منذ الثاني من يناير 1492 تاريخ الاستيلاء على غرناطة أو سقوطها بيد الملكين الكاثوليكيين، بدأ مسلسل طويل الأمد،لم ينته إلى اليوم، هدف إلى إضفاء الطابع المسيحي على المدينة ومحو ما أمكن محوه من معالم الثقافة العربية التي نشأت بها مذ وصلها المسلمون في القرن الثامن.إن محو هذه المعالم بدأ بعدم احترام الملكين الكاثوليكيين لبنود اتفاقية استسلام المدينة التي وقعا عليها، ليتواصل بعد ذلك  مع إحراق خزانة كتبها، الذي أمر به الكاردينال ثيسنيروس، ثم بالطرد النهائي للمورسكيين عام 1610. وسوف تستمر عملية محو هذه الهوية خلال القرون الموالية بحيث دأب عليها كل من تولوا الحكم في إسبانيا والذين ما كانوا ليترددوا في طمس الهوية الثقافية العربية الإسلامية التي اكتسبتها غرناطة على امتداد ثمانية قرون.

ويمكن القول إن عيد الثاني من يناير والذي يُحتفل به إلى اليوم احتفالاً عمومياً يشارك فيه الجيش والكنيسة هو أحد المظاهر التي تتجلى من خلالها الرغبة في اجتثاث الثقافة العربية من غرناطة لصالح الثقافة الإسبانية.

هذه السياسة كانت سبباً في ظهور تيار من المثقفين والفنانين عبروا عن رفضهم لهذا الاحتفال ودلالاته، وطالبوا من خلال وسائل الإعلام، أن يتحول إلى مناسبة يتم فيها إبراز خصوصيات التعايش والتسامح اللذين ميزا الأندلس العربية. غير أن ما ذهب إليه دعاة هذا التيار قوبل بالرفض، أولاً من طرف سلطات المدينة وثانياً من طرف بعض المتعصبين وبعض المنادين بالحفاظ على التقاليد بغض النظر عن دلالاتها. كل هذا نجم عنه نقاش عمومي بين المؤيدين والمعارضين تزداد حدته كلما اقترب الموعد السنوي للاحتفال.

وبصفتي عضوة في “مجموعة  بيان 2 يناير”  الصادر عام 1995 والذي نادى بتغيير طبيعة الاحتفال وجعله يرمي إلى التصالح والتسامح بين الثقافات، وبصفتي مستعربة ومحبة للثقافة العربية، أريد الإشارة إلى التطور الذي عرفته ظاهرة احتفالات الاستيلاء على غرناطة منذ نشوئها في نهاية القرن الخامس، في نفس الوقت أريد الإشارة إلى النقاش الذي ولده هذا الاحتفال في الوقت الحاضر، منبهة إلى  ما قد يثيره الاحتفاظ به من حساسيات، خصوصاً مع تزايد عدد المهاجرين الوافدين على إسبانيا من شمال إفريقيا وكذا مع تزايد عدد معتنقي الإسلام من الإسبان والذين يقيم عدد مهم منهم في غرناطة.

الدكتورة ثيليا ديل مورال مولينا،

جامعة غرناطة