إن طاقة ابن حزم وعناده وسعيه الحثيث كي لا يترك مجد الأمويين ينطفئ، ورفضه أن يرى هذا المجد يتخرب، جعل منه أحد أذكى المفكرين الذين لم يكن في دولة الخلافة مثيل له. فكتاباته المدهشة، التي تغطي كل الميادين تقريباً، تنم عن مثقف من الدرجة الأولى في تاريخ الأندلس؛ رغم أن عدداً كبيراً من أعماله المتأخرة لم يكن سوى “رصاصات لاذعة” وجهها إلى خصومه الحقيقيين والمفترضين. والمؤرخون والكتاب الإسبان اليوم، والذين عكفوا على دراسة ابن حزم، استرعى انتباههم المرارة التي تلازمه، فاعتبروه شخصية دونكيشوتية. ومهما يكن، فقد كان مثقفاً متفرداً، وكانت حياته كلها إخلاصاً للخلافة التي لم يكف عن بكائها، وكأنه فقد محبوبته. ولا يمكن أن نقول إن الخلافة ماتت فعلاً بموت ابن حزم، خمسين سنة بعد نهب مدينة الزهراء، ذلك أنه كان آخر من تغنى بروائعها المفقودة.إن ما تميز به ابن حزم من عناد وتصلب كبيرين لم يكن خبثاً منه، فأبوه كان وفياً مخلصاً للعامريين (المنصور وأبنائه)، الحُجّاب الذين نظموا انهيار الخلافة. عندما كان آخر العامريين، “سانشويلو”، يبلغ من العمر خمس عشر سنة، وهو إذاك شاب سهل التأثر، أطيح به واغتيل؛ وهذه الأحداث هي التي سببت سلب مدينة الزهراء سنة 1009. بعد ذلك توفي والد ابن حزم في السجن، حيث وُضع لأسباب سياسية. أما ابن حزم، الذي كبر داخل حريم (كتب بغزارة عن هذه التجربة)، فكان، كما يمكن أن نتصور،  أكثر مثالية وأكثر بطولية من أبيه. لقد عانق القضية الأموية سنة 1009، بُعيد وفاة أبيه بالسجن، ودافع عنها إلى النهاية، حتى بعد سقوط قرطبة سنة 1013. وكان قد ساهم في شبابه في سلسلة المعارك التي كانت ترمي إلى إعادة نوع من الخلافة الأموية. وكانت هذه السنوات مليئة بالدسائس السياسية والهجرة والترحل والتيهان. كان ابن حزم يمتلك شجاعة نادرة في الدفاع عن قناعاته، وهي القناعات التي خاطر بحياته من أجلها في ساحة المعركة. وقد عرف أيضاً السجن عندما عاندته رياح السياسة فراهن على من خذلوه، وهو ما حصل مرات ومرات. وأتت سنوات ذاق فيها الألم الشخصي. ماتت محبوبته وقد سلبت قرطبة. وبعد ذلك بسنوات، سيقول إن مجرد التفكير في موت تلك الجارية الشابة كان بالنسبة إليه أمراً لا يُحتمل، ويمكن أن نتخيل كذلك ما اعتصره من ألم وهو يرى قرطبة تموت: “والله ما نسيت ذلك اليوم ولن أنساه إلى يوم مفارقة الحياة”.

توزَّر ابن حزم لفترة قصيرة، ولكنه كان وزيراً غير سعيد، لأن مخدومه كان آخر خليفة أموي نظرياً، وهو عبد الرحمن الخامس. وبعد الإطاحة بهذا الشاب قليل الدراية واغتياله، بعد أن حمل لقب الخليفة لسبعة أسابيع، وجد ابن حزم نفسه في السجن من جديد. وهنا أحس ببطلان وضعه، فاعتزل السياسة، وارتاد الطرقات؛ غير أنه لم يكن فارساً منعزلاً. لقد كان بالأحرى متشرداً فظاً حاد المزاج، فقيهاً متنقلاً لا يقيم في مكان. ذهبت المدينة التي شكلت مركز الإسلام، الجوهرة الأصلية التي عرفها في شبابه، وانتصبت مكانها العديد من المدن الصغيرة المتواضعة؛ وانطوت كل طائفة على نفسها، وعلى طموحات حزبها. كتب ابن حزم ذلك عندما تحدث عن حبه المفقود لقرطبة: “محبتي لها حجبت كل ما سبقها وطردت ما أتى بعدها”.

الأندلس العربية: إسلام الحضارة وثقافة التسامح، (بتصرف)،

ماريا روزا مينوكال،

ترجمة،عبدالمجيد جحفة ومصطفى جباري،

الطبعة الأولى،  دار توبقال، الدار البيضاء.