عرف التاريخ تطوراً كبيراً في بلاد الأندلس، وكان مرتبطاً في بدايته بالعلوم الدينية حيث اتجه إلى كتابة السيرة النبوية والصحابة والتابعين والعلماء… أما في الأندلس ونتيجة للصراع المستمر القائم بين مسلميها والإسبان والذي عايشه بعض المؤرخين، فأصبح هؤلاء يمعنون في هذه الأحداث المريرة والبحث عن أسبابها وسوابقها، فلم يعد تاريخهم مجرد سرد للأحداث بل تحول إلى تاريخ اجتماعي وفلسفي يبحث ويحلل ويدرس الأحداث دون أن يفصل بينها. ويلاحظ أن ابن خلدون يحبذ هذا النوع من الكتابة التاريخية إذ يقول: “… إذا اعتمد فيها على مجرد النقل، ولم تحكم أصول العادة وقواعد السياسة وطبيعة العمران، والأحوال في الاجتماع الإنساني، ولا قيس الغائب بالشاهد والحاضر بالذاهب، قربها لم يؤمن فيه من العثور والمنزلة والقدم والحيد عن جادة الصدق، وكثيراً ما وقع المؤرخون المفسرون وأئمة النقل في المغالط في الحكايات والوقائع لاعتمادهم فيها على مجرد النقل غثاً أو سميناً، ولم يعرضوها على أصولها ولا قاسوها بأشباهها… فضلوا عن الحق وتاهوا في بيداء الوهم والغلط”.وفي مقدمة المؤرخين الذين ذاع صيتهم في الأندلس الوزير ابن الخطيب الذي خصص بعض مؤلفاته للتاريخ والجغرافيا الأندلسية والمغربية. وعلى سبيل المثال كتبه: “معيار الاختيار في ذكر المعاهد والديار”، و”اللمحة البدرية”، و”الإحاطة”، و”نفاضة الجراب”، و”رقم الحلل في نظم الدول”. ورغم ما شملته هذه الكتب من أحداث تاريخية مهمة فإنها لم تخلُ من إبراز مظاهر اقتصادية واجتماعية وثقافية. وقد أكد ابن الخطيب في مقدمة كتابه “الإحاطة” أن الدافع الرئيسي وراء كتابة هذا العمل هو حبه لوطنه والاقتداء بما فعله مؤرخون آخرون في فاس وبغداد ودمشق وغيرهم.

ونذكر أيضاً أبا الحسن النباهي المتوفى عام 774 هـ/ 1391 م الذي ألف كتاب: “نزهة البصائر والبصار” ضمنه تاريخاً مهماً للدولة النصرية الغرناطية، وابن عاصم القيسي الغرناطي الأندلسي الذي وضع كتاب “جنة الرضا في التسليم لما قدر الله وقضى” الذي يصف فيه أوضاع مملكة غرناطة في أواخر أيامها.

أما الجغرافيا فقد ارتبط تطورها بامتداد رقعة الدولة الإسلامية. فانكب الجغرافيون المسلمون على الاهتمام بالطرق والاتجاهات ببلاد الأندلس، والتي وجدت في أقصى الغرب، كما ارتبط برحلة علماء أندلسيين إلى المشرق إما بهدف أداء فريضة الحج، وإما بهدف طلب العلم، ما أتاح لهؤلاء فرصة الاغتراف من العلوم المشرقية، وتعرف مشاهير الشخصيات والأخذ عنهم، فوصفوا رحلاتهم هذه، ودونوا ما رأوه وسمعوه وصادفوه. ومن هؤلاء الرحالة في هذه الفترة ابن رشيد السبتي، ولد عام 657 هـ/ 1359 م واتجه إلى المشرق لأداء فريضة الحج وطلب العلم، فالتقى بالوزير ابن الحكيم الرندي في ألمرية وطافا معاً إفريقية ومصر والشام والحجاز. ولما عاد ابن رشيد إلى غرناطة عام 692هـ/ 1292 م ألف في كتاب سماه: “ملء العيبة فيما جمع بطول الغيبة في الوجهتين الكريمتين على مكة وطيبة”. ونذكر من جغرافيي هذا العصر أبا البقاء خالد بن عيسى البلوي، الذي سافر إلى الشمال الإفريقي، واجتاز بلاد المشرق بين عامي 736 هـ/ 1335 م و740 هـ/ 1339 م، ودون رحلته في كتاب سماه: “تاج المفرق في تحلية علماء المشرق”، والمؤرخ الرحالة الغرناطي علي بن موسى بن سعيد المغربي، الذي رحل إلى مصر والشام وبلاد العراق والحجاز، ودوّن مشاهداته في مؤلفات منها: “المغرب في حلى المغرب”.

الحياة الاجتماعية في غرناطة  في عصر دولة بني الأحمر،

أحمد ثاني الدوسري،

المجمع الثقافي أبوظبي ـ الإمارات العربية  2004 .