عرفت أرض الأندلس تكاملاً اقتصادياً بين الفلاحة والتجارة والصناعة، في نفس الوقت انتقل ثقل الحركة الاقتصادية من البادية إلى المدينة، وهو ما سمح بازدهار المدن وظهور اقتصاد شبيه بالاقتصاد البرجوازي الذي لن يعرفه الغرب المسيحي إلا منذ النصف الثاني من القرن الخامس عشر الميلادي، مع انطلاق الاكتشافات الجغرافية الكبرى. لأن المدينة كمركز تجاري لم تظهر في أوروبا القرون الوسطى ذات البنية الفيودالية، باستثناء الأندلس. ولم تكن ساكنة روما وهي عاصمة المسيحية، تتجاوز في القرن العاشر الميلادي 30 ألف نسمة، في وقت كان العديد من حواضر الأندلس يتجاوز هذا الرقم. ويؤكد ابن عذاري أن عدد منازل قرطبة على عهد خلافة عبدالرحمن الناصر تجاوز 100 ألف[1]، وهو ما يؤكده المقري كذلك، والذي يقدم لنا معطيات إحصائية طريفة عن الحركة التجارية في قرطبة في مطلع القرن الحادي عشر، حيث وصل عدد محلاتها التجارية إلى 8.445 محلاً[2]، نسبة مهمة منها في ملكية التجار النصارى واليهود، الذين كونوا ثروات كبيرة، وتخصصوا في قطاعات اقتصادية محددة أصبح لهم قدم السبق فيها.

ويسلم بالازدهار الكبير الذي عرفته المدينة في الأندلس حتى أكثر المتحاملين على الحضارة الأندلسية، من أمثال المؤرخ الإسباني المشهور كلاوديو سانشيس البورنوس Claudio Sanchez Albornoz الذي استنتج بعد دراسة متأنية للوثائق، أن ساكنة قرطبة في القرن الحادي عشر الميلادي تجاوزت نصف مليون نسمة. والظاهر أن الازدهار التجاري للمدن كان وراء اشتهار بعضها بأنواع محددة من السلع، وهكذا عرفت قرطبة بصناعة الجلود التي كانت تُصَدر إلى مختلف بلدان الشرق الإسلامي وأوروبا خصوصاً فرنسا، لدرجة أن كلمة “إسكافي” Cordonnier بالفرنسية، مرتبطة في أصلها، بمن تخصص في فرنسا في صناعة الجلود القادمة من قرطبة Corduo . وبحكم أنها عاصمة العلوم كذلك، فقد اشتهرت قرطبة بتجارة الكتب، وكثر فيها النساخ الذين راجت سلعهم، وكانوا أحياناً عاجزين عن تلبية الطلب المرتفع لتجار الكتب القادمين من الشرق والغرب. واشتهرت بين الأندلسيين عبارة مفادها أن من يرغب في اقتناء كتب يذهب إلى قرطبة، ومن يرغب في اقتناء آلات موسيقية يذهب إلى إشبيلية، وهي دلالة على الدور الذي اطلعت به هذه الأخيرة كحاضرة للموسيقى والفن.

د. عبدالواحد أكمير

[1] – ابن عذاري، البيان المغرب، تحقيق إحسان عباس، دار الثقافة، بيروت، 1967، ص 247 و383.

[2] – المقري، نفح الطيب، تحقيق محيي الدين عبدالحميد، الجزء الثاني، ص 80، مطبعة السعادة، القاهرة، 1949.