ضمت خريطة الملكيات العقارية في أندلس القرن الخامس الهجري استغلاليات متعددة الأشكال والأحجام، اتبعت في استثمارها أربعة نظم رئيسية:

1- نظام استثمار الأراضي السلطانية وأراضي الإقطاع : كان القائمون على الأمر في الممالك الطائفية وأسرهم والمقربين منهم يملكون عدداً من الحيازات والاستغلاليات تمثلت في المنى والمستخلصات، كما أن أطرافاً أخرى عسكرية ومدنية، كانت تملك بدورها أراضي منحت لها كإقطاعات. ولم يكن القائمون على الأمر، أو كبار قادة الجيش أو بعض العناصر “المدنية” التي تسلمت إقطاعات ، يشرفون على إدارة حيازاتهم واستغلالياتهم بأنفسهم، بل كان يقوم بذلك وكلاء عنهم. وإلى جانب قطع الأرض التي كانت تمنح كإقطاعات لكبار قادة الجند وأفراد آخرين، كان يعتمد في استغلال الأراضي  السلطانية وأراضي الإقطاع على عدد كبير من المزارعين الذين يعينهم الوكلاء ويسندون إليهم المهام الواجب القيام بها حسب جدول الأعمال الزراعية.

2- نظام  استثمار الاستغلاليات الخاصة: كانت الاستغلاليات الخاصة منتشرة في الحواضر والأرياف على السواء، وتتميز بثلاثة أشكال : استغلاليات كبرى؛ وهي عبارة عن ضياع أو قرى بأكملها كان يملكها كبار الملاكين من أفراد الارستقراطية كالوزراء والقضاة والفقهاء، واستغلاليات متوسطة كانت تملكها بعض الأسر الموسرة، ثم الاستغلاليات الأسرية صغيرة الحجم والمتمثلة في البساتين والجنان والفدادين التي كانت في حوزة فلاحين “حضريين” وآخرين “بدويين”، ومن بين ملاكي هذا الصنف الأخير من الاستغلاليات، بعض المتصوفة الزهاد.

من هذا المنطلق نفهم أن نظم استثمار الاستغلاليات كانت مختلفة باختلاف المكانة الاجتماعية للأطراف المالكة لها، وباختلاف حجمها أيضا.

ولتقديم صورة واضحة ومبسطة عن النظم المتبعة في استثمار الاستغلاليات الخاصة، فإننا نميز فيها بين نظامين رئيسيين: واحد غير مباشر والثاني مباشر، يتمثل النظام الأول في تقديم الاستغلالية إلى من يتعهدها بالزراعة أو الغراسة أو السقي بمقتضى عقد، ويتمثل النظام الثاني في الاستثمار المباشر للاستغلالية، وهو نظام كان يتبعه صغار الملاكين الذين كانت بحوزتهم استغلاليات في محيط الحواضر وخارج أسوارها.

تعتبر عملية السقي إحدى مكونات العمل الزراعي، وتكتسي أهمية بالغة في ضوء المتغيرات المناخية، وتزداد أهمية السقي إذا علمنا بأن نبتة البذور حين تظهر على سطح الأرض، وكذلك أصول الأشجار بعد غرسها مباشرة تحتاج إلى كميات من المياه لمساعدتها على النمو في هذه المراحل الأولى، وانطلاقا من هذه الأهمية، فإن كبار ومتوسطي الملاكين العقاريين لم يكونوا يقومون بعملية السقي بأنفسهم، بل كانوا يسندونها إلى أفراد مختصين يعرفون بالمساقين، أما المجال الذي تتم فيه عملية المساقاة فهو في الأغلب الأعم قطعة أرض تغطيها أشجار مثمرة، شريطة أن تكون تلك الثمار لازالت لم تصل بعد مرحلة النضج والجني، وعلى هامش عملية السقي يقوم المساقي بأعمال خفيفة كإزالة الأعشاب من السواقي لتسهيل جريان المياه،  ويمكن أن يقوم أيضا بتقليم أغصان الأشجار وزبر الكروم.

3- نظام استثمار أراضي الأحباس : تمثل القبالة النظام الأساسي الذي كانت تستثمر بمقتضاه الأراضي المنضوية في نظام الأحباس، وخاصة منها الاستغلاليات المحبسة على منشآت دينية (مساجد) أو أفراد معينين (مرضى، معوزين…) والقبالة نوع من أنواع الكراء تعهد بموجبها قطعة الأرض المحبسة إلى من يرغب في القيام باستثمارها، وتتم العملية تحت نظر القاضي بوصفه المشرف الأول على تدبير العقارات المحبسة.

تتم مراسيم الحصول على قطع الأرض المحبسة من قبل الراغبين في استثمارها في مجلس يعقد لهذا الغرض يدعى يوم عقد القبالات، حيث ينادي الدلال في أوساط الحاضرين معرفا بالاستغلاليات الموضوعة رهن القبالة، ويتزايد المعنيون في سومة كرائها حتى تستقر كلها عند الذين يستقبلونها.

4- نظام استثمار الأراضي الجماعية : كانت الأراضي الجماعية تتشكل بوجه خاص من الفضاءات التي تغطيها أشجار كثيفة (الشعراء) ومن الأراضي الواقعة في مناطق وعرة أو مناطق نسبة رطوبتها مرتفعة (منحدرات، مروج، سبخات…) وكان نظام استثمارها يختلف عن نظم استثمار الاستغلاليات الأخرى، فهي مبدئيا أراض خاضعة لسلطة الممالك التي تقع ضمن نفوذها، ولا يملكها أشخاص ذاتيون، ومن هذا المنطلق تعتبر أراض “مباحة” من حق جميع فلاحي القرية الذين تقع إحدى هذه الأراضي في دائرة حدود قريتهم الاستفادة منها.

عن كتاب الزراعة في الأندلس، بتصرف

الدكتور يوسف النكادي، منشورات مركز دراسات الأندلس وحوار الحضارات، الرباط 2009