كان البربر بغير شك أكثر عدداً من العرب، ولكنهم سرعان من تعربوا لغة وثقافة. ويلحق بالعرب فريق كبير هم المدعوون بالموالي، وكثير من هؤلاء كانوا عناصر غير عربية، غير أنهم يلحقون بالعرب جرياً على قاعدة سائدة وهي أن “مولى القوم منهم”، فرابطة الولاء تكاد تقارب رابطة النسب، وسنرى كيف برز على مسرح سياسة الأندلس عدد كبير ممن ينتمون إلى أسر الموالي فولوا أعلى مناصب الدولة، وكان غالبية هؤلاء موالي بني أمية فكان ولائهم وعصبيتهم للأمويين.

ويبقى أهل البلاد وكان المجتمع القوطي منقسماً إلى قسمين: الحكام القوطيين والرعايا من أهل البلاد، وأنه كان مجتمعاً تسوده الفوارق الحادة بين الطبقات المتمايزة. فلما دخل المسلمون بمختلف العناصر التي كان يتألف منها الفاتحون امتزجوا بأهل البلاد جميعاً وتزاوجوا معهم. ولنذكر أن هؤلاء الفاتحين لم يقدموا إلى البلاد أسراً، وإنما رجالاً فقط، فكان عليهم أن يتخذوا أزواجاً لهم من نساء البلاد. وهكذا لا نلبث أن نرى في الأجيال التالية مجتمعاً وهو خليط من كل تلك العناصر. وأحسن العرب معاملة أهل البلاد فلم يثقلوهم بالضرائب، كما أطلقوا لهم الحرية الدينية، فلم يكرهوا أحداً على اعتناق الإسلام، وأدت هذه السياسة المتسامحة إلى مزيد من الامتزاج بينهم وبين أهل البلاد، وإلى أن يقبل الكثيرون منهم على اعتناق الإسلام وسمي هؤلاء المسلمين الجدد بالأسالمة أو المسالمة وسمي أبناؤهم بالمولدين، وبقيت طائفة كبير من أهل البلاد محافظة على دينهم المسيحي، ولكنهم تأثروا بمساكنيهم من العرب في عاداتهم وأوضاعهم الاجتماعية واتخذوا العربية لغة لهم ولهذا فقد سموا بالمستعربين،  لكن عدد هؤلاء كان يتناقص بشكل مطرد كلما زاد الإقبال على اعتناق الإسلام.

الحضارة العربية الإسلامية في الأندلس، محمود علي مكي، تنسيق سلمى الخضراء الجيوسي، منشورات مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الثانية، بيروت ، 1999.