حظي نصارى الأندلس بحق ممارسة شعائرهم الدينية في كنائسهم وأديرتهم، فقد أبقى لهم المسلمون على كل المؤسسات ذات الصبغة الدينية، دون أن يمسوها بأذى، كأديرة الرجال والنساء والبيع الصغيرة.وقد شارك المسلمون عند الفتح نصارى قرطبة في كنيستهم الجامعة المسماة شنت بنجنت (San Vicente) وبنوا في شطر منها مسجداً جامعاً، في حين تركوا الشطر الثاني بأيدي النصارى.

وعندما ضاق المسجد الجامع بقرطبة بالناس على عهد عبد الرحمن الداخل، طلب من النصارى بيع ما بقى بأيديهم من الكنيسة، وذلك سنة 169هـ 785م،  ووافق هؤلاء مقابل السماح لهم ببناء كنيسة خارج أسوار قرطبة، على ان يتخلوا للمسلمين عن هذا الشطر من كنيستهم لتوسيع المسجد.

أما في باقي أنحاء الأندلس الأخرى؛ فلم يتعرض المسلمون للكنائس؛ حيث بقيت تؤدي وظائفها الاجتماعية االئ جانب وظيفتها الدينية؛ حيث كان القساوسة يعقدون الزيجات، ويعمدون المواليد، ويختارون لهم الأسماء، ويسجلون المبايعات والعقود بين الناس.

ليس هناك من إحصاء لدور العبادة في الأندلس، وإن كانت الكنائس قد توزعت بين مختلف أنحائها؛ فقد ذكر أحد الدارسين الأوروبيين أن عدداً من الكنائس كانت موجودة بقرطبة وطليطلة وغيرها من المدن الاندلسية الأخرى، كما أشار آخر إلى وجود عدد كبير من المطرانيات و الاسقفيات، وأن عددها قد انخفض بعد الفتح، حيث صار واحد وثلاثين كرسيا، ومنها ثلاث مراكز مطرانية في طليطلة وماردة وإشبيلية.

وفي ظل الموجود الإسلامي بالأندلس يمكن إحصاء أكثر من عشر كنائس أخرى بقرطبة، وتسع بطليطلة، وأربعة في ماردة، وأخرى في غرناطة واشبيلية، إضافة إلى خمسة عشر من الصوامع المنتشرة حوالي قرطبة وحدها.

تتحدث المصادر العربية كذلك عن عدة كنائس أخرى؛ فالحميري ذكر وجود كنيسة بإستجه، وتحدث عن بعض الكنائس والأديرة في حصن ببشتر.

ولم يقتصر دور الكنائس على النشاط الديني فحسب، بل تعداه إلى القيام بادوار ذات طبيعة اقتصادية واجتماعية، من ذلك تسهيل أمور التجار العابرين، وتقديم بعض الخدمات كالأكل للمحتاجين.

أهل الذمة بالأندلس،

محمد الأمين ولد آن،

دار الأوائل للنشر والتوزيع، دمشق 2011.