إن العلاقة بين خصوصية الحضارة الأندلسية والمجتمعات التي ترعرعت فيها من جهة، وبينها وبين بعدها الكوني من جهة أخرى، قد تجلت بجلاء وانتظام على مدى الثمانية قرون التي تشكل تاريخ الأندلس. وتتميز هذه الحضارة المتفردة  في تجلياتها المختلفة والمتكاملة، بكونها استطاعت البقاء طوال عدة قرون وبتوزعها على مختلف مناحي المعرفة، وكذا بالتأثير العميق في فضاء جغرافي واسع وحفاظها على حركيتها ودورها وقدرتها على التكيف والتجدد في سياقات اجتماعية وثقافية شديدة الاختلاف.إن الحضارة الأندلسية، التي تميزت دائما بخصوصيتها وكونيتها، قد تمكنت من إثراء الفكر الإنساني بشكل يمكن اعتبارها معه نموذجاً كفيلاً بالمساهمة في تحقيق تفاهم أفضل بين الشعوب على اختلاف ثقافاتها. وسأحاول في هذه السطور أن أتطرق إلى خصائص الحضارة الأندلسية، وبوجه خاص في فترة ملوك الطوائف (القرن الحادي عشر) حينما ازدهرت رغم الحروب وتجزء الأندلس ككيان سياسي، ورغم الركود الاقتصادي. فقد ازدهرت الحضارة الأندلسية في هذه الحقبة بشكل لم يسبق له مثيل خلال الأوج الذي حققه بنو أمية في القرنين السالفين فبلغت أقصاها من التقدم الثقافي والفكري مع أعلام من قبيل ابن حزم وابن حيان وصاموئيل ابن غابيرول. وفي هذه المرحلة عمد وزير وحاخام يهودي لدى البربر الذين كانوا يحكمون غرناطة إلى نظم الشعر في وصف حملاته العسكرية عندما كان قائدا للجيش الزيري. كما عمل الأندلسيون المسيحيون، المستعربون، على رسم أيقونات للمسيح يرتدي ثياب الخلفاء. وابتدع المسلمون ثقافة متكاملة سواء في أصغر البلدات مثل (ميرطولة) في البرتغال، أم بالمدن الكبرى مثل قرطبة التي كانت عاصمة للأمويين ومركزاً حضريا مشهوداً على الساحة الدولية في تلك الحقبة.

وقد تميزت الحضارة الأندلسية في القرن الحادي عشر، على عهد ملوك الطوائف، بخاصيتين تبدوان متناقضتين في الظاهر. الأولى فردية والثانية جماعية. فأعلام الثقافة في هذه المرحلة برعوا في مختلف مجالات المعرفة، ولا أدل على ذلك من أبي الوليد الباجي مثلا الذي كان عالما فذا ومشهوداً له كقطب من أقطاب المذهب المالكي، وابن زيدون الذي يعتبر شاعرا غنائيا متفردا بتشبيبه في محبوبته ولادة؛ وعبد الله ابن بولوجين الذي كان حاكما لغرناطة والوحيد الذي كتب مذكرات تعتبر اليوم من أهم المراجع في تاريخ الأندلس على مر ثمانية قرون وتمكن من الحديث عن القرن الحادي عشر بصيغة المتكلم؛ والمعتمد ابن عباد حاكم اشبيلية وشاعر يعتبر رمزاً للثقافة الأندلسية وقد رثاه الشعراء في منفاه ولدى مقتله بأمر من السلطان المرابطي يوسف ابن تاشفين في سجنه بمنطقة أغمات، قريبا من مراكش، بعيدا عن محبوبته اشبيلية.

أما الخاصية الثانية فقد تمثلت في التقدم العلمي الذي وسم الحياة الثقافية لتلك الحقبة، حين سطع نجم علماء زاوجوا بين الفكر الديني والسلطة السياسية. فقد صوّر الشعراء بصدق فظاعة الواقع السياسي والاجتماعي لممالك الطوائف، كما أنّ تاريخ الشعر العربي الحافل صاغ بالتعبير الأمثل المشاعر الإنسانية في تعبيبريتها الأكثر خصوصية وكونية. لنا أن نذكر في هذا السياق مجالات معرفية مختلفة كالكتابة التاريخية مع ابن حيان، والجغرافيا مع البكري، والتشريع والرياضيات والزراعة والطب والفكر السياسي. وبصيغة أخرى فقد كانت الحركة الثقافية خلال القرن الحادي عشر ثمرة لتقدم العلوم الإنسانية والدينية والتجريبية بلغت به أوجاً لم يبلغه فيما قل، وهي في ذلك ثمرة للبذور الثقافية التي شهدها القرن العاشر في ظل الخلافة الأموية فكان لها انعكاس قوي على المسار الثقافي الذي تواصل في القرون التي تلت العهد المرابطي والموحدي سواء في الأندلس أم في مناطق أخرى من المغرب الكبير.

د. محمد بنعبود بالرباط