستعمار الإنجليزي، وتبنى قادة القومية العربية، وعلى رأسهم الأمير  شكيب أرسلان نفس المفهوم في ثلاثينات القرن العشرين، من خلال تنسيقهم مع قادة القومية الأندلسية المعاصرة مثل “أبيل جودرا” و”بلاس انفانتي”، اللذين اعتمدا مبدأ الثقافة والتراث الأندلسيين كأساس للقومية الأندلسية المعاصرة، وطالب إنفانتي، بعد اعتناقه الإسلام،  بتحويل الحماية الإسبانية بالمغرب إلى وحدة بين البلدين. كما أدرج جورجي زيدان وهو القومي العربي المسيحي، روايتي فتح الأندلس وخصوصاً رواية عبدالرحمن الناصر ضمن سلسلة دار الهلال عن روايات تاريخ الإسلام. واختار أمير الشعراء أحمد شوقي أرض إسبانيا منفى له، بعدما أجبره الإنجليز على مغادرة مصر. وفي وصفه لغرناطة وآثار الأندلس، إذكاء وحماس ضد الاستعار، وتعلق بالحرية وتمجيد لحضارة العرب. وهو هنا يتقاطع مع محمد إقبال زعيم التحرير وواضع أسس دولة باكستان المستقلة الذي زار الأندلس في نفس الفترة (العقد الثاني من القرن العشرين)، وقد ترك كلاهما قصائد رائعة عن الأندلس وحضارتها. ويحكي الدكتور المختار العبادي، من جهته، وهو أحد رواد الدراسات الأندلسية في العالم العربي، ومن أوائل الذين أخرجوا هذه الدراسات من إطارها التقليدي الرومانسي، أنه لما زار المغرب سنة 1953 وكان طالباً بجامعة مدريد، للتنقيب عن وثائق حول أطروحته التي حضرها عن محمد الخامس من أسرة بني الأحمر، وكان ذلك في نفس أسبوع نفي السلطان محمد الخامس، وجد الأوضاع متوترة، وموجة الغصب والحزن تسود المغاربة، وسياسة القمع الاستعماري في ذروتها، وقد اعتقل واستنطق هو نفسه من طرف الفرنسيين. ولما غادر المغرب نشر مقالاً يتنبأ فيه  بعودة السلطان محمد بن يوسف إلى عرشه، على غرار محمد الخامس الأندلسي، الذي عاد كذلك إلى عرشه بغرناطة بعدما قضى مدة منفياً بالمغرب، وكانت عودته بدعم من المرينيين. وقد تحققت النبوءة، ولما تأسست جامعة محمد الخامس سنة 1957، التحق المختار العبادي بكلية الآداب بالرباط، وشغل منصب نائب العميد وأستاذ تاريخ الأندلس بالكلية، وهو الذي ألقى كلمة الجامعة أمام محمد الخامس، يوم افتتاحها.

وقد رافقت الأندلس الذاكرة العربية إلى ما وراء المحيط الأطلسي، فالآثار الأندلسية الموجودة في أمريكا اللاتينية ألهمت أدباء وشعراء المهجر، وأطلق من استقر منهم في البرازيل على رابطتهم اسم “العصبة الأندلسية، وكان حلم الأندلس مصدر إلهامهم، كما هو حال فوزي معلوف  الذي اختطفه الموت في ريعان الشباب، وكان غاية حلمه وهو في أيامه الأخيرة أن يتمكن من غرس وردة بحديقة قصر الحمراء بغرناطة، كما روى لصديقة الشاعر الإسباني “فرانسيسكو فييا سبيسا” الذي كتب مايلي عن ذلك الحلم الذي حالت الموت دون تحققه: “…ذلك الإعداد وبقلق غريب لكل جزئيات سفره إلى إسبانيا، وخصوصاً إلى أندلس أحلامه، وبالضبط إلى غرناطة، تلك المدينة الرائعة والفريدة من نوعها التي أحبها إلى درجة الجنون… “. ويحكي الأستاذ محمد العربي المساري الذي تعرف على بعض شعراء العصبة الأندلسية عن قرب لما كان سفيراً في البرازيل، وألف كتاباً عنهم، أنه وهو  طالب في غرناطة في خمسينات القرن العشرين، كان لما يزور قصر الحمراء، لا يستطيع نسيان نونية أبي البقاء الرندي، وكان يحس أن ذلك القصر هو جزء من ميراثه الحضاري أخذ منه عنوة.

 

د. عبدالواحد أكمير

جامعة محمد الخامس أكدال

كلية الآداب، الرباط

[1]-  Montavez, Pedro Martinez. Pensando en la Historia de los Arabes. Ed. Cantarabia. Madrid, 1995.p. 547.